الوصايا الأربعون

الإكثار من القول

س1/ إن البعض يرى أن الكلام الكثير، من موجبات تخفيف الاحتقان الباطني.. فهل هذا يعد مبررا مقنعا، للكلام الكثير؟..

إن هذه الوصية هي من الوصايا المهمة.. لأن من موجبات تأخر الكثيرين في تحقيق الأهداف المعنوية لهم، هو عدم مراقبة القول، والإكثار من القول: الحرام، والحلال الغير هادف.. فالكلام فيما لا يعني، ليس بالضرورة أن يكون حراما، بل قد يكون مما لا نفع فيه.. والإنسان الذي يكثر من الكلام، فإنه لا يأمن من الوقوع في الزلل، كما قال أمير المؤمنين علي (ع): (ومن كثر كلامه كثر خطؤه، ومن كثر خطؤه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النار).

إن الذي يريد أن يخفف ما في الباطن من ضغوط، بالكلام الكثير-أو ما يعبر عنه عرفا (بالفضفضة)- فليس هذا هو السبيل الصحيح!.. بل إن السبيل الوحيد، هو أن يرجع إلى من بيده مقاليد الأمور.. إن مشاكلنا إما هي مشاكل بدنية، أو نفسية، أو مالية.. أوليس رب العالمين من بيده خزائن السماوات والأرض، وأمره بين الكاف والنون؟.. لماذا لا نجعل هذه (الفضفضة)، مع رب العالمين، الذي هو أرأف بالعبد من كل أحد، وهو الأقدر على حل أزماته؟..

س2/ هل هناك علاقة وطيدة بين الصمت، والحكمة التي تلقى على العبد؟..

بلا شك!.. إن كان لكل دواء مكونات، فإن الصمت والجوع والسهر، هي من مكونات الحكمة الأساسية، فهي الأرضية، وبعد ذلك يأتي التفضل الإلهي.

إن الإكثار من الصمت، لمن موجبات أن يعيش الإنسان حالة من حالات التركيز الباطني.. فالإنسان وهو يتكلم مع أحد، لابد أن يلتفت إليه، وهذه الالتفاتة تأخذ من توجه الذات..

ولهذا فإن أولياء الله الصالحون عندما يتحدثون مع أحد، فهم من يمنون على الطرف المقابل.. فهم يرون أنفسهم في غنى عن الحديث مع الغير، بدعوى التخفيف عما في الباطن أو غيره، فهؤلاء لهم ما يشغلهم، وعندما يتحدثون يعطون شيئا من جهدهم ومن ساعات أعمارهم الثمينة.. أرأيت كيف أن البعض لو أعطى أحدا من ماله، ألا يعيش المنة في داخله؟.. كذلك الولي، فإنه عندما يتكلم مع أحد، وخاصة إذا كان الكلام طويلا، يعتبر أنه قد أعطاه قطعة من وجوده.. ولهذا إذا أعطاه من وقته، فإنه لا يعطيه من الكلام إلا بمقدار الضرورة واللازم.

ولهذا إن المؤمن حذر من كثرة الزيارات، لأن الزيارات عادة تلازم الكلام الكثير.. فهو أولا لا يزور إلا من يستحق، لئلا يتورط في الكلام الكثير.. وإذا زاره لا يطيل، بل يقتصر بالحد الأدنى.. فإن المؤمن حريص على وقته، أشد الحرص، فالوقت الذي يضيع مع الجلوس اللاهادف مع الغير، هذا الوقت يمكن أن يعمل فيه الأعمال الكبرى، سواء عبادية: كالصلاة، وقراءة القرآن.. أو فكرية: كالتزود العلمي..

فإذن، إن المؤمن إذا أراد أن يعطى الحكمة، التي أعطيت للقمان، فإن من روافد حكمة لقمان-كما ورد في الروايات- هو كثرة الصمت.. ومن المعلوم أن صمت المؤمن، يختلف عن صمت المعقدين نفسيا، وقد ورد في الروايات هذا المضمون: (إن المؤمن صموت، وإذا تكلم بذ القائلين).. فهو كثير الصمت، ولكن إذا لزم الأمر لأن يتكلم، تفوق على كل أقرانه، لأنه يعيش حالة من حالات التعبئة الباطنية، أي يلقن الحكمة، فإذا تكلم تنفجر ينابيع الحكمة، من قلبه على لسانه.

س3/ ما هي الضوابط والموارد الصحيحة للصمت؟..

إن الصمت حركة من الحركات، التي لابد أن تنطبق مع الأوامر الإلهية.. فكما أن الكلام في غير محله ممنوع ومذموم، فالصمت في غير محله أيضا ممنوع ومذموم.. ومن مصاديق الصمت المذموم، ما يكون داخل الأسرة.. فإن كان ولابد من الصمت، فلا ينبغي للمؤمن أن يطبق هذا على عائلته في أول الأمر، فليطبقْ على الأجانب.. لأن العائلة تحتاج إلى المؤانسة بالحديث، والإرشاد والتوجيه.. وليس كما نلاحظ عند بعض النساء، التي يكون مقدار كلامها مع الزوج، لا يقاس بمقدار كلامها مع الصديقة مثلا!..

ومن هنا نعلم لماذا أن (الساكت عن الحق شيطان أخرس)!.. هو إنسان صامت، ولكن صمته هذا، يدخله النار!.. فلابد أن نجعل الكلام والصمت في محله.. ونعلم كما أن الكلام حركة، والمتكلم له فعل، قد يكون حسنا وقد يكون سيئا.. فالصمت كذلك حركة، والصامت له فعل، قد يكون حسنا وقد يكون سيئا.. فالإنسان وإن كان هو صامتا، فقد يعد هذا الصمت مداهنة، أو إمضاء لمنكر، أو إهانة للجالس.. فمثلا: إذا كان إنسان مؤمن سأله سؤالا، فهو عندما يسكت ولا يتكلم، فكأنه يقول له: أنت لست في مستوى أن أتكلم معك!..

فعليه، لابد من الحذر أيضا من الصمت، لئلا يقع فيما يوجب له العقوبة الإلهية.

س4/ لو أراد شخص كان مبتليا بكثرة الكلام وتوابعه من الوقوع في الزلل، أن يعود نفسه على الصمت.. فما هي الخطوات الأساسية لذلك؟..

أولا عليه قبل أن يتكلم أن يفكر فيما يريد قوله، لئلا يقع في المحذور.. وقد ورد عن الإمام علي (ع): (لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الأحمق وراء لسانه).. فالعاقل لسانه تابع لقلبه، أي يفكر أولا ثم يتكلم.. بينما الأحمق قلبه متبوع للسانه، أي يتكلم ثم يفكر فيما قاله، هل كان صائبا أم لا!..

فالذي يريد أن يحترز من سلبيات الكلام، عليه أن يجيل الفكرة في ذهنه أولا: هل يقوله أم لا؟.. وبأي مقدار؟.. ومع من؟.. أي يدرس كل العناصر: الفكرة، والمتكلم، والمتكلم معه، والظرف، والزمان، والمكان؛ عندئذ إذا خرج بقرار أن ما أراد قوله مناسبا يتكلم، وإلا فلا..

وإن من المناسب أن نذكر هذه الحقيقة:

إن الالتزام بالصمت، لا ينافي كون الإنسان ودودا واجتماعيا.. فالمشكلة أن البعض يخلط بين المعنيين، فيرى بأن الإنسان إذا طال صمته، صار ثقيلا على الغير، وإنسانا غير اجتماعي، ومنبوذا، وإن مثل هذا الإنسان لا يتحمل!.. والحال بأنه ليس دائما هكذا!.. فنحن عندما نراجع سيرة أئمتنا (ع)، نلاحظ بأنهم كانوا أكثر الخلق أنسا بالآخرين، مع التزامهم بالصمت.. فالإنسان المؤمن يتكلم بأسارير وجهه، وقد تكون ابتسامة من مؤمن حكيم، حليم صموت، تغنيك عن الكلام الكثير!.. وهو ما يعبر عنه بالتأثير الأنفسي أو التأثير التكويني للمؤمن على الغير.. فالبعض يؤثر على الغير بمجرد وجوده، لا من خلال اللفظ..

لهذا من المناسب أن يسأل المؤمن ربه، أن يجعله كهؤلاء الأولياء، بأن يجعل له أنسا للخلق، بمجرد وجوده وإن هو كان ملتزما بالصمت.

س5/ إن من الأمور التي يتمناها كل إنسان، أن تكون له خاصية التأثير بالقول.. فكيف يصل الإنسان إلى هذه الدرجة؟..

إن هذه الخاصية مرتبطة بالصمت.. فالإنسان الذي يكثر من الصمت، ويشغل نفسه بالذكر بدل الثرثرة، فإنه عندما يكون في أجواء الغافلين، ويلزم الأمر أن يتكلم، يكون رب العالمين وراء كلامه.. إن رب العالمين كما يعطي العباد الصالحين مودة القلوب، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا}، أيضا يعطيه قوة التأثير في كلامه.. ولهذا نلاحظ أن بعض الخطباء والوعاظ، أنه عندما كان يخطب ويعظ، كان يبكي جميع من حوله.. فقوة التأثير في الكلام، هذه من مصاديق المباركة الإلهية للعباد الصالحين.

إن الأب الذي أعطي هذه الخاصية، كم يرتاح في تعامله مع أسرته!.. فإنه لن يحتاج إلى أن يفتح معارك مع زوجته أو مع أولاده، بل إنه قد تكفيه النظرة!.. وقد كان النبي (ص) إذا لم يعجبه شيئا، يعرض بوجهه، ولا يحتاج إلى كلام كثير.. وكان بهذه الحركة، يرجع الطرف المقابل إلى الصواب، وينقلب عن ما كان عليه.. كما قد ورد في رواية: إن النبي (ص) مر على أحدهم، فرأى ما لا يرضيه، وكان هذا الصحابي قد بنى بناء متميزا بحسب ذلك الزمان، فأعرض النبي (ص) بوجهه عنه، ولم يعامله كما هو معتاد.. فالصحابي أدرك أنه قد ارتكب خطأ، فهدم البناء الذي بناه.

أرأيت كيف كان يتعامل النبي (ص) مع أصحابه؟.. إن الذي يتعامل بهذه الطريقة، كم يريح نفسه من كثير من العناء، في مواجهة الطرف المخطئ!.. فهو إذا كان حريصا على إرجاعه إلى الصواب، فإن هذه من موجبات النجاح لمقصوده، حتى في الدائرة الأسرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى