الوصايا الأربعون

البرمجة الدقيقة

س1/ إن البرمجة في الشؤون الحياتية المادية، أمر ميسور.. ولكن كيف يمكن لنا أن نبرمج حياتنا المعنوية؟..

إن البرمجة في الأمور الحياتية المادية، كبرمجة الإنسان لمنزله، أو شركته؛ هذا أمر ليس ميسورا.. ولكنه مناسب للمزاج الأولي، باعتبار أن الإنسان موجود مادي، والحياة أيضا حياة مادية.. فبرمجة المادة للمادة، أمر في دائرة الحدود الممكنة..

ولكن عندما تختلف النوعية: فالمبرمِج إنسان محكوم بالأمور المادية، أي بالحواس الخمس؛ والمبرمَج هي روحه الإلهية- هذه الروح التي نسبها رب العالمين إلى نفسه في خلقة آدم- فالأمر يكون فيه مخالفة للطبيعة الإنسانية التي تميل للمحسوسات المادية.. ومن هنا فإن برمجة العالم الباطني بأدوات غير باطنية، أمر صعب جدا.. وإن الذي يريد إصلاح الباطن، بأمر غير باطني، كمن يريد أن يجري عملية جراحية، لإنسان لا يراه!.. فإذا كان المريض غير مرئي، فكيف تُجرى له عملية جراحية؟!.. مثلا: إنسان يريد أن يستأصل الحسد من وجوده، وهذا أمر غير مرئي، والروح غير مرئية؛ فكيف يمكنه ذلك؟!.. فالأمر فيه شيء من الصعوبة!..

والحل: أن يترقى الإنسان، بأن يعيش شيئا من العوالم الباطنية، كمعايشته للعوالم المادية، فإن (من عرف نفسه، عرف ربه).. إن المؤمن باعتبار أن شغله مع بواطن الأمور، فهو في كل يوم يصلي، وصلاته ليست عبارة عن ركيعات وهذه السجدات واستقبال القبلة، بل إن صلاته معراج المؤمن، إن صلاته ترق وعروج وانقطاع إلى عالم الغيب.. فهو في اليوم خمس مرات، يتمرن على الدخول في عالم الباطن، أو يتمرن على التحليق في أجواء المعراج العبادي الصلاتي.. ولهذا فهو بعد فترة يصبح محترفا لهذا العالم، ولهذا الجو.. وكلما أراد أن يدخل في عالم المعنى وعالم الباطن، كان الأمر ميسورا لديه..

وعليه، فهو عندما يرى خللا باطنيا، فإنه يمكنه معالجته.. مثلا: رأى في باطنه أنه لما رأى أو سمع بنعمة على أحد، تأثر تأثرا سلبيا؛ فيعلم أن هذه بدايات الحسد.. ثم إنه لكونه يتعامل مع الغيب في اليوم خمس مرات، فإنه يسهل عليه التعامل مع هذا الغيب أيضا.. فرب العالمين غيب الغيوب، وروحه من الغيب النازل، وإن الذي ترقى للغيب الأعلى، فمن باب أولى أن الغيب الأسفل مقدور عليه، وفي سيطرته..

بخلاف غير المؤمن، الذين هم كما يعبر عنهم القرآن الكريم: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ}.. فغير المؤمن حياته حياة بهيمية، فعينه على المأكول والمشروب، والمشموم، إلى آخره.. ولهذا هو لا يكاد يصدق أنه مبتلى بمرض باطني، وإذا صدق لا يمكنه العلاج-كما ذكرنا في المثال- لأنه مثله مثل من يريد أن يقوم بعملية جراحية لمريض لا يُرى.

فإذن، إن المؤمن له القدرة على أن يبرمج باطنه، كما يبرمج ظاهره.

س2/ إن مشكلة البرمجة أنها تحتاج إلى رصيد من الإرادة الجازمة.. فكيف نمتلك هذه الإرادة، لتحقيق الأهداف التي نخططها؟..

إن المؤمن الملتزم له من خلال الممارسات العبادية، القدرة على أن يقول لنفسه: (لا).. وهذا هو الفرق بين المؤمن الملتزم، والمؤمن غير الملتزم!.. إذ أن لكل واجب هنالك مبطلات ونواقض ومحرمات، كتروك الإحرام في الحج، ومبطلات الصوم، ومبطلات الصلاة.. فالذي تعود على الالتزام بالأوامر الشرعية، فهو في كل خطوة يعيش نهيا، ويرى نهيا، أو يسمع ما ينهى عنه، وخاصة هذه الأيام حيث أن الفساد ظهر في البر والبحر والجو.. ولهذا فالمؤمن إذا أراد أن يقول: (لا) لنفسه، فلأنه تمرن تمرينا تدريجيا، فيسهل عليه هذا الأمر..

بمثابة الرياضي في النادي، فهذا يبدأ يمرن نفسه، فيحمل الثقل الصغير ثم الأكبر فالأكبر، إلى أن يصل لدرجة أنه يحمل ثقلا لا يحمله الآخرون.. ولكن هذه القدرة ما جاءت من الفراغ، وإنما مع الممارسة والتكرار، وصل إلى هذه القدرة، بأن يحمل الأشياء الثقيلة..

إن المؤمن له إرادات، بحسب المحرمات.. فهو كلما رأى حراما، قال: (لا) لنفسه.. وتكرار هذه العملية، توجب له هذه القوة، من أن يقول: (لا) لنفسه متى ما أراد.

س3/ هنالك مقولة تردد دائما، وهي: (إن الله تعالى يربط على قلوب البعض).. فكيف يكون ذلك؟..

إن الربط على القلوب، هذه حقيقة قرآنية.. ولها مصاديق متعددة، منها:

حالة فراغ القلب والاطمئنان:

ومثاله الواضح-لغير الأنبياء- هي قضية أم موسى (ع).. فإن رب العالمين ربط على قلبها، بحيث كانت لها هذه الحالة، التي ذكرت في القرآن الكريم: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}.. وهناك كلام حول معنى فراغ قلبها، ومن المعاني: هو فراغ قلبها من كل هم وغم، نتيجة رميها لولدها في البحر.

تزيين الصالحات والطاعات للعبد:

إن رب العالمين إذا رأى عبده ساعيا، فإنه يحببه بطريقته إلى الطاعات، كما قال تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ}.. وإلا فإن الإنسان بطبعه الأولي متثاقل إلى الأرض، ولا يميل إلى مخالفة الهوى.. ومن هنا نقول هذه الحقيقة المخيقة، وهي: إن الوصول إلى المقامات العليا في عالم الباطن، محض التفضل الإلهي، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.. ولكن هذا الفضل الإلهي له موجب، ولا يعطى جزافا، فالمؤمن عليه أن يهيئ الأرضية، فإذا هيأ الأرضية، فإن رب العالمين يجتذبه ويلهمه.

التسديد بالملك الملهم:

كما أن الله تعالى يقيض شيطانا للبعض، كما قال تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}، فما المانع أن يقيض ملكا من ملائكته لبعض المؤمنين، يرافقه في حياته.. ومن المعلوم أن التفضل الإلهي أعظم من الانتقام، وسبقت رحمته غضبه.. ولكن المؤمن لا يرى شيئا، كالملائكة التي تتنزل في ليالي القدر ونحن لا نراها.. بينما الملك المسدد يراه، كالملكين المحاسبين الكاتبين، اللذين يريان العبد المطيع والعاصي..

ما المانع أن الإنسان في مرحلة من مراحل حياته يصل إلى درجة، أن يكون معه ملكا مسددا، لا موحيا، فهذا الأمر خاص للأنبياء.. وهذا المعنى موجود في مضامين الروايات: (إن على الأذن الباطنية للمؤمن، ملك يسدده).. ولهذا نسمع أن كثيرا من المؤمنين يقول: أنه لما همّ بأمر، فكأن هنالك من حدثه، وقال له: اترك هذا الأمر.. وقد يكون هذا الأمر مباحا، وتركه، وإذا به يعلم أن هذا المباح كان مقدمة للحرام.. وهذا معنى من معاني القول الوارد: (عرفت الله بنقض العزائم، وفسخ الهمم).. وهنيئا لإنسان قيض له هذا الملك، فسوف يكون على الجادة المستقيمة!..

وإن الذي قد يستغرب هذا الأمر أو ينكره، فليتأمل: ما معنى أن نقرأ في سورة الحمد في كل يوم: {اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}؟.. ومن المعلوم أن الصراط المستقيم يكون في كل شيء، لا في أصل الإسلام.. وإن الذي يقول هذه العبارة، هو مسلم وورع وتقي، فما معنى قولها إذن؟.. بل حتى في ساعة الاحتضار، إن الإنسان يحتاج إلى الصراط المستقيم، فلأن يعرف كيف يتصرف في اللحظات الأخيرة من عمره، فهذا يحتاج إلى ملك مسدد وملهم، أن قل: هكذا في اللحظات الأخيرة.. أو اعمل هكذا في السنة الأخيرة.. ولهذا من الملاحظ أن من أحسن أشهر السنوات، هو شهر الموت، والذي لا يعلم هو متى.. فبعض الناس تراه تلقائيا ينتظم في حياته، ولا يضحك، وأخذ يدفع الحقوق الواجبة، ويصبح إنسانا ملتزما إلى درجة أنه يثير الاستغراب فيمن حوله، وإذا بهم يفاجأون بأنه قد مات بعدها مباشرة.

إن المؤمن يطلب من الله تعالى، أن يأخذ بيده في كل مراحل حياته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى