الوصايا الأربعون

خبرة الشيطان

وصلنا تقريبا إلى أواخر الوصايا، وإن شاء الله تعالى بعد إكمال هذه الوصايا، نرجو أن تكون الخطة واضحة.. ولكن من المعلوم أن وضوح الخطة شيء، والتوفيق للسير شيء آخر.. وإن كان وضوح الخطة باعث على الارتياح، وشد الهمة في السير.. وبتعبير أحدهم يقول: لو أن الإنسان تاه في الطريق، ثم بعد جهد جهيد رأى منزله من مكان بعيد، فإنه-على الأقل- يرتاح نفسيا.. فهو وإن كان ما زال يحتاج إلى بذل الجهد ليقطع هذه المسافات، ولكنه لأنه رأى منزله-ولو من بعد- يشعر بالارتياح، وكأنه وصل.

س1/ من المعلوم أن السبيل الوحيد للخلاص من الشياطين، أنه لابد من الدخول في زمرة المخلَصين.. فكيف السبيل إلى ذلك؟.. وما هو الفرق بين المخلَصين والمخلِصين؟..

إن المخلَصين والمخلِصين، بينهما فتحة وكسرة، ولكن بين الفتحة والكسرة بعد المشرقين!..

المخلِص، هو: ذلك الذي يحاول أن يكون مخلِصا.. أي الذي يسعى لأن يكون في دائرة المخلَصين، بسيره في طريق الإخلاص.. فهو من ناحيته يخلص، ولكنه لا يعلم ما هي نظرة الذي يخلص له إليه.

بينما المخلَص، هو: الذي قطع طريق الإخلاص، وحاز على مرتبة قبول من يعمل له، بأن يكون في دائرة عنايته.

وهذا المثال يوضح الفكرة:

إن من المتعارف في أيام الامتحانات الثانوية النهائية، أن يحضر الطلاب في قاعة الامتحان، وأن الكل يريد أن يكون من الناجحين.. ولكن الملاحظ أن البعض منهم من يحقق الدرجات العالية، التي تؤهله للقبول والدخول في الجامعة.. فالطالب الذي لم يحضر قاعة الامتحان، هو خارج الدائرة، ولا يعد مخلِصا ولا مخلَصا.. ولكن أيضا ليس كل من دخل قاعة الامتحان، فهو مؤهل لأن يدخل الجامعة..

إن العباد العاصين والفجار والفساق، هؤلاء لم يدخلوا حلبة السباق في ساحة الإخلاص أصلا.. بينما المؤمنون دخلوا الحلبة، وحاولوا أن يكونوا من المخلِصين.. ولكن من المعلوم أن المخلِصين على خطر عظيم، فإن رب العالمين لا يقبل كل من دخل في الدائرة، بل إنه يقبل البعض، فيعطيهم وسام المخلَصين..

فمرتبة الإخلاص هي مرتبة صعبة، وليس الكل يظفر بهذه المرتبة لعدم تحقق الشروط.. فالإخلاص لابد أن يتغلغل في كل حركات العبد وسكناته.. فمثلا: في روايات أهل البيت (ع)، هنالك إشارة إلى إحدى علامات المخلِصين، وهي: إن المخلِص هو ذلك الإنسان الذي يتساوى عنده المدح والذم.. فمن منا وصل لهذه الدرجة: لو مُدح أو ذُم، لكان الأمر عنده سواء؟!.. وذلك لأنه يعتقد بأن المدح والذم عبارة عن كلام الغير، وكلام الغير قد لا يكشف عن الواقع.. وإن كان يكشف عن الواقع، فالتأثر للواقع، لا للكلام الذي قيل مدحا كان أو ذما.

فإذن، إن المخلَصين هم الذي انتجبهم رب العالمين.. ومن الملفت أن النبي الأكرم (ص)، وأمير المؤمنين (ع)، والإمام الحسن (ع)، ألقابهم تدور في هذه الفلك.. فالنبي (ص) اصطفاه الله تعالى، فهو المصطفى؛ وأمير المؤمنين (ع) ارتضاه الله تعالى، فهو المرتضى؛ والحسن (ع) اجتباه الله تعالى، فهو المجتبى.. والإمام الحجة (ع) هو المهدي، لا الهادي فقط، لأن الله تعالى انتجبه لأن يكون هاديا، كما اصطفى نبيه (ص)، وكما ارتضى أمير المؤمنين (ع).

وإن على المؤمن أن يكون همه أن يصل إلى هذه الدرجة، بأن يكون يوما ما من المخلَصين.. والبعض قد يقول: أنا يائس من مرحلة المخلَصين، فلماذا لا أطمح لأن أكون مخلِصا وحسبي!..

والجواب: إن من المعلوم في عالم السباق أو التكامل الدنيوي، أن الذي يروم أن يصل إلى القمم العليا، فإنه يرجى له أن يكون في وسط الجبل.. أما الذي يروم أن يصل إلى وسط الجبل، فإنه يكون في السفح عادة.. فعلينا دائما أن نرفع مستوى الطموح والهمة، ليكون الحاصل أيضا شيئا يعتد به.

س2/ من المعلوم أن الشياطين نشاطهم يتركز في مجالي الشهوة والغضب.. فكيف السبيل لكشف مكائد الشياطين في هذين المجالين؟..

إن أمهات المعاصي تعود إلى هاتين السلبيتين: الشهوة، والغضب.. وإن هذا سبب اعتراض الملائكة عندما {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء}.. فالإفساد إشارة إلى القوة الشهوية، وسفك الدماء إشارة إلى القوة الغضبية.. وأي منكر إما هو يعود إلى القوة الغضبية، أو القوة الشهوية.. فمثلا الزنا، والنظر الحرام، يعود إلى الشهوة.. والقتل، وسب الغير، يعود إلى الغضب.. وهناك بعض الأشياء تعود إلى قوة ثالثة، وهي القوة الوهمية، مثل الخيالات الباطلة، وسوء الظن.. فالإنسان مركب من هذه القوى الثلاث: الغضبية، والشهوية، والوهمية.

وإن حديثنا نركزه في القوة الغضبية والشهوية، لأنه من سيطر على الشهوة والغضب، فإن الوهم تقريبا بشكل متلازم يتحدد.. فالإنسان عندما يغضب على أحد، فإنه يتوهم فيه الباطل، ويسيء الظن فيه.. وعندما ينظر للحرام، فإنه يتخيل الشهوات.. فإذا رفعنا الغضب والشهوة من الحياة، فإن الذهن تلقائيا يصفو.. فمثله مثل الحوض الذي يصب فيه رافدان ملوثان.. فلو انقطع هذان الرافدان الملوثان، فإن الحوض يبقى نقيا صافيا.

إن الطريق للكشف عن مكائد الشيطان، واستغلاله لنقاط ضعف الإنسان، هو ما ذكره القرآن الكريم: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}.. فإن الخطوة الأولى مقدور عليها، أما الخطوات اللاحقة غير مقدور عليها.. فمثلا: عدم النظر إلى الحرام أمر مقدور عليه، بغمض العينين، أو إسدال الجفنين على العينين، أو بغض البصر بمعنى أن ينظر وهو لا ينظر.. ولكنه إذا خالف هذه الوصية الإلهية: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}؛ فإن الحب القلبي يتمكن منه، فيقول: لا يمكنني أن أصرف النظر عمن هويته!.. لا يمكنني أن أخرج حبها من قلبي!.. وقد تكون التي تعلق قلبه بها متزوجة، وهو صادق في قوله.. ولكن الخطوة الأولى هي النظر، وكان مقدور عليها، وكان يمكنه التلافي، ولكنه هو من أوصل نفسه إلى هذه المرحلة غير الاختيارية.

وكذلك الذي يغضب، فإن غضبه كان بيده، أما إذا تجاوز على الطرف المقابل وضربه أو قتله أو جرحه، فقد خرج الأمر عن دائرة الاختيار والسيطرة.

فإذن، إن التوصية في الإجابة عن هذا السؤال: أن نحاول السيطرة على الخطوات الأولى، وإن رب العالمين يجنبنا آفات الخطوات اللاحقة.

س3/ من المعلوم أن الشيطان غاية ما يمكنه، أنه يوسوس للإنسان.. فهل له قدرة غير الوسوسة؟..

إن القرآن الكريم ذكر أن الشيطان لا قدرة له على الإنسان إلا بالوسوسة، حيث قال تعالى: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ}.. وإن الأمر الذي يقابل الوسوسة، هو التصرف العملي في الأبدان والجوارح.. ونحن لم نعهد أن الشيطان في يوم من الأيام، دفع الإنسان إلى مكان فعل الحرام، دفعا ماديا إجباريا!.. فالشيطان ليس له عمل ضد بني آدم إلا أنه يوسوس له.. ولهذا ففي يوم القيامة، لا يمكن أن يدعي أحد أن الشيطان أغواه بمعنى ألزمه وأجبره على العمل بما أغواه به.. إنما الحقيقة هي ما ذكرها القرآن الكريم، في قوله تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}..

فالسلطان المباشر منتف، ولكن الوسوسة إذا صارت قوية جدا، والموسوَس له صار ضعيفا جدا، فإنه تصبح للشيطان حالة من السلطنة.. فإن مثل الشيطان مع الإنسان الضعيف، مثل من بيده جهاز تحكم عن بعد، ويقلب القنوات، وليس هنالك من صلة مادية مباشرة.. فالشيطان بالنسبة للبعض لا يلمسه أبدا لمسا مباشرا، ولكنه بوسوسة يحركه في أي اتجاه يشاء!.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى