زيارة الأرواح في المشاهد المقدسة

الحلقة الثالثة

* الانشغال بالذكر:
الزيارة ماشيا قدر الإمكان وبتوجه، واختيار الطرق التي تقل فيها المشغلات الدنيوية، فإن كثرة الانشغال بعالم الكثرات مما يوجب فقدان التركيز في الحرم، والحال أن الزائر أحوج ما يكون إلى التركيز.. والذهاب إلى الحرم منشغلا بذكر الله تعالى والصلوات والأذكار اللسانية، مع مماشاة القلب لذلك أيضا.

حقيقة الذكر:
إن حقيقة الذكر هو ما يتحقق في القلب من المعاني، والألفاظ هي الطريق للتعبير عن هذه المعاني من خلال حركة عضلة اللسان.. ولكن هناك مفهوما خاطئا في نظر العرف، حيث يجعلون الذكر منحصرا بعالم اللسان، فعندما يقال بالالتزام بذكر معين، يتبادر إلى الذهن أنه مجرد تلك الحركة اللسانية اللفظية.. والحال بأن الذكر أمر قلبي، بينما اللسان ليس إلا كاشفا عما في القلب، كما يقول الشاعر:

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما*** جعل اللسان على الفؤاد دليلا

والذي يؤيد هذا المعنى قوله تعالى في خطابه لموسى (ع): {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي}.. أي أن الهدف من إقامة الصلاة، هو تحقيق حالة الذكر الإلهي بالمعنى الحقيقي للذكر، وليس مجرد التلفظ الخالي من المعنى.. فإذا لم يتحقق الذكر، فإن شجرة العبادة شجرة عقيمة، لا فائدة ترجى منها.. فالزارع إنما يزرع الشجرة لثمرتها، أما إذا لم تثمر فإنه يقتلعها من جذورها.
وإن ما يقال في الصلاة والأذكار، يقال أيضا في الزيارات، فالذي يأتي لزيارة الحسين (ع)، ويقول: السلام عليك يا أبا عبد الله، يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزا عظيما.. والحال بأنه في قلبه يتمنى خلاف ذلك، ولو عرض عليه الجهاد، لكان من أول الفارين أو المستنكفين، فهذا الإنسان أساسا لا معنى متحقق في قلبه لما يقوله، وإنما هي فقط مجرد ألفاظ تمرر على لسانه.

فإن الأصل في الذكر هو الذكر القلبي وإن لم يعبر بالألفاظ، كما في بعض الحالات من اشتداد الذكر في قلب المؤمن، بحيث أنه ينشغل عن الذكر اللفظي، لأنه يرى بأن التوغل في عالم الألفاظ، يذهله عما يعيشه من المعاني.
ولهذا فإن البعض عندما يأتي للزيارة، فمن شدة ما يعيشه من توارد المعاني في تلك اللحظات، فإنه يصعب عليه الزيارة اللفظية، ويفضل حالة التأمل والحديث القلبي مع الإمام.. لأن ذلك أوقع في قلبه، وأليق بمقامه، وأسرع في التفاعل الباطني، وخروج الدمعة من عينيه.

تفريغ القلب من المشغلات:
إن مما يحرص عليه المؤمن عندما يريد الزيارة، أن يكون قلبه فارغا من كل المشغلات، ولهذا فالأفضل عند الزيارة اختيار الطرق التي يقل فيها المشغلات إن أمكن.. وإن كان البعض هو ممن يعيش حالة الانشغال الدائم، حتى لو لم يمر على الأسواق وينظر لها، لأن قلبه منشغل بمتاع الدنيا، فهو كإنسان له بضاعة يخشى كسادها، فحتى وهو في الحرم-ولو لم ينظر إلى بضاعة الغير- فإن قلبه مشغول ببضاعته.

فلهذا من المناسب التهيؤ قبل الزيارة.. وكما قلنا بأن الدخول في مشاهد أهل البيت (ع) يكون تدريجيا على محطات ومراحل، وأنها ليست مفتوحة بحيث يدخلها الإنسان من دون مقدمات.. وحتى الكعبة المشرفة التي كانت سابقا في واد غير ذي زرع، والأروقة المحيطة بها محدودة، فهذه الأيام هنالك مراحل حتى نصل إليها.. فمن المناسب أن يهيئ الزائر نفسه للزيارة، قبل أن يصل إلى مقام المعصوم، ويحاول أن يفرغ ذهنه من المشغلات.

أما كيف يفرغ ذهنه من المشغلات، فهذه من المعضلات، فإن من أصعب الأمور أن يتحكم الإنسان في طائر خياله الذي يحط في كل آن على غصن.. فمن الممكن أن يتحكم الإنسان في الذرة، بل هو أمر سهل وميسور، لأن الذرة مادة، ويمكن التحكم في المادة، ولكن الخيال أمر غير مادي، خارج عن السيطرة.

إن الخيال بمثابة حوض مائي، وله روافد تصب فيه.. فكثرة الخيالات والهواجس والأفكار في النفس، مرتبطة بكثرة الروافد الخارجية.. فإن فضول النظر أي الذي ينظر إلى ما لا يعنيه، وفضول القول أي الذي يتكلم فيما لا يعنيه، وفضول الخيال أي الذي يتخيل ما لا يعنيه أو ما لا يهمه؛ كل هذه روافد قد تصب في خلخلة هذا الكيان الباطني.. وإن الذي يريد عالما خاليا من الخيالات الباطلة، فلابد أن يتحكم في المناشئ، ومناشؤها-كما ذكرنا- الجوارح: من النظر والسمع.

احتياج الزائر إلى التركيز:
إن المؤمن بشكل عام أحوج ما يكون إلى التركيز، لأن المنشغل بأمور الدنيا، لا يمكنه الإقبال بتوجه في سائر العبادات، كما قال تعالى: {مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}.. فإن الزائر يحتاج إلى أن يخاطب المعصوم بتوجه وتركيز، فإذا كان مشغول الذهن بأزمة عائلية، أو مالية، أو أمنية بأن كان مطاردا ويخاف مما حوله، فإن مثل هذا الإنسان لا يمكنه التركيز في عبادته وزيارته.
فلهذا فإن المؤمن بشكل عام، يحاول أن يقضي على مناشئ التوتر في حياته.. وإن من مناشئ التوتر التي قد يبتلى بها المؤمن، أن تكون له زوجة غير صالحة، فقد يتفق أنه يختار زوجة ثم يتبين أنها زوجة مشاكسة.. فهنا إن أمكنه التراجع في أول الطريق، فهذا هو الأفضل قبل أن تتعقد الأمور أكثر مع الأيام، فصحيح إن أبغض الحلال عند الله تعالى الطلاق، ولكنه في بعض الحالات يكون أمرا راجحا ولابد منه.. أما إذا لم يطلق حينها، أو أن الطلاق كان غير ممكن، أو أن الزوجة كانت مطيعة وصالحة ثم بعد فترة من الزواج انقلبت، فلابد أن يتجاوز هذه الحالة، وينزع الفتيل من هذا اللغم، بأن يحاول أن يجعل الأمور تحت سيطرته.. فحتى لو كانت الزوجة غير مؤاتية، يمكنه أن يتحكم في تصرفاتها، لئلا تكون له من المشغلات.

تأثير الذكر اللساني على الذكر القلبي:
إن انطلاقة الذكر-كما قلنا- تكون من القلب ولو لم يكن هناك تلفظ، ولكن بلا شك أن الجمع بين الذكر القلبي والذكر اللساني أكمل، لأن كل منهما يحرك ويدعم الآخر.
ونحن نلاحظ في الصلاة الواجبة قبل التكبير والدخول في بحر الصلاة، هناك أمور ومقدمات مهيئة: كالوضوء والأذكار، والأذان والإقامة، وحتى النية التي هي حركة قلبية ولحظات، ثم يكبر الإنسان، ولكن المؤمن قبل أن يكبر من الممكن أن يعيش في هذه اللحظات، حالة من تصفية النية، بأن هذه الصلاة خالصة لله تعالى وليست ريائية، وينفي عن ذهنه المشغلات.

نعم، إن الذكر القلبي مقدم، ولكن لا يخفى أن البعض أيضا يبالغ في هذا الأمر، إلى درجة أنه يترك الأذكار تماما.. فترى البعض يدخل الحرم الشريف ولا يزور بزيارة من زيارات المعصومين (ع)، بدعوى أنه متوجه قلبيا، فهذه دعوى غير مقبولة.. لو أن الإنسان صلى صلاة خاشعة بكل شرائطها، ولكنه لم يتلفظ بالألفاظ، فلم يقرأ الفاتحة والسورة وبقية أذكار الصلاة، فإن صلاته باطلة.. فإن الصلاة مع أنها معراج المؤمن إلا أن فيها حركات لفظية.. فالجمع بينهما أكمل.. ولكن في غير الصلوات الواجبة، لو تزاحم الذكر اللفظي مع الذكر القلبي-كما قلنا- بحيث صار ذكره اللفظي مشغلا لقلبه، ففي مثل هذه الحالة يكون من الأفضل أن يعيش حالة التأمل والتدبر، بدلا من الانشغال بالألفاظ.

*********************

* استغلال ساعات الفراغ:
استغلال ساعات الفراغ في المنزل، بما ينفع من المطالعة النافعة.. ويا حبذا لو التزم الزائر بختمة للمعصوم أيام إقامته فإن هذه خير هدية يقدمها، وخاصة إذا كان مع حضور القلب والفكر.. ولا ينبغي أن يجعل المؤمن لنفسه ساعة فراغ بمعنى الكلمة، فإنه حتى في إجازاته ورحلاته يعيش حالة من الجدية، والإحساس بأنه سيره التكاملي لا زال في حركة دائبة.

أثر المعرفة في التفاعل الباطني:
لا نعني بالمطالعة خصوص الكتاب المقروء، بل أي مصدر من مصادر المعرفة.. ولكن قد يفضل الكتاب، باعتبار أنه خير رفيق، وميسور التداول، بخلاف الإعلام المرئي والمسموع، فإنه يحتاج إلى مقدمات ومعاملات.

من المناسب للزائر أن يأخذ معه-بالإضافة إلى ما يأخذه من الأشياء- كتابا حول حياة المعصوم الذي يريد زيارته، حتى تتحقق في نفسه حالة من المعرفة، تعمق وتقوي الجانب الشعوري تجاهه.. وإلا فمن الواضح بأن الإنسان عندما يزور مجهولا لديه وإن كان معلوما بعظمته، ولكنه لا يعلم أي تفاصيل عنه: لا عن كلماته الحكمية، ولا عن كرائم أخلاقه، وما بدا من بركاته للأمة؛ فإن ما يحمله من هذه المعرفة الإجمالية، قد لا تكفي لإيجاد حالة من الشوق لدى الإنسان الزائر.

إهداء ثواب بعض الأعمال للمعصومين (ع):
إن البعض ممن لم يأنسوا بذكر أهل البيت (ع)، ولم يستوعبوا هذه الحقيقة، بأن كل عمل صالح يقوم به الإنسان: صلاة، أو تلاوة للقرآن الكريم، أو غيره من الأعمال الصالحة، فإن له نور، ورب العالمين وعد في كتابه المنزل أنه لا يضيع أجر من أحسن عملا.. فتلاوة القرآن الكريم، والصلاة، والصدقة، هذه أعمال صالحة وأنوار ونفحات مباركة، ومن الممكن أن يقدمها المؤمن هدية للمعصوم.
وإن من أفضل أنواع الهدية للمعصوم، هي ركعتان خاشعتان.. فحتى وإن كان الزائر قد صلى صلاته الواجبة وهو في حال ذهول، لتقصيره أو لإهماله، ولكن من المناسب عندما يحب أن يقدم للمعصوم ركعتين هدية، أن يحاول أن يستجمع فكره فيهما.
وهنالك أمر وراد من المعصومين في خصوص زيارة الحسين (ع)، بالصلاة أربع ركعات، ولم يذكر فيها سور مخصوصة، فبالإمكان أن يختار المؤمن من سورة البقرة إلى سورة الناس.. والذي يصلي أربع ركعات بتوجه ثم يدعو بعدها، لا شك أن ذلك من موجبات الاستجابة إن شاء الله تعالى.

والملاحظ أن البعض يستهويه إهداء العبادات الجوارحية: كالختمات والصلوات.. ولكن نعتقد أن من أفضل الهدايا للمعصومين (ع) عند زيارتهم، معاهدة الله تعالى-ببركة المشهد الشريف- على ترك معصية من المعاصي.. لو أن شابا جاء لزيارة الحسين (ع)، وقال: يا مولاي أبا عبد الله، أعاهد الله تعالى في محضرك وفي مشهدك، أن لا أنظر إلى محرم أبدا.. فإن هذه الحركة من الزائر من أفضل القربات إلى الله تعالى، ولعل خير مما لو صلى ألف ركعة وأهداها للمعصوم، وهو عاكف على الحرام.
نحن نعلم أن البعض من المدخنين يأتي عند الإمام، ويعاهد الله تعالى على ترك التدخين.. إن حركته هذه لأن له ميل باطني إلى حفظ صحته، وهذا حسن، ولكن الأولى والأرقى من حفظ الصحة أن يترك الحرام الذي يؤثر على آخرته.

الجدية في حياة المؤمن:
إن الجدية هي السمة الغالبة في حياة المؤمن، لأنه يعتقد بالعبودية لله تعالى، ويستشعر هذا المعنى في وجوده، ومقتضى ذلك أن تكون أوقاته كلها تصب في مرضاة المعبود.

أما غير المؤمن فتجد عنده حالة من حالات الاسترخاء في حياته، وتعطيل القوى الفكرية والقلبية والجوارحية، حتى وإن كان له مستوى اجتماعي متميز، ومن ذوي التخصصات العلمية الراقية.. فقد ترى إنسانا متخصصا في الجراحة، وأعقد العمليات الجراحية تجرى على يديه، ولكنه في إجازة الأسبوع ينشغل بما ينشغل به الأطفال والجهال.. وترى بعض كبار المفكرين أو المهندسين أو الجراحين، يقضي فترات الإجازة في معاقرة الخمرة.. لأنه يرى بأنه مقيد فقط بعمله، فيبرمج نفسه على أدائه، أما ما عداه فيدخل في دائرة الحرية الشخصية، وله أن يعمل ما يحب.

ولكن المؤمن ليس عنده هذا المعنى أبدا، فهو دائما في حال عمل، والراحة آخر الأسبوع أو التقاعد لا وجود له في حياته، إنما له نظام حياتي ثابت يستمر إلى آخر الحياة، ففي كل يوم تراه يعيش هذا التقسيم الثلاثي: ساعة لراحة بدنه، وساعة لمناجاة ربه، وساعة لأهله وعياله.
ولو تعمل إحصائية لكبار علمائنا من المراجع في هذا القرن الأخير، تلاحظ أن مرجعيتهم تبرز وهم في سن السبعين والثمانين.. فيتحملون أعباء المرجعية وهم في هذه السن، والتي من المتعارف أنها سن التقاعد والراحة، لا التكليف بالأعباء الثقيلة.
فغير المؤمن داعويته ودوافعه تأتي من الخارج، فما دام هو موظف ويأتيه المال مقابل عمله، فإنه يكون متقنا لعمله.. أما بعد التقاعد، فلعدم وجود الإغراء المادي، فليس فقط أنه يترك العمل، بل إنه ينسى حتى علمه الأكاديمي.

بينما المؤمن الذي له علاقة مع ربه، فإن دوافعه ذاتية منطلقة من إيمانه وعبوديته لله تعالى، ولا فرق عنده إن جاءه مال أو ما جاءه، وإن تقاعد أو لم يتقاعد.. بعض علمائنا من المحققين كان أثناء التأليف يبتلى بنقص الأكسجين، فكانت الكمامة على أنفه والقلم بيده، فتراه حتى في آخر عمره وفي حالته تلك لا يترك عمله، إن هذا المعنى لا نجده في التخصصات الدنيوية.
وهنا قد يقول قائل كيف يمكن للمؤمن الجمع بين حالة الجدية في الحياة، وبين ممارسة بعض الأعمال التي ظاهرها خلاف الجدية كاللعب مع الأولاد؟..

فنقول: إنه يمكن الجمع بدون منافاة الجدية.. فهذا النبي (ص) أكثر الناس جدية في الحياة، وقد كان-كما يروى عنه- لما يلاعب الحسنين، يركبهما على ظهره، ويقول: (نعم الجمل جملكما، ونعم الراكبان أنتما).
والمؤمن كذلك تأسيا بالرسول (ص) وعملا بقوله: (من كان له صبي، فليتصابَ له).. فإن من مهام المؤمن الجلوس مع عياله، ومطلوب منه أن يتنزل إلى مستواهم، ويشبع احتياجاتهم النفسية والمادية.. ولكنه في نفس الوقت ينبغي أن يعيش حالة من حالات النية، بأنه يلاعب الصبي قربة إلى الله تعالى، لأن الصبي بحاجة إلى اللعب، لا أنه هو نفسه يحب أن يكون متلهيا.
وكذلك عندما يمارس أي نشاط تلذذي شهوي، ينبغي أن يجعل نيته بأن الله تعالى أمره بذلك.. فالمؤمن في كل تقلباته، يربط أعماله بالله تعالى، بحيث لا تبقى مساحة في الحياة للمباح، أي هو يعمل بالمستحبات، وحتى المباحات حولها إلى مستحبات، لأنه عندما يرتكب المباح ينوي به التقوي على طاعة الله تعالى.

التكامل ضرورة للجميع:
هناك اصطلاحات كثيرة ترد في المجال الأخلاقي: كالسير، والسلوك، والسفر.. ونحن لسنا من دعاة الاصطلحات، لأنها قد تكون منفرة للبعض عن خوض هذه المعالم، فالبعض قد يتحسس من بعض هذه الاصطلاحات، لوجود بعض المدارس المزيفة طوال التاريخ التي تحاول سحب الأتباع عن المدرسة الإسلامية الكبرى مدرسة أهل البيت (ع).. وإنما نحن نقول بما ورد في القرآن الكريم وعن أهل البيت (ع).
ونحن نلاحظ أن القرآن الكريم يؤكد في آيات كثيرة على ضرورة رفع الهمة، وأنه لا ينبغي للمؤمن أن يجعل سقف همته التقوى، بل التقوى المستطاعة، كما قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}.. والتقوى حق التقوى: {اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} فهذا معنى أرقى من التقوى المتعارفة.
وقد ورد عن إمامنا العسكري (ع): (إن الوصول إلى الله تعالى سفر، لا يدرك إلا بامتطاء الليل).. وكأن هناك عملية هجرة إلى الله تعالى، ولابد للهجرة من وسيلة ودابة، ودابة السائر إلى الله تعالى هي قيامه الليل.

وفي قوله تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ}، أمر بالفرار إلى الله تعالى، والفرار عبارة عن عملية سير وحركة، والحركة فيها انتقال من منزل إلى منزل.
فعليه، إن تعبير السير أو السفر مما ورد في القرآن الكريم وعن أهل البيت (ع) بروحه وجوهره.

محدودية السير التكاملي بالحياة الدنيا:

ما دام الإنسان في هذه الحياة الدنيا، فهو في حركة تكاملية، باعتبار ما يقوم به من الأعمال الصالحة التي تعمل على تكامله، وأن الدنيا دار عمل ولا جزاء، والآخرة دار جزاء ولا عمل.
ولكن هل يمكن للإنسان أن يتكامل بعد الموت؟..
هناك رأي لبعض العلماء-ولكن هذا الرأي قابل للتأمل ولا يقطع به- أن بعض المؤمنين من الممكن أن يتكامل في عالم البرزخ، لما يُعمل له في الدنيا، أو لما يتركه من أعمال يستفاد منها في الدنيا، كالكتب النافعة.. فكل من يقرأ هذه الكتب، ويهتدي بها-ككتاب المراجعات للسيد شرف الدين، فإنه إلى يومنا هذا وله دور في تقريب الناس إلى مدرسة أهل البيت-فبالإضافة إلى ما قد يعطاه من الأجر والثواب، فيمكن أن تعطى له بعض المراحل التكاملية، التي لم يمكنه أن يصل لها وهو في الحياة الدنيا.

وأعلى مرتبة تكاملية، أن يصل العبد إلى درجة أنه لا يرى في الوجود إلا الله تعالى.. وهناك كلمة حكمية عن قوله تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا}، أي يطهرهم من الأكوان ما سوى الله تعالى.
ولكن ما هو هذا الشيء الذي إذا سقي أهل الجنة يطهرهم؟.. ومن المعلوم أن الماء الطهور طاهر ومطهر.. فهذا الشراب الطهور من ماذا يطهر من يسقاه؟.. فالذي يدخل الجنة هو طاهر، ولولا ذلك ما دخل، فإذن من أي شيء يطهره؟..
إن هذا من أسرار الجنة، ولا يمكننا أن نحوم حولها، باعتبار أننا في دار الدنيا أفقنا ضيق، ولكن من الممكن أن نقول-والله العالم-: بأن الذي يصل إلى هذه المرحلة من إعطاء الشراب الطهور، أنه يذهل عما سوى الله تعالى، حتى أنه قد لا يلتفت إلى الحور والقصور التي بين يديه، لأنه انشغل بهذا الشراب.. ومن سقاه ليس الحور العين والغلمان، إنما رب العالمين سقاه شرابا طهورا. هناك أسرار في الجنة لا نعلمها إلا أن نصل إليها إن شاء الله تعالى.
فإذن، أعلى مراتب التكامل أن يذهل الإنسان عما سوى الله، حتى الجزاء في الجنة.

*********************

* الاطلاع على سيرتهم:
الاطلاع الإجمالي على سيرة المعصوم (ع)، واصطحاب كتاب مناسب في هذا المجال ليطلع عليه أثناء السفر…
قراءة المتون الأصلية قبل الكتب التحليلية:

إن من المناسب في الاطلاع على سيرة المعصومين (ع) قراءة المتون الأصلية أولا.. لأن بعض الكتب التحليلية قد لا تجد فيها إلا القليل من المصادر، وإلا فكل الكتاب عبارة عن تأملات من صاحبها، وقد تكون تأملات وتحليلات صائبة، وقد تكون خاطئة.. فلهذا من المناسب أن المؤمن يشبع ذهنه أولا بالمتون والروايات الأصلية، حتى إذا قرأ تحليلا خاطئا، يميز بأن هذا التحليل خلاف ما ورد عنهم.
في الحوزات العلمية هناك عبارة معروفة في أوساط طلاب العلم، وهي: (شم الفقاهة)، بمعنى أن الطالب بعد فترة من مزاولة الاستنباط يكون له شم ما، وعندما يرى فتوى غريبة يشعر كأنها مشكوكة، وعندما يبحث في المصادر يرى بالفعل أن هناك خللا في منبع هذه الفتوى.. والأمر كذلك بالنسبة إلى سيرة الأئمة (ع).
وأضخم موسوعة في أحاديث أهل البيت (ع) موسوعة بحار الأنوار للعلامة المجلسي.. ولكن لابد أن ننوه بأنها جامعة لكل شيء، فالمؤلف ما كان بناؤه على الاختيار، كما في كتب باقي المسلمين إذ بناؤهم على جمع الصحاح.. ولكن المجلسي والكليني والصدوق وغيرهم، كانوا في مقام الجمع، وتركوا الانتخاب بيد العلماء المتخصصين..
ولكن في باب الفقه، الأمر يحتاج إلى تدقيق فقهي وحوزوي.. أما في سيرة الأئمة وأخلاقياتهم العامة، لا مانع أن الإنسان يتلمس حياتهم وسيرتهم من خلال هذه المصادر المباركة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى