الوصايا الأربعون

مرور الفرص

س1/ في الوصية إشارة إلى ضرورة استغلال الفرص، لئلا تمر على المؤمن وهو في خسران مبين.. ما المقصود بالفرص؟.. وما هي الفرصة الذهبية التي تمر على العبد؟..

إن المقصود من الفرص هي التجليات الخاصة التي يعطيها رب العالمين لعبده.. فتجلياته العامة لا كلام فيها، فلولا هذا التجلي، لما خرج الوجود من بوتقة العدم.. فإن رب العالمين بحكمته الباهرة، له تجليات خاصة: زمانية، ومكانية.. ومن الأمثلة على موارد تجلياته الزمانية: شهر رمضان، وشهر محرم.. وعلى تجلياته المكانية: بيته الحرام، ومشاهد أوليائه، أو عند بعض حالات الطبيعة كنزول المطر..

وإن على العبد أن يتعرف على هذه التجليات أولا، وفي روايات أهل البيت (ع) يستفاد أن هناك ساعات معينة، تكون الدعوة فيها مستجابة.. ثم عليه أن يحاول أن يتحين هذه الفرص، للتوجه إلى الله تعالى.

والملاحظ بأن المؤمن في هذه الحالات أكثر إنسيابية، بمعنى أنه يكون أكثر توجها وتفاعلا ورغبة في التقرب إلى ربه، قياسا إلى غيرها من الحالات.. كالسفن الشراعية سابقا، فإنها بلا هبات النسيم قد تمشي بسرعة، ولكنها إذا هبت الرياح تسرّع من سيرها.. فإن المؤمن في تقربه إلى ربه، في سير متواصل، ولكن هذه النفحات والهبات والنسائم الإلهية قد تهب عليه، فيسرّع من سيره.

وإن الذي لا يعرف هذه المواطن، بمثابة ربان سفينة غير خبير بعمله، وفي ساعة هبوب الرياح لا يكون مستعدا، وقد لف شراع السفينة.. فمثل هذا الربان، من الطبيعي أن لا تدفع سفينته للأمام، لأنه لم يبسط شراعه!..

ولكن البعض قد يقول: إن هذه فرص نادرة، فالحج في العمر مرة، وليلة القدر في السنة مرة.. فكيف تغرينا بهذه الفرص؟!..

فأقول: إن من الفرص التي لا تحتاج إلى زمان، ولا إلى مكان، ولا إلى نزول مطر وغيره، هي حالة رقة القلب.. فالذي يعطى منحة رقة القلب، فإنه أعطي أفضل فرصة من فرص الاستجابة، فهو عند المنكسرة قلوبهم.. ومع الأسف، فإن بعض العبيد لا يستغلون هذه الفرصة!.. كالإنسان المريض، فهو في معرض الرحمة والالتفاتة الإلهية، لما هو فيه من حالة انكسار قلبه، ولما يعيشه من آلام وسهر؛ ولكنه يفوت على نفسه هذه الفرصة!..

وإن من الفرص التي نفوتها نحن محبي أهل البيت (ع)، الفرص بعد مجالس ذكرهم!.. فإن البعض يكتفي بالاستماع من الواعظ، والبكاء من الناعي، ولكنه لا يستغل هذه الحالة من الرقة ختام المجلس، فيدعو بدعوة الداعي بشكل جيد!..

وقد ورد عن الإمام الرضا (ع): (أحسنوا جوار النعم فإنها وحشية، ما نأت عن قوم فعادت إليهم).. إن الإنسان مثلا عندما يعطى رقة في ليلة من ليالي القدر، ثم لا يعرف قدرها، بمخالفته مقتضى الحالة، بأن يعصي ربه مباشرة، فلا شك أن هذه الحالة قد تسلب إلى غير رجعة.

س2/ إن الفرص التي تمر على المؤمن، هي من النعم الإلهية، ومن المعلوم أن عدم شكر النعم يوجب السلب، وخاصة النعم المعنوية.. فما هي النصيحة في هذا المجال؟..

إن الحالات الروحية الإيجابية، هي شأن من شؤون المولى تعالى، وينبغي تقديرها كما ينبغي، وإلا فرت بلا رجعة!.. فإن رب العالمين عندما يعطي العبد حالة من الذكر القهري بعد غفلة، أو وهو في غفلة؛ فهذه علامة واضحة من رب العالمين أنه يريد من عبده أن يذكره.. والبعض لما تحصل له هذه الحالة يستغرب، ويقول: إنه كان جالسا في بيته مع أولاده، في جو من الفرح والمرح، وإذا تأتيه رقة فجائية، تدفعه دفعا للانقطاع للذكر.. وإنه قد يكون في حرم سيد الشهداء (ع)-مثلا- ولا تأتيه مثل هذه الحالة.. ولعل من معاني: (عرفت الله بنقض العزائم، وفسخ الهمم)، أمثال هذه الحالات الروحية الإيجابية، التي لا مبرر لها.

إن رب العالمين عندما يعطي العبد حالة من الذكر القهري، وكأنه أراد أن يقول للعبد: التفت إلي!.. أريدك أن تحدثني، من خلال الصلاة، أو تسمع حديثي من خلال قراءة القرآن الكريم.. ولكن العبد-مع الأسف- لا يلتفت لهذه الرقة، وإذا التفت إليها فإنه يلتفت لحظات، ويرجع إلى حالة الغفلة!..

وإن أقرب مثال على ذلك، ما نراه في موسم الحج، فترى بعض الناس-مثلا- أنه في حالة طواف مستحب، وله حالة من حالات الرقة، فينظر إلى الساعة، فيرى أنها الواحدة ظهرا، فيتذكر أنه وقت طعام الغذاء، ويقطع طوافه المستحب، ويقطع حالته، ليأكل لقمة من الطعام!..

فإذا كان الإنسان تعامله هكذا مع النعم الإلهية، فبالتأكيد أن رب العالمين سيسلبها منه، ويقول له: أنت لا تعرف قدر ما أعطيناك، فلن نعطيك ثانية!.. وإن كان هذا المعنى قد لا يعرفه العبد إلا في القبر، وفي عرصات يوم القيامة، عندما يقال له: في موطن كذا، في ساعة كذا، كم حركناك؟!.. كم ذكرناك؟!.. كم أجرينا دمعتك؟!.. ومن الملفت أن الآية الكريمة: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ}؛ تشير إلى هذه الحقيقة، فالتوبة من الرب هنا بمعنى الالتفاتة الإلهية للعبد، أي أن رب العالمين أولا التفت إليهم، وموجب هذه الالتفاتة أن يتوبوا، ثم إنه تعالى قبل توبتهم.. ولكن من لا يقدر عطاء رب العالمين، أو من لا يقدر التفاتته، فلا شك أنه قد يبتلى بالحرمان، وعدم إرجاع هذه الحالة مرة أخرى.

س3/ إن الذي أمضى شطرا من عمره في الغفلة والمعصية، وفاتته هذه الفرص والنفحات الإلهية، هل يمكنه التدارك؟..

بلا شك!.. إن رب العالمين مدرك لكل فوت، وإن الذي ييأس من رحمة الله تعالى في هذا الحقل، فإنه من الخاسرين!..

إن مثل من يستفيق على واقع سلبي محزن، كمثل إنسان كان نائما في مكان قذر، فلما استيقظ إذا به يفاجأ بأنه في هذا المكان القذر، فيشمئز من نتن الرائحة، والمناظر الكريهة.. فهذا قطعا لا يمكنه أن يبقى لحظة، فيما كان فيه، ويجد في السير ما أمكنه، ليبتعد عنه، قاصدا ذلك البستان المليء بالأزهار والرياحين!..

كذلك فإن الشاب المراهق الذي أمضى شطرا من حياته في مخالفة الله تعالى، وأرهقته الذنوب، عندما يستيقظ على واقعه المرير، ويرتدع عن ما كان يرتكبه من المعاصي، فإنه يجد في السير، وقد يقطع في شهر واحد، ما لم يقطعه العابد المطيع عشرين سنة.. لأن العابد يعبد ربه وهو مدل على ربه، وكأنه في باطنه يمن على ربه، ويقول: من مثلي يعبد ربه؟!.. أما هذا الشاب المراهق، فإنه من الممكن في لحظات، للحالة التي يعيشها من الخجل من الله تعالى، أن يصل إلى مدارج كمالية عليا..

وإن أقرب مثالين بارزين على ذلك، هما: الحر بن يزيد الرياحي، وبشر الحافي صاحب القصة المشهورة.. فالمتأمل في الموقف الذي اتخذه الحر في يوم عاشوراء، يلاحظ أنه موقف قليل النظير، مع ما كان يعيشه من حالة الاستحياء!.. ومن الممكن أن نقول: إن حالة الاستحياء التي كان فيها الحر بن يزيد في يوم عاشوراء، يمكن أنه ما عاشها حبيب بن مظاهر، وما عاشها زهير، لأن هؤلاء كان لهم تاريخ ناصع.. فإن هذا الاستحياء الذي عاشه الحر، جعل الإمام (ع) يلتفت إليه التفاتة خاصة..

فالبعض حالته مع رب العالمين كالحر، ولما يرجع فحاله-كما في دعاء كميل-: (وقد أتيتك يا إلهي!.. بعد تقصيري وإسرافي على نفسي، معتذرا نادما، منكسرا مستقيلا، مسـتغفرا منيبا، مقرا مذعنا معترفا).. وإن هذا من موجبات تنزل الرحمة الإلهية الغامرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى