كيف نتعامل مع المواسم العبادية؟

الإعداد الروحي لشهر رمضان

عمليات الجرد الروحي قبل شهر رمضان
المؤسسات الحكومية والأهلية تتخذ من رأس السنة الميلادية – مثلاً – موسماً وتاريخاً للجرد ، التاجر الذي كدَّ في سنة كاملة و أتعبَ بدنهُ ونفسه ، في ليله ونهاره ، ينظر ماذا كسبَ في عامه ؟.. وكونه مالكا لمحل تجاري أو مالكا لشركة كبرى لا يعني ذلك أنهُ قد ربح ؛ قد يكون ربح هذا التاجر في آخر السنة أقل من ربح عامل ، إذا كان قد ربح عشرة آلاف درهم بعدَ اللتيا والتي فهذا ليس بتاجر هذا عامل ودون العامل ، لا يغرهُ الشركة لا يغرهُ الإنتاج ما دام هو يُنتج ويصرف ، وليسَ هنالكَ من مردود في آخر الحساب !

إخواني : من أول شهر رجب يبدأ موسم الاستعداد لشهر رمضان ، إن على المؤمن أن يجرد حساباته للسنةٍ الماضية .. مضت سنةٌ كاملة بلياليها وأيامها.. بحجها وعمرتها وزياراتها .. بصلواتها بليالي قدرها .. بمحرمها …بدعاء كميلها .. ما هو الأثر لكل هذا النشاط ؟.. وحديثي هذا متعلق بالإنسان المؤمن ، الذي يحضر المساجد ، أما غير المؤمن فهذا ليس عنده شركة حتى نتكلم معهُ في جَرد أو غير جرد .. فالذي لا يعمل إنسان عاطل باطل ، و كما تقول الرواية عنه : ( جيفةٌ بالليل ، وبطالٌ في النهار ) نعم ، قد يكون وزيرا ، ولكن إذا لم يعمل لآخرته فهو بطَّالٌ ، وجيفةٌ بالليل وإن بلغ مابلغ .

فقبل قدوم شهر رمضان على المؤمن أن يستعيد شيئا من حساباته ، يعمل جردا ماله ؟.. وما عليه ؟.. وما هو صافي الأرباح؟.. و الجرد يعدُّ عملية حسابية يقوم بها المتخصصون والمستشارون في عالم التدقيق ، وهؤلاء لهم قواعد ولهم أساليب .. سنوات جامعية متعارفة يتخرج الإنسان على أنهُ مدقق حسابات و خبيرٌ في جرد حساب الشركات . و جرد حساب النفس ألا يحتاج إلى خبرة بطريق أَوْلَى ؟!.. ألا يحتاج إلى قواعد ؟!.. ألا يحتاج إلى رؤية مستقبلية وفعلية ؟!.. شركةٌ رأس مالها مائة مائتين درهم ما قيمتها ؟؟!.. هذه النفس التي بينَ جنبيك هل أنت مستعد أن تبيعها ؟ .. ففي يوم القيامة ﴿ يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ 11 وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ 12 وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ 13 وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً – 14 المعارج ﴾ الآية غريبة !!.. يُقال للإنسان يوم القيامة : مارأيك أننقذكَ أنتَ ونحرق كل من على وجه الأرض ؟.. يقول : نعم يا ربي كل من في الأرض أدخلهم جهنم ، ولكن أنا وحدي أدخلني الجنة !!.. هكذا منطق الإنسان يوم القيامة .. ألا تحتاج هذهِ النفس إلى جرد و إلى إعادة حسابات وهي بهذهِ المكانة و بهذهِ العزة ؟!..

و لا ندري بأي بيان نوصل هذه الحقيقة : أنَ الإنسان عليهِ أن ينتبه لنفسه ، و القرآن الكريم يصيح بالمعنى المجازي ﴿ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً – التحريم 6 ﴾ القرآن الكريم يذكرنا في مناسبات عديدة : اذكروا الله ذكراً كثيرا ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً – الجمعة 10﴾ هذهِ الحقائق لمن ؟.. لماذا لا نعتبر أنفسنا معنيين بهذهِ الأمور ؟.. إن هذا الحديث يعنيني ويعنيك .. هذا هو الحديث الذي ينبغي أن يهز الكيان ، وعلينا أن نعترف أن واقعنا واقعٌ غير جيد .

قواعد جرد النفس

القاعدة الأولى : الاعتراف بواقعنا
الإنسان قد يبدو عند الناس ذا منظر حسن .. مؤمنا .. ملتزما موفقا … دع حديث الناس جانباً .. انظر إلى نفسك .. أنت أبصرُ بنفسك من غيرك .. فعلى الإنسان أن يعترف بواقعهِ المرير .. بما هو فيه ، وبما ينبغي أن يكون عليه .. ضع مسطرة .. خطا مستقيما .. و انظر إلى خطك .. أين تمشي؟.. وأين الخط المستقيم ؟..
قد تكون إنسانا موفقا في أعمال جُزئية .. تصلي صلاة الليل .. تبكي أمام الله عزَوجل .. هذهِ نقاط جزئية .. أينَ الخط العام ؟.. هل أنتَ سائرٌ على الدرب أم لا ؟.. كونك موفقا في نقطة في نقطتين لا يعني أن عندك امتياز عام . عليك ألا تنسى أن عندك عشرات المواد و ليست مادة أو مادتين . قد تكون متميزا في الرياضة فقط ، ولكن ماذا عن بقية المواد ؟.. إخواني ، علينا أن نكون واقعيين ، بعض الناس نجده مستغرقا في عمله من الصباح إلى المساء ، وحتى بعد الدوام فكرهُ في العمل ، متابعات العمل وأما هذهِ المسكينة البائسة الفقيرة – وهو أحسن تعبير للنفس – فهي مُهْملةٌ ، و في شهر رمضان .. يمتنع فقط عن الأكل .. ولكن أهذا هو الصوم ؟.. (كم صائمٍ ليس لهُ من صيامهِ إلا الظمأ ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا العناء ) أهذا هو الصوم ؟.. أهذا هو الحج ؟.. أهذهِ هي العمرة ؟.. أهذهِ هيَّ صلاتنا عباداتنا ؟..

فأول خطوة من خطوات التغيير أن أعترف بما أنا فيه ، و ليس المقصود بالاعتراف أن يكون أمام القسيين والرهبان الإسلام دين السِتر ، فالاعتراف بيني وبين الله عز وجل بالواقع الذي أنا فيه ، أولياء الله يجأرون يصيحون في جوف الليل بواقعهم السيئ بالواقع الذي لم يتغير .

في عالم الفيزياء عبارةٌ معروفةٌ أن الجسم الساكن ساكنٌ ما لم يُحرَّك . توجد بعض الجبال عليها قطعة حجرية توشك على السقوط ، ولكنها باقية ملايين السنين عندما لا توجد ريح أو يدٌ أو أي محرك . و أنت كذلك لو عُمرتَ عمر نوح ألف سنة إلا خمسين عاما وأنت على ما أنت عليه ، لا يتغير من واقعك شيء ، أنت عندما لا تتحرك يبقى واقعك على ما هو ، ولهذا بعض الناس يطلب من الله طول العمر ، فلماذا يطلب طول العمر إذا كانَ العمر يطول ولكن من دون عرض ؟.. ما قيمة هذا الطول الذي لا عرض له ؟.. اطلب من الله عزَّ وجل أن يُعطي عمقا لهذا العمر ، مثال : الزهراء (ع) عمرها ثمانية عشر سنة ، الإمام العسكري (ع) الإمام الجواد (ع) الإمام الهادي (ع) هؤلاء ما عاشوا في الدنيا إلا ثلاثين أو دون الثلاثين واكتسبوا الخلود عندَ رب العالمين ، فليسَت القضية قضية عمر الإنسان ، نرى بعض الناس وقد اشتعل رأسه شيبا وأعمالهُ أعمال مراهق ، عنده أحفاد .. ذرية .. شركات .. أموال .. عمارات .. عقارات .. ولكن تصرفاته تصرفات مراهق بكل معنى الكلمة ، فالإنسان إذا لم يتحرك ، إذا لم يُغير الواقع سيبقى على ما هو عليه .

ولهذا – في مرحلة الجرد – الاستغفار قُوتُ المؤمن ، المؤمن لا ينفك عن الاستغفار ، وإذا استغفر ، ليس استغفار لقلقة لسان فيأخذ سبحة بمئة حبة ويكرر استغفر الله في جوف الليل ، العفو العفو العفو ، بصوت رتيب دون أن يعلم ما يقول ليس هذا الاستغفار !!.. بينما الاستغفار أن يقف الإنسان موقف الخجل والوجل من رب العالمين .

القاعدة الثانية : العزم على التغيير
هب أن إنسانا اعترف بواقعه ، و أنه رأى واقعهُ سيئا ، ولكن ليس عنده هِمَّةٌ أو عزم للتغير .. ولكنه يرضى بهذا الواقع . مثال : إنسان كانَ نائما .. استقيظ فإذا هو على مزبلة .. فإذا كانت الرغبة في الانتقال من المزبلة إلى الروض .. إلى الأماكن الغناء … غير موجودة فهذا الاستيقاظ ما قيمتهُ ؟!.. وقد ورد : (( وقد علمت أن أفضل زاد الراحل إليك عزمُ إرادةٍ يختارك بها )) يقول البعض من أين لي هذا العزم ؟.. من أين أشتري هذا العزم ؟.. نحنُ في أمور الدنيا عندنا عزم .. يريد أن يؤسس شركةً عملاً تجاريا يذهب إلى أقصى البلاد يومياً ذهاباً وإياباً .. عنده أمل أن يُفتح لهُ مجالٌ .. أن يتوظف .. وقد يذهب إلى بلاد الغرب خمس سنوات يوطن نفسه على الغربة .. والعزوبة .. وأكل الحرام .. وفعل المنكرات .. على أمل الحصول على شهادة .. و عندما يرجع يُوظف في أحد البنوك أو الشركات .. ليأكل ويعيش .. فلماذا في مقام الدنيا ننتقل من بلد إلى بلد نتحمل غربة الأهل ولكن في مقام شؤون الأخرة تصبح القضية صعبة و تحتاج إلى جهد ؟!.. أنت بإمكانك أن تعزم ، ولكنكَ لا تريد أن تعزم لعدم اعتقادك بهذا الكلام ؛ ولهذا نحن نكرر.. حتى تُصبح عندي قناعة أنه لابد أن نغير هذا الواقع السيء ، وإن لم أغيره الآن فمتى أغيره ؟.. شهرُ رمضان على الأبواب .. و الرواية عندما تعبر بكلمة الشقي ليس تعبيرا جزافيا .. ليس تعبيرا شاعريا .. ( الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم ) لا بد أن أُبرمج حياتي من الآن ، بعض المؤمنين بشكل مبكر يضع عينه على ليالي القدر ، ليالي القدر لا تعني قضية انقلاب جوهري في ليلة أو في ليلتين . فعليَّ أولا :الاعتراف بالواقع ،وثانيا : العزم على التغيير .

القاعدة الثالثة : طول البال
القضية تحتاج إلى زمن .. إلى مكابدة .. ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ – الإنشقاق 6 ﴾ ليست القضية قضية يوم أو يومين .. البعض في ليلة الجمعة يريد أن يصل إلى العرش .. في ليلة واحدة يريد أن يغير الواقع .. القضية ليست هكذا .. القضية تحتاج إلى عزم و سير ، من المعروف أن سن الأربعين سن التكامل ، فالإنسان الذي بدأ بالتغيير من فترة البلوغ وصولا بفترة الشباب ، فيرجى أن يرى في سن الأربعين بعض بدايات التحول في حياته ، وإذا لم يتغير كما في بعض الروايات : ( يمسح إبليس على وجه الإنسان ويقول : هذا وجهٌ لا يُفلحُ أبدا ). فالقضية بحاجة إلى طول بال .. إلى عمل منتظم .. إلى سير دائم ؛ ليحقق الإنسان شيئا من النجاح في هذا المجال .

القاعدة الرابعة : الشجاعة والجرأة
مثال: إنسانٌ يأتي من السفر يرى بيته منهوبا .. اللصوص دخلوا البيت .. عاثوا فيه فساداً .. لا يرى شيئاً في المنزل سالما .. قُلب عاليها سافلها .. فيقول في نفسه يأسا أن ما حصل لا يمكن تعويضه .. عليك بالتغيير والتعويض إبدأ من نقطة وانتقل إلى الأخرى من المطبخ إلى الصالة ، من زاوية إلى أخرى وبالتدريج تصل إلى ترتيب البيت مرة ثانية . التطبيق : إنسان استيقظَ على واقع مرير ، أموره كلها مبعثرة ، مع أهلهِ .. مع بيئتهِ .. مع نفسهِ .. مع ربه .. لا توجد علاقة سالمة مئة بالمئة .. مع الكل الخطوط متشنجة .. عليه أن يبدأ خطوة فخطوة .. يبدأ من نقطة معينة ويُصلح الأمر عسى أن ينجح في باقي النقاط الأخرى . فعلى الإنسان الذي يريد أن يحقق شيئا أن لا يصطدم .. لا يُفاجأ .. لا ينسحب .. لا يفر من التغيير .. وخاصة بالنسبة للإنسان الذي استيقظَ على واقع مرير ، الخلاصة : لا تيأس بصورة مطلقة نعم فيك أخطاء فيك هفوات ، تستطيع أن تُغير ، حاول قدر ما أمكن .. خذ ورقة وقلما ، و اكتب ما عليك من حقوق مع الخالق .. مع الخلق .. قبل أن يأتيك الموت على غفلة ، بعض الناس إلى الآن لم يحسم حتى المسائل العبادية والمالية ، عليه قضاء صلوات .. قضاء صيام .. وربما حجة واجبة وكما ورد في بعض الروايات : ( يقال لتارك الحج عند موته : مت إن شئتَ يهودياً أو إن شئت نصرانياً ).. القضية بحاجة إلى صفحة واحدة إلى وريقة .. يجعلها عندَ زوجته .. عند صديقه .. تنقذهُ من عذاب النار ..تُخفف من عذابه .

القاعدة الخامسة : الانتباه لمكائد الشيطان
أنا لاحظت بدراسة علمية بعد كل طاعة ، بعدَ الحج .. بعدَ العمرة .. بعد شهر رمضان .. بعد منتصف شهر شعبان .. أُلاحظ انتكاسات في حياة المؤمنين ، مؤمن يعود من الحج من العمرة فيأتي بأمور عظيمة .. و السببُ في ذلك الشيطان .. يريد أن يُصادر مكتسباتك رآكَ تعمل ، قالَ : فلينه أعماله و هذهِ الدرجات التي اكتسبها بسيطة ، أنا عندي خبرة من آدم أبو البشر إلى يومنا هذا ، إشارة بإصبعهِ يغير واقع الإنسان رأساً على عقب ، وهذهِ لاحظتها بدقة بعدَ مواسم الطاعة أرى الإنسان ينتكس يرتكب ما لم يرتكبهُ قبلَّ ذلكَ الموسم .. لماذا ؟.. لأن الشيطان بالمرصاد .

مكائد الشيطان :علينا أن ننتبه إلى مكائدهِ ،

المكيدة الأولى : تهويل الواقع ، يقول للإنسان : اذهب .. نم .. واقعك غير قابل للإصلاح .. أنتَ إنسان منحرف .. أنتَ مصابٌ بسرطان الروح .. و هذا السرطان لا علاج له كما أن سرطان الأبدان لا علاج له .. و كذلك أنت إنسان لا رجاء منك أنت إنسان شهواني ، الشهوة دخلَت في عظمك ، البعض يقول أنا إنسان مدمن أنا كالمدمنين .. أرأيتم إنسانا مدمنا يترك الإدمان ؟ .. ونقول لهذا الذي وقع في حبائل الشيطان : من قال لك ذلك ؟! ..

أنت تحتاج إى عزمة من عزمات الملوك لتغير من واقعك .. لا تهول الواقع … إن الله عزَ وجل يحب التوابين يحب المتطهرين ، ويقول الله في الحديث : عبدي (( من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً ، ومن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً )) ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ – البقرة 222 ﴾ ومن الروايات التي توجب الحياء من الله عزوجلا ، بل الموت حياءً عن أبي جعفر : (( إن الله أشدُ فرحاً بتوبة عبده .. ما قيمتي وما قيمة الكون أمام الله عز وجل ليفرح بتوبتي ؟!.. من رجل أضل راحلتهُ وزادهُ في ليلة ظلماء فوجدهما ، فالله أشد فرحاً بتوبة عبده من ذلك الرجل براحلته حين وجدها )) إخواني ، هذهِ العبارة تبعد عنك اليأس من تغيير الواقع . بعض المؤمنين أو بعض الفسقة في ليلة في لحظة من اللحظات يتغير واقعه رأساً على عقب .

المكيدة الثانية : الوحشة من المستقبل .. يقول لك : أنت الآن إذا تبت إلى الله لن تكون هنالك لذائذ .. ولا ليال حمراء ستنتهي كل العلاقات المشبوهة .. كل المتع .. ولن تكون في الحياة لذة !!.. ولن يكون في حياتك شيءٌ سوى المسجد والصلاة والصيام وإحياء الليل ، هذا مستقبلٌ موحشٌ ، و نقول لهؤلاء : من قال بأنهُ طريق موحش ؟!.. هنالك لذة العبادة ، ومن باب الحقيقة لا المجاز هنالك مؤمنون لو خُيِّروا بينَ ليلةٍ حمراء حلال وبينَ صلاة في جوف الليل ، سنجده يلتذ بالعبادة أكثر من التلذذ بالشهوات الطارئة العابرة ، ينتهى الليل .. يُؤذن المؤذن لصلاة الفجر .. انتهت الليلة الحمراء .. وانتهى قيام ولكن أينَ تلكَ النشوة من هذهِ النشوة ؟!.. شتانِ بين عملين عملٌ ذهبت لذته وتبقى تبعته ، وعملٌ تذهب لذته وتبقى تبعته وأثامه .

و جميع اللذائذ تُشترى بدراهم ، ولكن لذة الخلوة بالله في صلاة الليل مجانية ، واللذة فيها أعمق . وعلى كل حال يأتي يوم من الأيام هذهِ اللذائذ تفنى حتى في الدنيا ، الإنسان في كبر السن لا يلتذ لا بالنساء ولا بالطعام … وليس سرا أن أمراض السكري والضغط وتصلب الشرايين والأعصاب والاكتئاب وما شابه ذلك لا تدع مجالا للإنسان أن يلتذ لا بالنساء ولا بالطعام ؛ فما هي لذتكَ في هذهِ الدنيا ؟.. رأينا مرض الاكتئاب يغزو حتى شبابنا ، لأن بعض الشباب قد جرب أنواع المتع والتذ بكل شيء ولم يعد هنالك ما يُشفي غليله ، فنجده يرى بأن اللذائذ لم تعد تسد فورته .. و تسد فراغه فنجده ينقلبُ على واقعهِ أيما انقلاب .

القاعدة السادسة : الحذر من أقران السوء
وأخيراً من قواعد الجرد أن لا أدخل المحل حراميه !!.. لاحظنا في الليالي البيض من شعبان ومن رجب حتى النساء العجائز اللاتي لا يقدرنَ على الوقوف عندما صرن في جو عبادة جماعية شعرن بلذة الإحياء ، وبهذا القيام ، فالجو الجماعي يشجع. و كذلك الحال في عالم الفساد ، إذا أردت أن تفسق لوحدك تعيش حالة من الاضطراب والوحشة ، وتتسلل وكأنك حرامي ، أما عندما تكون معصية جماعية .. قمار جماعي .. فساد جماعي .. مائدة شرب الخمر عليها عشرين ثلاثين فردا ، يخف ذلكَ الخوف الذي عندك من الحرام

علينا أن ننتبه من أقران السوء ، و كما قلنا مراراً ( أقل ما يكون في آخر الزمان درهمٌ من حلال أو أخٌ يوثق به لأن يبحث الإنسان عن أول ملجأ نفسي يركن إليه . ) .

صورة التوبة

ختاما ، أنقل لكم صورة عن توبة الإنسان عندما يعزم عليها ، ربما ذهب جمعٌ منكم إلى روضة النبي ( ص ) ، أحدنا قد يزاحم الحجاج والمعتمرين وزائري قبر النبي (ص) للصلاة ركعتين عند اسطوانة التوبة .. اسطوانة أبي لبابة .. فكيف تاب أبو لبابة ؟ وما هو الدرس ؟ .. نذكر القصة حتى نعتبر ، وهذه القصة قاعدة فالذي يمشي في سلوك أبي لبابة تُقبل توبته وإلا فلا وساطة ولا تحيز لإنسان دونَ آخر . القصة : لما حاصرَ النبي (ص) يهود بني قُريظة ، قالوا لهُ ابعث إلينا أبا لبابة نستشيرهُ في أمرنا بالنسبة إلى هذا الحصار ، فقالَ النبي (ص) يا أبا لبابة اذهب إلى حلفائك ، فأتاهم فقالوا له : يا أبا لبابة ما ترى ؟.. أننزل على حكم رسول الله (ص) فنستسلم أو نقاوم حتى الموت ؟.. فقال : انزلوا استسلموا لرسول الله (ص) واعلموا أن حكمهُ فيكم هو الذبح ، وأشارَ إلى حلقه ، قال وراءكم الموت ، إما أن تستسلموا وإما الذبح ، ثمَ ندمَ على ذلك ، مسكين أبو لبابة لم يقل سوى استسلموا وإلا فالذبح ، يعني كأنهُ انحاز إليهم ، على كل حال ندم أبو لبابة على أنهُ تكلم مع اليهود وكأنهُ منهم ، و كأنهُ يريد أن ينقذهم من هذهِ الورطة ، فقال خنتُ اللهَ عزوجل ورسوله الله (ص) و لعل المصلحة كان في إصرارهم على الثبات ، وأن مصلحة المسلمين في كسرهم ، في أذلالهم ، فهم عندما يستسلمون عن طواعية لعل الفرصة تفوت على المسلمين ، لعل هذا السر في ندامة أبي لبابة ، لعل المصلحة كانت في الحرب ، المهم لم يرجع إلى النبي ( ص ) حياءً وخجلاً ، ومر إلى المسجد ، وشد بعنقهِ حبلاً ، ثم شدهُ إلى الاسطوانة التي كانت تسمى اسطوانة التوبة ، وقال : أنا أعيش عندَ هذهِ الاسطوانة حتى أموت أو يتوب الله عزَ وجل علي ، فبلغ النبي (ص) ذلك ، فاستمعوا إخواني إلى كلام النبي (ص) فقال : أما لو أتانا لاستغفرنا الله له ، أما لو قصد ربه فالله أولى ﴿ وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ – المائدة 35 ﴾ نستطيع أن نتكلم مع الله مباشرةً ، ولكن هنالك فرصة ووساطة ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً – النساء 64 ﴾ وكان أبو لبابة يصوم النهار ويأكل بالليل ما يمسك بهِ نفسه حتى لا يموت عند السارية ، وكانت بنتهُ تأتيه بعشائه عند السارية وتحلهُ عندَ قضاء الحاجة ، فلما كان بعد ذلك رسول الله (ص) في بيت أمِ سلمة ، نزلت آية التوبة ، فقال (ص) : فافعلي يا أم سلمة ، أنتِ بشري أبي لبابة ، فأخرجت رأسها من الحجرة ، وكان بيت النبي (ص) متصل مع المسجد ، فقالت : يا أبا لبابة أبشر ، فقد تابَ اللهُ عليك ، فقال الحمد لله ، فوثب المسلمون يحلونهُ فقال: لا ، أنتم تحلوني ؟.. لا لا والله حتى يحلني رسول الله (ص) ، وسلم بيده ، فجاء النبي (ص) فقال : يا أبا لبابة قد تاب اللهُ عليك توبةً لو ولدتَ من أمك يومكَ هذا لكفاك ، أنت لو تموت الآن تموت كيوم ولدتك أمك ، إنسان حسب اعتقادهِ خانَ الله عزوجل ورسوله (ص) .. إنسان حسب اعتقادهِ تكلم بما لا ينبغي مع أعداء الله ، ولكنها التوبةُ النصوح ، هكذا رجعَ إلى الله عزَ وجل فقالَ يا رسول الله : أتصدق بمالي كله ، هذه علامة التوبة إنسان عليه ديون الله والبشر، ويتوب ولكن عند القضايا المالية يقول : لا إنشاء الله بعد شهر رمضان! يؤجل .. مطلوب حقوق الله عزَوجل أخماس.. زكوات .. رد مظالم .. حقوق الاخرين.. بادر في تصفية الحساب قبل شهر رمضان .. أبو لبابة أول كلمة قالها بعدَ الحل من الاسطوانة : أتصدق بمالي كله ؟.. قال رسول الله (ص) : لا ، الله رؤوفٌ بالعباد بالمسلمين تتصدق بمال لا داعي ، قال : فبثلثين ، قال : لا ، قال : فبنصفهِ ، قال : لا ، قال : بثلثهِ ، قال: نعم ، فأنزل الله عزَ وجل ﴿ وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ – التوبة 102 ﴾ .

الدرس : أن نعلم أن التوبة عبارة عن أسلوب .. عبارة عن عمل .. عبارة عن ممارسة .. عبارة عن إعادة واقع .. عبارة عن مجاهدة نفس .. عبارة عن إرجاع الأمور إلى نصابها كلما فرط الإنسان في ذلك .

الخلاصة:

1. من أول شهر رجب يبدأ موسم الاستعداد لشهر رمضان ، فعلى المؤمن أن يجرد حساباته للسنةٍ الماضية .. وينظر ما هو الأثر لجميع العبادات التي مارسها ؟
2. إن جرد حساب النفس يحتاج إلى خبرة بطريق أَوْلَى من جرد الحسابات المالية .. يحتاج إلى قواعد .. يحتاج إلى رؤية مستقبلية وفعلية .. هذه النفس التي بينَ جنبيك هل أنت مستعد أن تبيعها ؟ .. ففي يوم القيامة .. يُقال للإنسان يوم القيامة : مارأيك أننقذكَ أنتَ ونحرق كل من على وجه الأرض ؟.. يقول : نعم يا ربي كل من في الأرض أدخلهم جهنم ، ولكن أنا وحدي أدخلني الجنة !!..
3. قواعد جرد النفس :1. الاعتراف بواقعنا 2 . العزم على التغيير 3. طول البال 4. الشجاعة والجرأة القاعدة 5. الانتباه لمكائد الشيطان
4. إن التوبة عبارة عن أسلوب .. عبارة عن عمل .. عبارة عن ممارسة .. عبارة عن إعادة واقع .. عبارة عن مجاهدة نفس .. عبارة عن إرجاع الأمور إلى نصابها كلما فرط الإنسان في ذلك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى