الوصايا الأربعون

سير الصالحين

س1/ إن من الأمور المُوجِهة للسالك، والمشجعة له في السير، الاطلاع على سيّر الصالحين والاقتداء بهم.. ولكن ألا يخشى من ذلك، الصنمية والتعبد بقول الغير، وخاصة مع عدم العصمة؟..

نحن عندما نقول بالاقتداء بسير الصالحين، فنعني بذلك، الاقتداء بهم بعد أن تثبتنا أن سيرتهم موافقة لما جاءت به الشريعة، ونحن لسنا في مقام أخذ أصل التشريع منهم..

مثلا: إن من الصفات التي يحسن بالمؤمن التحلي بها صفة الزهد، وهي صفة أخذت من الشريعة، من الكتاب والسنة.. فإذا أردنا أن نعرف معنى هذه الصفة، وكيف أن البعض لا يملكه شيئا، وهو يملك كل شيء، فإننا عندما نرى تاجرا له ما له من الأموال، وهو متعال عنها، غير أسير لها؛ فإن رؤيتنا لهذا المعنى في حياته، درس عملي لنا، ومشجع لنا في أن نتأسى بهذه الصفة، التي وردت في الكتاب والسنة.. وبعبارة أخرى، نحن نبحث عن المصاديق للأوامر الشرعية، لا أننا نوجد أمرا شرعيا، وإنما من باب (اعرف الحق تعرف أهله)..

إن الاقتداء العملي بسير الصالحين، غير التقليد للمجتهد الأعلم العادل.. لأن ما يقوله المجتهد ينطقه عن الله تعالى، بمعنى من المعاني؛ فهو حجة الإمام علينا، والإمام (ع) حجة على الأمة، وعلم الإمام (ع) موصول بالسماء عبر النبي المصطفى (ص).. فإذن، إذا كان الإقتداء بهذا المعنى، فلا يخشى من الصنمية..

ولكن ينبغي الالتفات، والاقتداء بالصفات الحسنة فقط!.. فإن البعض عندما يعجب بإنسان في جهة من الجهات، مثلا: يعجب بحلمه، أو بصبره، أو بزهده، سواء كان هذا الإنسان عالما اصطلاحيا، أو كان من عامة الأمة، فإنه يتعدى من صفاته الإيجابية إلى باقي الصفات، فيأخذ حتى الصفات السلبية الأخرى!..

إن الكثير من الزاهدين، والعابدين، وأهل الملكات الطيبة، وأصحاب العبادات الكثيرة، والتجليات والحالات الروحية، يميلون إلى التقوقع، والابتعاد عن النشاط الاجتماعي؛ لأن هؤلاء لا شعوريا، تصبح عندهم حالة من احتقار الناس.. ونلاحظ أن الذي ليس له هذا الخط، من البعد الروحي والعاطفي، له ما له من النشاط.. وذاك الذي له هذا البعد الجيد، ليس له ذلك النشاط..

فالمؤمن الحاذق اللبيب الفطن، يأخذ من المقتدى به الجهة الإيجابية، ولا يعطيه الدرجات الكاملة في كل المواد.. إن المؤمن مثله مثل النحلة، يأخذ من كل زهرة رحيقها.. والمؤمنون بمثابة الزهور، وأزهار المؤمنين عادة فيها شيئا من الأشواك، وذلك من لوازم عدم العصمة؛ فترى مؤمنا متميزا في كل الأخلاقيات، إلا أنه حاد المزاج.. ومن هنا ينبغي للمؤمن، أن يحاول أن يفرق بين الذات، وبين الصفات؛ فالصفات يأخذها، ولكن الذات ما دامت ذات غير معصومة، فإن هذا الإنسان ممن تنطبق عليه الرواية: (إياك!.. أن تنصب رجلا دون الحجة، فتصدقه في كل ما يقول).

س2/ إن الملاحظ في هذا العصر، قلة المتميزين من الرجال والنساء، رغم انتشار وسائل الثقافة بدرجة كبيرة، لم تعهد سابقا.. فما هو السبب في ذلك؟..

إن من المعلوم أنه لا تلازم بين انتشار الإنترنت والفضائيات، وبين التميز؛ لأن هذه الأجهزة الحديثة، مثلها مثل الكتب قديما.. والقرآن الكريم في سورة الجمعة يعبر تعبيرا لاذعا، عندما يقول: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.. الذي لا يعمل بعلمه، مثله مثل الحمار يحمل أسفارا!.. والآن بدل الأسفار، الفضائيات، والإنترنت!..

ففي يوم من الأيام لم يكن هناك تلازم بين الثقافة والعمل، إنما هنالك وسيط، أو حلقة مفقودة بين الثقافة والعمل، وهي الإرادة، بأن نريد أن نعمل بما علمناه.. فهذه الإرادة مرتبطة بعالم الفؤاد، والفؤاد عندما يريد، فما في عالم الذهن، يتحول إلى عالم الجوارح.. أي أن عندنا ثلاثة عوالم: عالم الجوارح، وعالم المدركات، وعالم الجوانح.. فالمدرك إذا دخل الجانحة، وتغلف بغلاف الإرادة، فعندئذ يتحقق عندنا المراد في عالم الجوارح.

فإذن، إن عدم وجود التميز، لأن الإرادة غير متحققة.. ولهذا فإن أزمة الساقطين أو المتسافلين في هذه الحياة، ليست أزمة الجهل، وإنما أزمة ضعف الإرادة.. فمن أراد التميز، لابد أن يكون طائرا بجناحين: الثقافة، والإرادة.

وإن الأوامر الشرعية: كالصيام، والحج، والزكاة، إن هذه أمور-تقريبا- على خلاف المزاج، وتقوي الإرادة.. فمثلا: أن يدفع الإنسان خمس ماله، أمر يحتاج إلى إرادة، وقهر لذاته المحبة للمال.. وكذلك أن يصوم الإنسان عن الملذات، أو أن يتحمل المشقة في الحج.. فالذي يعمل بمجمل أوامر الشريعة، فإنه يرجى أن يصل إلى هذه الدرجة، من الإرادة المتميزة؛ والإرادة المتميزة، تستوجب الأعمال المتميزة أيضا.

س3/ إن الملاحظ أن أغلب المتميزين على مر العصور، هم الرجال دون النساء.. فما هو سر قلة المتميزات من النساء؟..

أولا ليست عندنا إحصائيات منذ أن خلق الله تعالى آدم إلى الآن، في هذا المجال!.. إن الرجال-وخاصة العلماء- تميزهم يظهر، باعتبار رجولتهم.. ولكن المرأة بحكم الأنوثة، والحواجز الشرعية، كما يتبين في الأمر الإلهي من قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}؛ ليس بإمكانها أن تبرز كل قابليتها كالرجال.. وإلا قطعا هنالك شريحة كبيرة من النساء المتميزات.. ومن الممكن هذا الحكم بقلة المتميزات، هو لعدم علمنا نحن بهن.

ولكن أيضا لا ننكر هذه الحقيقة: إن النساء رغم تفرغهن، ورغم وجودهن في بيئة محافظة بشكل عام، واستمتاعهن بمزايا كثيرة، منها-كما ورد- أن (الجنة تحت أقدام الأمهات).. ولكن لا نلاحظ كثرة المتميزات؛ لغلبة الجانب العاطفي، والتبرم من عدم الوصول، والاستعجال في قطف الثمار، والجلوس مع الغافلات من المجتمع النسائي، والالتهاء بالحلي والحلل وأثاث المنزل… فطبيعة المرأة أن شغلها مع الجزيئات، والمفردات، أو كما يقال في علم الأخلاق (بعالم الكثرات)، أي الأمور المتنوعة الصغيرة.. والرجل عادة لا يبالي بأمور البيت والمطبخ والأثاث، وشؤون الأولاد الجزئية وغيرها.. فانشغال المرأة بهذه الجزيئات، من الممكن أن يفقدها شيئا من التركيز، في عالم الترقي الروحي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى