الوصايا الأربعون

المحطات العبادية

س1/ كيف يمكن الجمع بين التفاعل العاطفي والتفاعل النظري، في مشاهد أهل البيت (ع)؟..

في حلقة سابقة كانت لنا محطة، تكلمنا فيها فيما يتعلق بجانب الارتباط العاطفي، بأئمة أهل البيت (ع)، وفي هذه الحلقة سنركز الكلام فيما يتعلق بمشاهدهم وزيارتهم.. لأنه لا يخلو مؤمن من المؤمنين في هذه الأيام، إلا وله في السنة-على الأقل- زيارة أو زيارتان، لهذه المشاهد المباركة.

إن الذي ينكر تأثير هذه المشاهد في الربط العاطفي والنظري، فإنه مجانب للحقيقة.. كما أن الله تعالى جعل البركات في الحج والعمرة، لتقوية الجانب التوحيدي، وأمرنا بزيارة النبي (ص) ومسجده، للربط الرسالي بالنبي وآله (ص).. كذلك فإن زيارة المشاهد لها دور كبير في ترسيخ الجانب الروحي في الإنسان، وخاصة إذا كانت الزيارة مقترنة بحالة من حالات الاعتكاف، ولم يكن الغالب على سفرته للزيارة الجانب السياحي، والانشغال بأمور الدنيا.. نحن لا نقول بعدم اصطحاب الأهل والولد، فهذا لا بأس به، بل إنه من موجبات البركة.. ولكن من المناسب بين وقت وآخر أن ينوع المؤمن في الزيارة، فمرة يجعل له زيارة مع العائلة، وأخرى زيارة فردية.. فهو عندما يذهب-مثلا- للعمرة منفردا، فإنه قد يعيش بعض المشاعر، التي لا يعيشها عندما يذهب مع القوافل في جو جماعي، والذي قد يكون مشغلا وملهيا..

إن الذي يشد الرحال للزيارة، بنية الاعتكاف، كأنه يقول: يا رب!.. أنا أريد أن أخلو معك، في سفري هذا.. لا أريد أن يشغلني عنك شاغل!.. لا أريد أحدا غيرك!.. لا أريد أنسا إلا أنس قربك!..

وكم هو جميل أن يوفق الإنسان للخلوة الروحية، في هذه الأماكن المقدسة، وينقطع عن الخلق مع الحق: صلاة، ودعاء، وزيارة..

ثم إنه من الفرص المناسبة، المكث في المشاهد-وخاصة عند قبر المعصوم، وخاصة عند الرأس الشريف، أو تحت قبة ذلك الإمام المعصوم- لمراقبة مجمل مسير الحياة العام: (رحم الله من علم من أين، وفي أين، وإلى أين!).. فالإنسان في وطنه وهو على فراش النوم أو في مكتبه مثلا، قد لا يوفق لتقييم مساره العام، خلال المراقبة اليومية: هو إلى أين وصل؟.. ما وزنه في العبودية؟.. شبابه فيم أنفقه؟.. عمره فيم أبلاه؟.. ما مستوى رقيه الباطني والفكري؟.. ولكن عندما يكون عند البيت، أو في الروضة، أو في المشاهد، فإن هذه فرصة ذهبية للتقييم العام، لأن الصفاء الموجود متميز.

بالإضافة إلى أنه يمكنك وأنت في حضرة المعصوم، طلب المدد.. فهؤلاء أحياء يرزقون، وهم أئمة الشهداء.. فما المانع أن تقول: يا رسول الله!.. سل الله تعالى أن يلهمني من أنا، وإلى أين وصلت، وما هي عيوبي.. ورد في حديث عن النبي (ص): (إذا أراد الله بعبد خيرا، زهده في الدنيا، وفقهه في الدين، وبصره بعيوب نفسه).. فما المانع أن تقول: يا رب!.. بصرني بعيوبي.. وإن الرب-لو أراد- له طرقه في أن يبصرك.

إن الذي يريد أن يزور النبي (ص) وأهل بيت النبي (ع)، فقبل أن يذهب إلى المشهد، من المناسب جدا أن يأخذ دورة فكرية، حول ذلك المعصوم، قراءة لسيرته ومواقفه.. ومن المتعارف هذه الأيام عند البعض من هواة السياحة والسفر إلى الدول الأوروبية مثلا، أن يراجع معالم البلد، وخصوصيات البلد، ومساحة البلد.. ولكن كيف يكون من المؤمن أن يزور الإمام الرضا (ع)، وهو لا يعلم شيئا عن سيرته؟!.. لماذا ذهب إلى أرض خراسان؟!.. ما الذي جاء به هناك؟!.. ولا يعلم كلماته الحكمية، وأخلاقه، وتعامله مع من حوله!..

إن من المناسب جدا أن يصطحب معه في زيارة سامراء مثلا، كتابا حول حياة الإمام الهادي والعسكري (ع).. وفي ضمن موسوعة (بحار الأنوار) هناك مجلدات حول حياة المعصومين من النبي الأعظم (ص) إلى الإمام المهدي (ع)، أو كتاب (كشف الغمة) أيضا فيه ذكر المعصومين جميعا، أو كتاب (منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل) للمحدث القمي.. إن من المناسب أن يكون الإنسان معه شيئا، من سيرة ذلك الإمام المزور.

وكم من الجميل في ساعات الاستراحة في الحرم، وهو في حائر الحسين- إذا كان الإنسان عنده حالة من حالات الإدبار، فلا يقرأ القرآن، ولا يصلي- أن يقرأ سيرة الإمام وهو بجانبه.. فبالإضافة إلى الجانب التفاعلي، فأنت عندما تقرأ سيرة المعصوم وأنت بجواره وملاصقا له، وفي حضرته، ثم تزوره؛ فإن هذه الزيارة ستكون فيها مسحة تفاعلية زيادة، عما لو زرته وأنت جاهل بسيرته.

س2/ إن الملاحظ أن للزائرين للمشاهد المقدسة درجات متفاوتة، في تلقي العطاء من المعصوم المزور.. فلماذا هذا التفاوت؟..

كما قال أمير المؤمنين علي (ع): (القلوب أوعية، وخيرها أوعاها).. إن الزيارة القلبية ليست كالزيارة البدنية واحدة للجميع، فكل زائر يدخل ببدنه عند المعصوم، سواء كان وليا، أو إنسانا عاصيا.. فإن الزيارة القلبية، تتوقف على سعة الإناء، بأن يكون الإنسان له قلب ذاكر، وله بعد عاطفي مميز، ومراقب.. كبعض الناس الذي يدخل إلى المشهد، ويخرج من المشهد، وإلى أن يصل إلى المنزل، وهو يعيش حالة واحدة.. بل هو عندما خرج من المنزل من وطنه- لا من محل إقامته- كان يعيش حالة من حالات الذكر المستمر والمراقبة..

فمثل ذلك الإنسان المراقب، لا شك أنه غير البعض الذي بمجرد أن يخرج من باب الحرم الشريف، وإذا به يضحك ويمرح ويقهقه، وقد يغتاب ويقول ما لا يحسن قوله..

فالذي له مراقبة متصلة في بلده، وفي منزله، وفي الطريق إلى المنزل، وفي السفر، وفي محل إقامته، وفي الطريق إلى الزيارة.. فإن هذا لا شك أنه يعطى من العطاء ما لا يعطى ذلك الذي يدخل الحرم، وهو يعيش حالة السهو والغفلة.

س3/ ما هي علامة قبول الزيارة، للمشاهد المشرفة؟..

إن علامة القبول ليس توقع مناما طريفا، ولا توقع إجابة الدعوة.. فإجابة الدعوات ليست بالضرورة أنها من علامات القبول.. فمثلا: إذا زار إنسان الإمام المجتبى (ع)-المعروف بأنه كريم أهل البيت (ع)- في البقيع، والتجأ إليه في قضاء حاجة ملحة له، في شفاء ولده مثلا؛ فرب العالمين-ببركة الإمام (ع)- من الممكن أن يعطي هذا الإنسان الحاجة، ولكن القبول معنى آخر.. القبول أن يصبح الإنسان مرضيا عند المزور، لا مقضي الحوائج.. فهناك فرق بين الإنسان مقضي الحوائج، وبين الإنسان المقبول.

وإن من أهم علامات القبول، هو التغير الجوهري.. فمثلا: إنسان كان مبتلى بالحدة، وذهب للزيارة، ولما رجع وجد نفسه إنسانا هادئ المزاج..

أو إنسان كان يعاني في المجاهدة مع شهوة النساء، فكان يجاهد ومرة ينجح ومرة يفشل، ولما رجع من الزيارة، صار لا يرى إغراء في نفسه.. وإن الشاب إذا وصل إلى مرحلة أنه لا يغرى بالحرام، فإنه تقريبا دخل عالم العدالة العالية، أو العصمة النازلة.

فإذن، إن الذي يرى زهدا في الحرام، وزهدا في الدنيا، وهدوءا في المزاج، وسرعة لتلقي المعلومات.. كان يقرأ الرسالة العملية فلا يحفظ، وينسى، ويصعب عليه الفهم، ولما رجع من الزيارة، صار تلقيه للمعلومات بشكل سلس وأقوى، فهذا علامة من علامات القبول.. وإن شاء الله تعالى، الكل يعطى هذه العلامة، بمنه وكرمه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى