كيف نتعامل مع العقيدة؟

كيف نواجه القضاء والقدر ؟

المحتوى :
ماهو المراد بالرضى بالقضاء والقدر ؟ ما هي أنواع القضاء والقدر ؟ ما المراد بلوح المحو والإثبات وعنده أم الكتاب ؟ موجبات الرضا بالقضاء والقدر ، آثار الرضا بالقضاء والقدر ، ثم جولة سريعة فيما رُوي عن أهل البيت و المعصومين في مجال إقناع الإنسان بما كتب الله عزوجل له .
من منا لا يواجه أزماتٌ مختلفةٌ في حياته ، منذ اليوم الأول﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً – الأحقاف 15 ﴾ إلى أن ينتقل من هذه الدنيا ، ويعيش سكرات الموت .. و يعيش بعض الأمراض والآلام ، وبين الولادة والموت عشرات الحوادث ، في نفسه ..في ماله .. في ولده .. في أهله ..في شؤونه الحياتية المختلفة .. هذه الحياة الصاخبة ، هذه الحياة المتقلبة ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ – الإنشقاق 6 ﴾ ماذا أعددنا لهذه الحياة المتقلبة ؟
حديثنا اليوم يتعلق بالسلاح الذي به نواجه أزمات الحياة ، وهو سلاح الرضا بالقضاء والقدر .

ما المراد بالرضى بالقضاء والقدر
أولا : متعلق بفعل الإنسان : هناك قضاء وقدر ، بمعنى ما كتبه الله عزوجل ، هذا المكتوب تارة منوطٌ بفعل العبد: مثال : الإنسان الذي يستيقظ صباحا ويذهب إلى المتجر في وقت مبكر ، ذلك اليوم يرجع بكسب أوفر ، وإذا تأخر يرجع بكسب أقل . أيضا الرزق من قضاء الله وقدره ، ما كتبه الله عزوجل لك من الرزق في حالات كثيرة منوطة بسعيك أنت ، إذن علينا ألا نخلط بين القضاء والقدر المحض ، وبين القضاء والقدر الذي يُسببه فعل العبد .
ثانيا : غير متعلق بفعل الإنسان : هناك نوعٌ آخر من القضاء والقدر لا فعل للعبد فيه أبدا ، هنالك الأمراض التي ليست من مناشئ العبد – وهي تختلف عن الأمراض التي تكون بسبب الأكل الكثير ، ويُصاب صاحبها بالتخمة وأمراض المعدة والجهاز الهضمي ، فهذا من القضاء والقدر الذي خيوطه بيد العبد – أما الأزمات غير المتوقعة .. الحوادث التي لا ترجع للفعل الإجرمي أو التعدي .. بأن يحتاط الإنسان لكل شروط السلامة ، ولكن يحترق بيته أو سيارته ، المهم هذا قضاء وقدر ، غير منوط بفعل الإنسان نفسه .
ونحن نعني بالرضا بالقضاء والقدر بما لا يرتبط بفعل الإنسان ، أما الذي تُسببه أنت بفعلك وتدفعه بتدبيرك ، عليك أن تعمل جهدك في مناشئ القضاء والقدر . الآن أخطأت ، سهوت ، ابتُلِيْت بأمراض الجهاز الهضمي لعدم الاتزان في الطعام والشراب ، وقعت الواقعة ، الآن أيضا عليك الرضا بالقضاء والقدر ، وبما كتبه الله لنا .
يقال أن أحدُ الأنبياء قال : يارب أنا مبتلى بالمرض ، وأنا لن استخدم الدواء ، رضىً بقضائك وقدرك ، فجاءه الوحي : أني لا أرضى بذلك . لكل داء دواء وعليك أن تسعى في عالم المادة وتتعالج . نبي الله ابراهيم (ع) يقول : ﴿ وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ 79 وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ– الشعراء 80 ﴾ والحال أن نبي الله ابراهيم (ع) كان يسعى سعيا ماديا طبيعيا يأكل .. يشرب .. يتعالج .. ولكن رغم ذلك يفوض أمره إلى الله عزوجل .

مناشئ القضاء والقدر؟
إذا أردنا أن نستقرئ مناشئ البلاء والحوادث ، هناك ثلاث قنوات تأتي منها سهام القضاء والقدر :

أولا : الأمور الخارجية
ومثاله المزارع : هناك زراعة تعتمد على المياه الجوفية ، وهناك زراعة تعتمد على مياه الأمطار ، ونجاح المزارع ورزقه منوط بالخارج .. بالسحب .. والأمطار الموسمية .. والرياح .. وعندما نقول القضاء والقدر ، فهو يعم القضاء والقدر المحبوب والمبغوض .

ثانيا : الأمور الاجتماعية
ومثاله الحياة الزوجية والشراكة الاقتصادية مع الغير : أنت تتحكم في نفسك وذاتك ، أما حالات الزوجة من الإقبال والإدبار ، من الحب والبغض ، من الكره والنفور و الرغبة فأنت لا تتحكم بها … أيضا حالات الشريك من الثقة والأمانة و من الرغبة في التعامل الصحيح وغيره .. هذه الأمور خارجة عن دائرة نفسك .

ثالثا :الأمور الذاتية
ما يرتبط بذات الإنسان : حالات القبض والبسط ، فالإنسان متقلب ، والقلب سمي قلبا لأنه يتقلب ساعة فساعة ، تُصلي صلاة الظهر بكيفية من الإقبال ، وفي العصر تعيش حالة الإدبار ، أو العكس ، تقرأ دعاء كميل وتكون في أوله مقبلا ، وفي آخره مُدبرا ، في ليالي القدر ليلة 21 تكون مقبلا ، وفي ليلة 23 تصبح مدبرا .. فالحلات متفاوتة ، وفي الحقيقة من أدق أسرار الخِلْقَةِ تقلباتُ النفس ، إقبالا ..وإدبارا .. تعبا .. رضا .. سرورا .. سكونا .. قلقا .. اضطرابا ….

معادلتي الرضا بالقضاء والقدر :
إذن ، لهذا يحتاج الإنسان في المجالات الثلاث إلى التسديد وإلى الاتكال على الله عزوجل ، في أن لا يكتب له إلا مافيه رضا الله ، وما يُقربُ إليه . ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ – البقرة 216 ﴾ إذا الإنسان فوض أمره إلى الله عزوجل في هذه الحقول الثلاث ، إلى أي درجة يصل ؟ الجواب : أحب أن أذكر لكم معادلتين : معادلة صغرى من القرآن الكريم ، ومعادلة كبرى وهي قضية وجدانية ، أما الصغرى ، فيقول الله في كتابه الكريم : ﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ – التوبة 51 ﴾ وأما الكبرى ( وما يُصيبنا فيه صلاحُ أمرنا ) هكذا المؤمن محبوبٌ عند الله عزوجل ، والحبيب ، القدير ، الحكيم ، العليم ، الخبير … لا يكتب لك إلا ما فيه صلاحُ أمرك . ما هي النتيجة بعد الصغرى والكبرى ؟ ( قل لن يصيبنا إلا ما فيه صلاح أمرنا ) هذه النتيجة لو تغلغلت في أعماق وجودنا ، هي ليست قضية مكتوبة ، ولا مسموعة ، ولا خطبة جمعة نسمعها ، وإنما لو عشنا هذه الحقيقة ، كم يعيش الإنسان حالة الهدوء والاطمئنان .

صور نموذجية من التاريخ للاطمئنان بالله وما يقدره :
ابراهيم (ع) وهو في المنجنيق ، والنار مشتعلة منذ أيام وأسابيع ، ويراد أن يُرمى به في هذه النار ، أين المخرج ؟ وما الحل ؟ النار مُحرقة . و الله لا ينقذ الإنسان دائما حتى لو كان مؤمنا ، منهم يحي (ع) قطع رأسه و أُهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل ، ومنهم من كان في جذع شجرة وأُنشر بالمناشير ، ، ومنهم من سُلخت فروة رأسه ، وموسى وإبراهيم (ع) ليس بِدْعا من الرسل ، فمن الممكن أن يُنقذه الله عزوجل ، ومن الممكن أن يجعله يتحول إلى فحم في نار نمرود ، فالاحتمالان واردان ، ولكنه عندما يأته ملك ، ويسأله : هل لك من حاجة ؟ يأتيه جواب الخليل ابراهيم (ع) : أما إليك فلا ، أو أنه قال : علمهُ بحالي يغني عن سؤالي . هذه حالة اطمئنان وسكون ورضا بقضاء الله وقدره .

نبي الله محمد (ص) : يدخل في غار ثور ، وخلفه الكفار ، وقد شهروا سيوفهم لقتله ، من أين جاءت الحمامة ؟!.. ومن أين جاء العنكبوت ونسج ذلك النسيج ؟!…وهي قضايا لا تخطر على بال إنسان أبدا .

وقد ورد في الخبر ، ( إن الله عزوجل أبى إلا أن يرزق المؤمن من حيث لا يحتسب ) يذهب بعضُهم يمينا وشمالا لمكاتب التوظيف والشركات …ولكنه لا يحصل على وظيفة ، وقد يحصل عليها بالتفاتة عابرة إلى إعلان في جريدة ملقاة ، يتصل وإذا بأبوابٍ من الرزق فُتحت له ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً 2 وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ – الطلاق 3﴾ الله عزوجل يريد أن يتجلى لك ، يقول : ( عبدي تريد وأريد ولا يكون إلا ما أريد ) ؛ لهذا المؤمن يعيش حالة من السلام الباطني ، ينام قرير العين مساءً صباحاً حالة من الاستقرار والسكون .

الإمام علي (ع) يصف المتقين : ( صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالملاْ الأعلى ) هذا الإنسان الذي يدب على وجه الأرض ، ولكن قلبه معلقٌ بالملأ الأعلى ، أي اطمئنانٍ يعيشُ هذا الإنسان ؟!.. وأيُ سكينة ؟!..

وهذا الاطمئنان وهذه السكينة لا يأتي بالمال ولا بالمتع الجنسية وغير الجنسية ، وكما نعلم ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ – القصص 88 ﴾ وكل المتع تنتهي ، واتفاقا الإنسان كلما ازداد تمتعا في الحياة ، كلما ازداد ضيقا !!.. لماذا ؟ الجواب : لأن الفترة الموجودة بين المتعة والمتعة ، وبين اللذة واللذة ، تكون ثقيلة على النفس ، لأنه عنده محطتان جميلتان ، ولكنه بينهما يعيش حالة من الأذى ، والألم لأنه افتقد اللذة التي كان يعيشها ويأنس بها . أما المؤمن فيعيش حالة من الوتيرة الثابتة .

عن الإمام زين العابدين (ع) يقول : ( أعوذ بك من كل لذة بغير ذكرك ، ومن كل سرور بغير قُربك ، ومن كل شغل بغير طاعتك ) من يعيش هذا الجو هل يعيش القلق ؟ سروره في الصلاة ، أُنسه في العبادة ، بيته المسجد ، راحته في التقرب إلى الله عزوجل ، ولهذا يقول أيضا في المناجاة : ( يانعيمي وجنتي ، يادنياي وآخرتي ) هذا ليس منطق شعر ، ليس كلاما عاطفيا محضا ، الإمام زين العابدين (ع) يرى أن جنته العيش في أجواء رب العالمين .

يوم القيامة يتجلى الإمام الحسين (ع) لمحبيه في الجنة ويشتغلون بالنظر إلى وجهه (ع) ، يُقال لهم كفى القصور والحور بانتظاركم ، يقولون إلى أين نذهب ؟… وقد عشقنا وأنسنا بالحسين (ع) فكيف بجمال رب الحسين ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ 22 إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ – القيامة 23 ﴾ .

موجبات الرضا بالقضاء و القدر
أولا : اليقين
هل نحنُ عندنا يقينٌ بالله عزوجل خلال سنوات حياتنا ؟… نعم عندنا إيمانُ العجائز ، تلك العجوز التي كانت تنسجُ الغزل ، تُسأل : ألكِ ربٌ؟ تجيب : نعم ، تُسأل : ماالبرهان على هذا الرب ؟ تجيب : مغزلي ، إذا لم أحرك المغزل فهو لا يتحرك ، وهذا الوجود لابد له من محرك . وذلك الأعرابي الذي يستدل على أثر البعير ( البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير ) . هذا إيمانٌ بسيطٌ ساذج ، إيمان العجائز جيد ، ولكن ليس هذا الذي يُوجب السكينة والاطمئنان في القلب ، اليقين بالله ، والاعتماد الأكيد عليه هو الموجب . مثال : قد يوضع في المكتب جهاز يُراقب تحركاتك ، وأنت تعلم أن التحركات تُبث إلى المدير ليراك تعمل ، ولكن في أخرى المدير يكون بجانبك يراك بعين مباشرة ، و تراه بعينيك ، هذا اطمئنانٌ أكبر . مثال أخر : ترى دُخانٌ من بعيد تقطع بوجود النار ، تقترب ، ترى اللهب ، يزيد يقينك ، تدخل النار ، تحترق ، يزيد يقينك … فأين هذا اليقين لوجوده سبحانه و تعالى ، ولو كان هذا اليقين متغلغلا في النفس لتغير مسيرُ حياتنا .

القرآن الكريم في هذا المجال يُعلمنا على مفهومين أساسيين في موضوع الرضا بالقضاء والقدر ، تارة يُعبر عن نفسه بالولي ، وتارة يُعبر عن نفسه بالوكيل ﴿ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً – المزمل 9 ﴾ بعض الأخوة تُصيبه مشكلة مالية ، فيذهب إلى محامي ، فهو يحاول الجمع بين أمرين القدرة القضائية والإرتباطات الشخصية في المحاكم ، هذا الإنسان ينام قرير العين ، يقول أوكلتُ أمري إلى محامٍ قديرٍ متمكنٍ عنده علاقاتٍ واسعة . ومحام الخصم إنسان ضعيف ليس عنده قدرة قضائية ، وليس عنده ارتباطات شخصية . إذن الإنسان يرتاح باله ، هذا الإرتياح الذي يُعطينا الوكيل أوالمحامي ، لو عشنا هذا الجو مع رب العالمين ، (لا يُعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء ) ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ – الحجر 21 ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ – المنافقون 7 ﴾ ، ﴿ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ – يوسف 21 ﴾ لا تتعاركون مع رب العالمين ﴿ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ – يوسف 21 ﴾ المهم أن نصل إلى كلمة أمره ، المهم أن نحرك إرادة الله عزوجل ليقع هذا الأمر ، الذي ذُكر في كتابه الكريم . وهناك رواية تقول : ( وما قسم بين الناس أقل من اليقين ) فاليقين غير موجود في أغلب النفوس .

ثانيا :النظرة الامتدادية للحياة

البعض يستخير ، ويقع في أضرار مالية ، وأضرار بدنية ، ويشتكي ، لماذا أنا استخرت ووقع ماوقع ؟.. نقول له : ألم تقل في الدعاء : ( اللهم خِر لي واستخر لي مافيه خِيرة في عافية ) أنت قيدت الاستخارة بأن تكون فيها ، والله عزوجل يرى العافية في أن تُبتلى بهذا البلاء ، حياتنا غير محصورة في هذه الدنيا ، من أين تعلم أن هذه البلية على عظمتها خيرٌ لك في العُقبى . هناك رواية طريفة لأصحاب الحوائج ، تقول : ( يتمنى العبد يوم القيامة أن لم تُستجب له دعوة واحدة يوم القيامة ، لماذا ؟ لما يرى من التعويض ) يرى بأن هذه الحاجة لم تُعط له في الدنيا، ولكن عُوض يوم القيامة بأضعاف ذلك ، هناك حديث لا أذكرمحتواه نصا ، أن الله يعتذر لأصحاب العلل يوم القيامة ، أعمى مشلول ، إنسانٌ مُبتلى ، أصحاب العاهات ، رب العالمين كأنه يعتذر إليهم ، لما ابتلاهم في هذه الحياة الدنيا ، من البلاء المستمر ، أن ننظر إخواني إلى خواتيم الأمور ، نقرأ في شهر رمضان : ( ولعل الذي أبطأ عني هو خيرٌ لي لعلمك بعاقبة الأمور )، يقول الإنسان يوم القيامة ﴿ قَالَ يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ – الزخرف 38 ﴾ هذه الفتاة الجميلة التي كنت تركض نحوها ، تبيع أموالك وحياتك للوصول إليها ، تقول حينها ﴿ قَالَ يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ – الزخرف 38 ﴾ التي كنت تركض نحوها ، تبيع أموالك وحياتك للوصول إليها ، كذلك بعض الصداقات ، بعض العلاقات ، بعض الوجاهات ، بعض المكانات ،بعض الحكومات ، كلها يتمنى الإنسان لو لم تصل إليه أبدا ، بل يتمنى يوم القيامة أن لو لم يُخلق في الدنيا لأبدا ، ويقول الكافرُ ياليتني كنتُ ترابا ، تدوسُه الأقدام خيرٌ له من حياته التي عاشها .

من آثار الإيمان بالقضاء والقدر
أولا : الإحساس بالانتماء للمطلق : شتان بين إنسان يعيش بين الأرض والسماء ، وبين إنسان يعيش حالة الارتباط بالمطلق ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ – البقرة 115 ﴾﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً – الروم 30 ﴾ هو في السجن مع الله .. في المستشفى مع الله .. ساعة الزفاف مع الله .. أين ما يولي مع الله عزوجل . مثال : عندما زُوجت الذلفاء جويرية وهي امرأة جميلة أيام النبي (ص) ، وقد تزوجها عبدٌ من أصحاب النبي (ص) ، وقد امتثل أبوها طلب النبي (ص) ، دخل عليها ليلة الزِّفاف ولم يمسها ، واشتغل بالصلاة ، و في الليلة الثانية والثالثة كذلك ، ذهب أبوها إلى النبي (ص) واشتكى إليه ، استدعاه النبي (ص) ، وسأله ، فأجاب : أوتظن أن عندي نقصا في الرجولة ؟ لا ، ولكني في تلك الليلة انشغلتُ بشكر الله عزوجل ، أنعم عليَّ هكذا امرأة من غير احتساب .. منزلٌ .. متاعٌ .. كل ذلك ببركة الله ورسوله ، وقد تفكرت في إخواني من أهل الصُّفة ، الذين كانوا في المسجد لا يملكون قوتا ولا سبيلا ، فشغلني الشكر عن الاستمتاع بها ، ولم تمض الأيام إلا وقد قُتل في سبيل الله عزوجل شهيدا ، ماتهنأ بهذه المرأة ، وتسابق الخُطَّابُ إليها ، لأنها عاشت مع هكذا رجل . فالإحساس بالانتماء للمطلق يُكسب الإنسان حالة راقية جدا .

ورأينا في حياة علمائنا أنهم يعيشون في اللحظات الأخيرة حالة من النزهة ، البعض كان يضحك ويمزح مع من حوله ، لأنها سويعات وينتقلون إلى جوار نعمة الله عزوجل . وهو نفسه ما رأيناه في شهداء كربلاء ، عندما يقول أحدهم في صباح يوم العاشر : ما هذه ساعة مُزاح ، إنه يوم قتال ، فيجيبه : إنها سويعات وننتقل إلى جنان الله عزوجل .

ثانيا : عدم اليأس : وهو أثرٌ اجتماعي ، المتوكل على الله دائما يبحث عن فرص أُخرى .. لا ييأس .. يطرق الأبواب المختلفة .. لا يعيش حالة الملل واليأس .. و ما سمعنا في يوم من الأيام أن مؤمنا حقيقيا أُصيب بالإنهيار العصبي ، أو التجأ إلى الانتحار ، أو أصيب بقلق يضطره إلى مراجعة العيادات النفسية ،بل نجده يعيش حالة من الاطمئنان والسكون ، ولا يمكن أن تنتابه حالة اليأس أبدا .

إخوتي ، إن قسما من القضاء والقدر هو تكفيرٌ عن السيئات ، وعليك ألا تنزعج من ذلك ، يقول الله عزوجل : ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ – الشورى 30 ﴾ إذا كنت لا تحب المشاكل ، المزعجات الحياتية ، انظر إلى سلوكك . عن الإمام زين العابدين (ع) وهو قمة الورع والعصمة يقول : ( ما خُيرت بين أمرين ، دنيا وآخرة ، واخترت الدنيا على الآخرة ، ما أمسيت إلا ورأيتُ أثر ذلك ) الكبوة والعثرة تُصيبُ المؤمن . أحدهم جلس مع الإمام (ع) على كرسي ، الكرسي سقط وشُجَّ رأسهُ ، جرت الدماء ، قال : يا أمير المؤمنين ما السبب ؟ قال له الإمام (ع) : ( لأنك لم تُسمِِي ) هكذا عودنا أئمتنا أن ننظر أسباب العُقد في الحياة . البعض يشتكي ، ما هذه الدنيا ؟ كلها بلاءات ، كلها محن .. إن البلاءات الكثيرة المتنوعة عادة تأتي من خلل في وجودك ، قد يكون عندك ظلمٌ تعدي ، مشكلة مع الغير ، وما دامت هذه المشكلة موجودة ، فالتبعات من الأمراض والقلق والمرض وما شابه ذلك موجود ، فعليك أن تبحث عن جذور ذلك .

روايات في مجال الرضا بالقضاء والقدر :
1. في حديث قدسي عن الإمام الصادق (ع) : ( وعزتي وجلالي ومجدي وارتفاعي على عرشي ، لأقطعن أمل كل مؤمل من الناس أمل غيري باليأس إن عالم الأسباب عالم مفتوح ، بل لا بد منه ، والناس من الأسباب ، اسع وراء الناس ، ولكن لا تعلق قلبك بهم ، ولأكسونه ثوب المذلةِ عند الناس ، ولأنحينه عن قربي إنسانٌ عند الناس ذليل ، وعند الله مطرودٌ قد نحَّاه ، ما حال هذا الإنسان ؟ ولأُبعدنه من وصلي ، أيُؤملُ غيري في الشدائد ، والشدائدُ بيدي ، ويرجو غيري ، ويقرع بالفكر باب غيري ، وبيدي مفاتيحُ الأبواب ، وهي مغلقةٌ وبابي مفتوحٌ لمن دعاني ، حديث قدسي جدا عاطفي ، فمن الذي أملني لنوائبه فقطعته دونها؟ أروني نموذجا لإنسان انقطع إليَّ وخيبته .. ومن الذي رجاني لعظيمة ، فقطعت رجاءه مني؟.. جعلت آمال عبادي عندي محفوظة ، فلم يرضوا بحفظي.. وملأت سماواتي ممن لا يمل من تسبيحي ، وأمرتهم أن لا يغلقوا الأبواب بيني وبين عبادي ، فلم يثقوا بقولي.. ألم يعلم من طرقَتْهُ نائبة من نوائبي ، أنه لا يملك كشفها أحدٌ غيري ، إلا من بعد إذني ؟!.. حتى لو تُقضى الحاجة على يد بشر أنا الذي أذنتُ بذلك فما لي أراه لاهيا عني ، أعطيته بجودي ، ما لم يسألني .. ثم انتزعته عنه ، فلم يسألني ردَّهُ، وسأل غيري.. الله أكبر !!.. ما هذا التعدي ؟!.. أنا الذي أعطيته ، ثم سلبته ، ثم لا يسألني مرة أخرى ، بل ويسأل غيري !!.. أفيراني أبدأ بالعطايا قبل المسألة، ثم أُسْأَل فلا أجيب سائلي: أبخيلٌ أنا فيُبْخِلُني عبدي؟.. أو ليس الجودُ والكرم لي ؟.. أوَ ليس العفو والرحمة بيدي ؟.. أوَ ليس أنا محل الآمال ؟ فمن يقطعها دوني ؟.. أفلا يخشى المؤملون أن يؤملوا غيري؟.. فلو أن أهل سماواتي، وأهل أرضي أملوا جميعا، ثم أعطيتُ كلَ واحد منهم مثل ما أملَّ الجميع ، ما انتقص من ملكي مثل عضو ذرة … ما الذي يُنقص من ملك الله عزوجل ؟.. وكيف ينقص ملك أنا قيمه ؟!.. فيا بؤساً للقانطين من رحمتي!.. ويا بؤسا لمن عصاني ولم يراقبني ) .هذا الإحساس بالانتماء إلى المطلق يعطي الإنسان هذه الحالة من السكينة .
في حديث قدسي عن النبي (ص) : ( ياابن آدم أطعني فيما أمرتك ، ولا تعلمني ما يُصلحك ) عليك أن تطيع الأوامر وأنا الذي أُجري الأسباب بما فيه صلاحُ أمرك .
2.قال الصادق (ع) : قال إبليس ، إبليس عنده كلمات حكمية ، وقد كان من أعبد العباد ، عبد الله آلاف السنين ، ولكنه استنكف عن عبادة واحدة جعله مطرودا من رحمة الله عزوجل : خمسة أشياء ليس لي فيهن حيلة ، وسائر الناس في قبضتي بمعنى أن من لم تكن له هذه الصفات يكون في قبضة إبليس شاء أم أبى : من اعتصم بالله عن نية صادقة ، واتكل عليه في جميع أموره ، ومن كثر تسبيحه في ليله ونهاره ، ومن رضي لأخيه المؤمن ما يرضاه لنفسه ، ومن لم يجزع على المصيبة حتى تصيبه ، ومن رضي بما قسم الله له ، ولم يهتم لرزقه وليس معنى ذلك أنه غير مبالي ، بل لا يحمل الهم مادام هو يسعى ، فالله عزوجل يدبر أمره .
3.أوحى الله إلى داود : ( ياداود تريد وأريد ولا يكون إلا ما أريد ، فإن أسلمت لما أريد أعطيتك ما تريد ، وإن لم تُسَلِّم لما أريد ، أتعبتُك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد ) أزمة ، قلق ، أذية ، خيبة أمل ، ثم بعد ذلك لا يكون إلا ما يريده الله عزوجل .
4.عن النبي (ص) : ( الدنيا دول ، فما كان لك منها أتاك على ضعفك ، وما كان عليك لم تدفعْه بقوتك ، ومن انقطع رجاه مما فات استراح بدنه ، ومن رضي بما رزقه الله قرت عينه ).
5. عن الإمام الصادق (ع) : من أراد أن يعرف كيف منزلته عند الله ؟ كلٌ منا يريد أن يعرف منزلته عند زوجته ، عند أبيه وأمه ، عند رب عمله ، هل فكر في يوم من الأيام في وزنه عند الله عزوجل ؟ فليعرف كيف منزلة الله عنده ؟ فإن الله يُنَزِّل العبدَ مثلما يُنَزِّل العبدُ اللهَ من نفسه ) كما ترضى بقضاء الله عزوجل ،و كما توقر رب العالمين ، الله عزوجل أيضا ينظر إليك بتلك العين ، عين الرأفة والرحمة .

لوح المحو والإثبات
يقول تبارك وتعالى : ﴿ يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ – الرعد 39 ﴾ أمورٌ ثلاث : لوح المحو ، لوح الإثبات ، أم الكتاب ، فما المراد بأم الكتاب ؟ ما الفرق بين أم الكتاب وبين لوح المحو والإثبات ؟ أم الكتاب : المكتوب النهائي المعادلة النهائية ، من يصل رحمه يُزاد في عمره هذا قانون ، ثم في لوح المحو والإثبات إنسان لم يصل رحمه كتب الله له ستين سنة ، ثم كُتب لو أنه وصل رحمه لمدد الله من عمره عشر سنوات إضافية ، فالإنسان بالإمكان عن طريق الدعاء ، عن طريق نفي الأسباب السلبية ، عن طريق إضافة الأسباب الإيجابية ، أن يتصرف فيما كتب الله عزوجل له ( إن الصدقة تدفع البلاء وقد أُبرم إبراما ) البلاء أُبرم بقي التنفيذ ، بقي أن يأتي الملك ويُنزل عليك البلية ، ادفع درهما درهمين عشرين ، وإذا بهذا البلاء قد ارتفع عنك ، لهذا في ليلة القدر يطلب الإنسان من الله أن يمحو مقدراته السلبية ، ( إلهي إن كنت أثبت اسمي في ديوان الأشقياء ، فامحوه ، وأثبته في ديوان السعداء ) ولكن بشرطها وشروطها ، وبسعيك في هذا المجال .

الخلاصة:

1- السلاح الذي يواجه به الإنسان القضاء والقدر هو سلاح الرضا .
2- هناك قضاء وقدر متعلق بفعل العبد ، اجتهاده ، عمله ، كسبه ، إهماله ، تجاوزته . وهناك قضاء وقدر غير متعلق بفعل العبد ، وهو قدر محض من عند الله عزوجل . وفي كل لابد من الرضا بالقضاء والقدر .
3- إذا الإنسان فوض أمره إلى الله عزوجل في هذه الحقول الثلاث ( الخارجية ، الاجتماعية ، الذاتية ) ، إلى أي درجة يصل ؟ النتيجة هي : ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ، وما كتب الله لنا صلاح أمرنا ) هذه النتيجة لو تغلغلت في أعماق وجودنا ، لو عشناها ، كم يعيش الإنسان حالة الهدوء والاطمئنان ؟
4- من موجبات الرضا بالقضاء والقدر : اليقين والاطمئنان بالله عزوجل ، والنظرة الامتدادية في الحياة التي تجعل الإنسان راض عن حياته وما يقدره الله ، وإن لم يبدو له في الأفق القريب فائدة ما وقع .
5- من آثار الإيمان بالقضاء والقدر : الإحساس بالانتماء بالمطلق وهو الله عزوجل ، و شتان بين إنسان يعيش بين الأرض والسماء ، وبين إنسان يعيش حالة الارتباط بالمطلق ، عدم اليأس ، فالمتوكل على الله دائما يبحث عن فرص أُخرى .. لا ييأس .. يطرق الأبواب المختلفة .. لا يعيش حالة الملل واليأس.
6- بإمكان الإنسان عن طريق الدعاء ، عن طريق نفي الأسباب السلبية ، عن طريق إضافة الأسباب الإيجابية ، أن يتصرف فيما كتب الله عزوجل له ، ومثاله 🙁 إن الصدقة تدفع البلاء وقد أُبرم إبراما ) ، وكل ذلك مسجل في لوح المحو والإثبات . أما أم الكتاب فهو المكتوب النهائي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى