زيارة الأرواح في المشاهد المقدسة

الحلقة الخامسة

* المراقبة طوال الوقت:
إن الزيارة تبدأ من المنزل إلى المنزل ذهابا وإيابا، فلا بد من المراقبة المستمرة في هذه المدة على الأقل، لتزداد قدرة التلقي من الفيوضات.. ولا شك أن من نجح في هذه الفترة القصيرة، فإنه من المرجو أن يعمم ذلك لكل الفترات اللاحقة من عمره.. فما الحياة إلا مجموع هذه الفرص.

الزيارة من المنزل إلى المنزل:
إن البعض يرى بأن فترة الزيارة هي اللحظات التي يكون فيها حول المعصوم في مشهده.. والحال بأن الزيارة الحقيقية المثلى، هي التي تكون من المنزل إلى المنزل، بأن يعيش حالة الزيارة طوال هذه الفترة.. ومن المعلوم أن الزائر إلى أن يرجع إلى منزله، فهو في ضيافة المعصوم.. ولو أصابه في الطريق في الذهاب أو الإياب أذى، فالإمام يتحمل عنه التعويض، كما يستفاد من قوله تعالى: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}.

إن الإنسان بطبيعته كسول وهلوع، وغير ميال للأمور الجدية، ولهذا تلاحظ أن الطفل لا يتحمل الدراسة في المدرسة- وخاصة في السنوات الأولى- وتراه يمل ويريد أن يخرج ليلعب ويلهو، لأن مزاجه غير منسجم مع الجدية، بخلاف المحقق والمخترع الذي قد يبقى في مكتبته أيام وليال.
وكذلك في عالم التكامل الأنفسي، فالبعض لا يتحمل الجد في الحياة والمراقبة المتصلة من الصباح إلى الليل وطوال السنة، بخلاف الذين هم في مراحل عليا من التكامل.. التقيت بابن مؤلف كتاب تفسير الميزان-من أكبر التفاسير للقرآن الكريم- وكان يقول بأن والده ألف كتاب الميزان في عشرين سنة، وكان يعمل في كل يوم أربعة عشرة ساعة، ولم يعطل التأليف إلا في يوم واحد وهو يوم عاشوراء.
نعم، إن هذه جدية المؤمن في الحياة، وبلا شك أنه حتى ما يتبقى من يومه أيضا كان في أجواء عبادية وأداء النوافل وقيام الليل، فهو يعيش حالة الجدية في طوال الليل والنهار.
ولهذا نقول بما أن البعض قد لا يتحمل المراقبة المستمرة طوال العام، فعليه أن يخادع نفسه ما دام في سفرة لأولياء الله تعالى، بأن يحاول الانضباط طوال هذه الفترة، من الذهاب إلى الإياب، وأن يعيش حالة المراقبة.. ولا نعني بالمراقبة المراقبة المستوعبة من الصباح إلى الليل، ولكن ينبغي أن تختلف حالاتنا في أيام الزيارة، بأن تكون أحسن مما نحن عليه في الوطن، فهذا الأمر قد يشق على المبتدئين في التكامل.. وإلا فأمثال صاحب تفسير الميزان وغيره، فهو في بيته مراقبا من الصباح إلى الليل، فكيف إذا ذهب إلى كربلاء المقدسة، أو ذهب إلى حج بيت الله الحرام، فلا شك بأن الأمر سيكون سلسا وطبيعيا جدا.

إن البعض في الحرم يعيش حالة شعورية راقية، من البكاء والحنين والمناجاة الخاشعة، ولكنه بمجرد أن يخرج من عند المعصوم من الباب الرئيسي، يقهقه ويضحك، والدموع لا زالت على خديه.. أليست هذه خسارة، بأن يمتلك الإنسان هذه الحالة، ولكنه بعمل غير منسجم مع المراقبة يفقدها؟.

المراد بالفيوضات الإلهية:
إن هذا المعنى معنى دقيق، ولا يمكن التجرؤ دائما بذكر كل شيء، فبعض الأمور يحتاج إلى مقدمات وتوضيحات احترازية، خشية من تلقي المعنى السلبي، لاختلاف الطبقات الثقافية عند عامة الناس، فنحن ينبغي أن نتكلم بما ينسجم مع كل الأفهام.. فنقول إجمالا:
إن وسائل المعرفة وانتقال المعلومات مختلفة، ومن المعلوم أنها كانت قديما منحصرة بالكتاب، أو بالمشافهة، فالطريق المتعارف للعلم سابقا، كان إما أن يقرأ، أو أن يسمع.. وأما الآن في زماننا هذا، فقد تطورت وسائل المعرفة، فصار بالإمكان أن تصب المفاهيم في قالب مرئي-كالأفلام المتداولة هذه الأيام- والإنسان عندما يرى منظرا معينا، فإنه بنفسه يستنبط فكرة ويلقنها قلبه.
وإن من وسائل المعرفة-غير تلك- المعرفة الإشراقية، أي المعرفة التي لا تأتي من خلال الوسائل المادية كالكتب وغيرها.. وقد يقول قائل: وما هذه المعرفة؟.. ومن أين نقطع بأن هنالك علما يأتي من غير باب التلقي المتعارف؟..

والجواب: إن القرآن الكريم قد أشار إلى هذا السنخ من المعرفة، في قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ}.. فلقمان الحكيم من أين تلقى الحكمة وهو لم يحضر جامعة كبرى، وهو ليس نبي إنما كان عبدا صالحا، حتى ننسب علمه إلى عالم الوحي؟..
نعم، إن باب الوحي خاص بالأنبياء، ولا طريق إليه، ولكن الحكمة اللقمانية باب مفتوح للجميع، ومن موارد تحقيق الحكمة، العمل بما يشير إليه هذا الحديث: (من أخلص لله تعالى أربعين يوما، جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه)..

ونلاحظ أن طريق هذا العلم معاكس للعلم المتعارف: فالعلم المتعارف يحصل عن طريق إحدى أدوات الحس كالأذن والعين، ثم ينتقل إلى الجانب المدرك في الإنسان وهو الذهن، ثم ينتقل إلى القلب، ثم ينعكس على الجوارح كاللسان مثلا.. أما العلم الإشراقي فإنه يكون في القلب، ثم ينعكس على اللسان.. فتلاحظ أن الأول طريقه من اللسان إلى القلب، بينما الثاني من القلب إلى اللسان.

إن الزائر الذي يقصد هذه البقاع المقدسة، من مشاهد المعصومين (ع)، أو البيت الحرام، يمكنه أن يطلب هذا العلم من المعصوم، فإن هذا من طرق تفضل المعصوم على بعض الزائرين، فالزائرون على درجات، فهناك من يطلب الشفاء في بدنه، وهناك من يطلب المال، وهناك من يطلب الدرجات والمقامات المعنوية، والإمام يمكن أن يمدهم بهذا المعنى.. ولكن نحن لا نعلم بأي طريقة وكيف يكون ذلك، ولكن نقول بأن الله تعالى الذي أعطى لقمان الحكمة مستجيب لأوليائه المعصومين (ع)، ومن الممكن أن يتحقق ذلك للزائر إذا طلب المعصوم له شيئا من هذه الحكمة.

إلا أن البعض يحاول أن يعقد الأمور، ويجعلها كأنها طقوسا وأسرارا حزبية، لا تعطى إلا للمنتسبين لتلك الجهة.. والحال بأن هذه معان مبذولة للجميع.. وحتى بالنسبة لمسألة الإجازة في الأوراد والأذكار، فلا يوجد دليل مقنع على أن الذكر يؤثر أثره، إذا أجازه عارف معين.. فما دام الذكر واردا في روايات المعصومين (ع)، بأنه إذا قلت كذا يصبح كذا، فلا داعي لتعليق أثره على إجازة من العالم أو العارف.

ومن المناسب العمل بهذا الاقتراح وهو: أن نجعل أربعينية الإخلاص-كما ورد في الحديث- في ضمن فترة الزيارة للأئمة (ع) أو لبيت الله الحرام.. فعادة الذي يذهب للحج يقيم عشرين يوما أو شهرا، والذي يأتي إلى كربلاء المقدسة قد يقيم عشرين يوما.. فمن المناسب أن تجعل هذه الفترة ضمن أربعينية الإخلاص، فإن النتيجة تكون أقرب للتحقق في الأرض المقدسة، وفي جوار المعصوم، مما لو كان الإنسان في وطنه.

التصعيد بالتدريب:
ولا شك أن الذي ينجح في ضبط نفسه في فترة الزيارة، على ما يرضي الله تعالى، فإنه قادر على ذلك أيضا في وطنه.. بناء على القاعدة الفلسفية التي تقول: إن حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد.. فإذا كان هذا الماء يغلي في هذه الدرجة، فالحكم يعمم على باقي المياه، فنقول بأن كل المياه تغلي في هذه الدرجة.
إن الذي يتوجه إلى الله تعالى في مشهد المعصوم، ويرى بعض النتائج الإيجابية، أيضا لو أنه قام في بلده بنفس ما قام به هناك، تتحقق له تلك النتائج، فإن رب العالمين بابه مفتوح للسائلين.. فما دام الزائر أعطي النفحات في المشهد، فهذا دليل على أن جهازه سليم، وله قابلية لاستقبال النفحات.. ولهذا فإن هو حرم منها عند العودة إلى وطنه، فإنما لتقصير منه في التقرب والتوجه إلى الله تعالى، وإلا فهو إنسان قابل لتلقي الفيض.

انتهاز الفرص:
لا خلاف في أن ساعات الطاعة في حياتنا محدودة جدا، قياسا لساعات الغفلة عن الله تعالى، فحياتنا عبارة عن واحات في صحراء قاحلة، وليست واحة متصلة، كحياة المعصوم.. فإن طبيعة حياة المؤمن الملتزم، عبارة عن واحات متقاربة، فهو في الصباح أوجد واحة خضراء بصلاة الفجر، ثم عند الزوال أوجد واحة أخرى بصلاة الظهرين وهكذا..
وقد ورد هذا المعنى في الروايات، بأنه في يوم القيامة تعرض على الإنسان صناديق بعدد ساعات اليوم، وتكون معظمها للبعض صناديق فارغة، وهي ساعات الغفلة، فلا هي طاعة ولا هي معصية، وبعضها فيها سيئات وبعضها، فيها حسنات..
والمطلوب من المؤمن أن يحاول أن يجعل الصناديق المملوءة بالحسنات بأكبر ما يمكن، وأن يحاول أن يجعل الصناديق الفارغة بأقل ما يمكن، وليس أن يملأها جميعا، لأن هذا مقام المعصوم الذي يقول: (ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله وبعده ومعه).

*********************

* توسعة القابلية:
الإمام كالشمس الساطعة تشرق نورها على الجميع، فلا بد من توسعة القابلية من اجل أن تكون الاستفادة في أوجها.. فان القلوب أوعية أحسنها أوعاها، والذي يرجع خائبا فان التقصير سيكون من جهة القابل لا الفاعل الذي لا بخل في جانب الفياض وهو الله تعالى، ومن تلقى الفيض منه في الدرجة العليا!.

الشمس الساطعة:

إن الإمام بناؤه على إعطاء الفيض، لكل من يقبل الفيض، فإنه كالشمس الساطعة، تشرق على جميع ما يتعرض لأشعتها.. لو أن الشمس كانت تميل إلى أرض، وأرادت أن تشرق بأشعتها عليها، ولكن هذه الأرض عليها غطاء يمنع من وصول أشعتها إليها، فماذا تعمل الشمس إذا كانت هي التي تريد أن تفيض على هذه الأرض لميزة تراها فيها؟.. أولا عليها أن تزيل المانع، بأن تذيب الغطاء بأشعتها اللاهبة، ثم تشرق على الأرض.
لا مانع أن يتحقق هذا المعنى، لبعض الزائرين في مشاهد المعصومين (ع).. إن الإمام قد يرى بأن بعض الزائرين له خصوصية، ولكنه لا يقبل الفيض، بسبب حجب المعاصي التي بينه وبين الإمام، فالإمام بلطفه وإشراقته وبنظرته الولائية، يذيب المانع أولا، ثم يعطي العطاء، أي أنه يعطي القابلية، ثم تتحقق الفاعلية.
ولهذا فالبعض عندما يأتي للإمام يناجيه بهذه المناجاة، يقول: يا مولاي، أنا لست قابلا للفيض، بسبب ذنوبي وبعدي عن الله تعالى، أنا إنائي ملوث، فأنت أوجد فيّ القابلية، ونظف إنائي، ثم أعطني الفيض.. أنا أعلم أن عدم الاستجابة لا لنقص في فياضية الفياض، وإنما في قابلية المتقبل.. ولكن كما أن لك المقتضي، فلك أيضا رفع المانع.
كم جميل أن يطلب الإنسان من الإمام أن يهيئه لتلقي الفيض!.. ولكن هذا المعنى الجميل لا يأتي في بال كل أحد، فالبعض يأتي ولا يعرف أصلا ماذا يقول، ويتحقق للبعض، وإلا فالسنة الطبيعية أن يأتي الزائر بالقلب الذي يتقبل هذا الفيض.

طلب تلقي الدرجات العليا:
إن أهل البيت (ع) هم مظهر من مظاهر الكرم الإلهي الغير محدود، وإن رب العالمين عطاؤه غير منقطع ولا حد له، والإنسان من الممكن أن يأخذ من الله تعالى من العطاءات، بما يعادل الفارق بين الثرى والثريا.. ولكن البعض قد يقنع ببعض الجزاء المادي، من الحور والقصور وما شابه.. أما البعض فله طموح عال بأن يصل إلى مقام الرضوان الأكبر.. وأين الرضوان وأين الحور؟!.. ولهذا لا نستبعد أن بعض أهل الجنة في عرصات القيامة، يذهل عن الحور بالرضوان الأكبر، فهو يعيش حالة النظر إلى وجه الله تعالى، بحيث يزهده حتى عن النظر إلى ما سواه.

إن درجات تلقي الفيض كثيرة، وإن من الممكن أن يطوي الإنسان الزائر مراحل التكامل البعيدة، في ليلة واحدة، في حضرة المعصومين (ع).. إن البعض قد لا يستوعب أو يستغرب الحديث الذي يقول: (من زار الحسين كمن زار الله في عرشه).. والمعنى أن ما يترتب من الآثار من زيارة الله تعالى في عرشه-وهي الالتفاتة الإلهية- أيضا يترتب من زيارة الحسين (ع)، فإن رب العالمين كما يلتفت إلى زائره في عرشه، أيضا يلتفت إلى زائر الحسين (ع)، لأنه قتل في سبيله وفي طاعته، وقد ورد أن (موضع قبر الحسين ترعة من ترع الجنة).

إن في هذا الزمن-لغلبة الشهوات والماديات- أصبحت النفوس ضعيفة، ولا تتحمل التكاليف الشاقة أو الرياضات، أو حتى الرياضات الشرعية المتعارفة.. فما دمنا في زمن تصعب علينا فيه المجاهدات الكبيرة، فلنغتنم زيارة المعصومين (ع).. فإن الإنسان الكسول، أو المريض الذي لا مال له ماذا يعمل؟.. من الواضح أنه يطرق أبواب الكرام مستجديا، رجاء أن يعطى شيئا.. وقد يعطيه الكريم، ما يكسبه عامل بجهده وتعبه، في سنة كاملة.. ومن المعلوم أن البعض يتعب في وطنه بالمجاهدات والرياضات والمطالعات، ولا يحقق ما يريده، ولكنه قد يأتي إلى خدمة المعصوم وإذا بنظرة ولائية يعطيه ما يعطيه، كما لاحظنا ما حدث للحر.

وأنا سمعت من مصادر موثقة بأن البعض رجع من زيارة الحسين وأمير المؤمنين (ع)، وقد أعطي ما أعطي، وما أخذه الغير في سنوات أخذه هذا الزائر النموذجي في ليلة واحدة.

أما عن كيفية العطاءات وتفاصيلها، فهذا من أسرار أهل البيت (ع)، فنحن لا نعلم كيف وماذا يعطون.. ولكن من المعلوم أن ليلة المعراج كانت ليلة واحدة من ليالي هذه الدنيا، ولكن ما أعطي للنبي (ص) فيها، لا يمكن أن تستوعبه العقول، ولهذا فالقرآن أبهم هذا الأمر، حيث يقول تعالى: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى}.. فلا يمكن أن يفهم ماذا يعطى للإنسان، في لحظات تلقي الفيض الخاص.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى