الوصايا الأربعون

الرفق بالنفس

نرجو-إن شاء الله تعالى- بمجموع هذه الوصايا، أن يبارك الله تعالى لنا فيها، بحيث نخرج بما قلناه في أول الأمر، بما يشبه القانون الأساسي في هذا المجال.. لأن المشكلة عند البعض، ليست مشكلة الهمة، إنما مشكلة وضوح الجادة والطريق.. وأردنا بهذه الكلمات-إذا رب العالمين قبل منا- أن نلقي الضوء على أصول السير في هذا المجال.

س1/ إن من الضروري للسالك-كما هو الوارد في الروايات- الرفق بالنفس، وعدم إكراهها بفعل الطاعات.. ولكن ذلك ألا يوجب التقاعس والتكاسل، وخاصة مع طبيعة النفس التي تميل إلى الراحة، والتمتع باللذائذ الحسية؟..

إن البعض يرى أنه لابد أن يثقل على نفسه، ويكرهها على عبادة ربه.. لأنه إذا أراد أن يتبع هوى نفسه، ولا يرهقها بالعبادات، فإنه لن يحقق التكامل، وسيبقى على ما هو عليه.. ولكن ليُعرف المقصود بالقول بضرورة الرفق بالنفس، لابد أن نفرق بين هذين النوعين للمشقة والثقل على النفس:

الأول: وجود إعراض وثقل على الجوارح، مع ارتياح للجوانح:

هناك بعض العبادات الثقيلة والشاقة، على الجوارح.. فقيام الليل-مثلا-لأولياء الله، لا يخفى أنه مخالف للطبع، بأن يترك الإنسان لذيذ النوم في الفراش.. ولهذا فالله تعالى يركز على هذه الحالة، في قوله تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا}.. فالبعض كم يجاهد حتى يستيقظ، وإلى أن يقوم ويتوضأ ويصلي، وهو لا زال يعيش في حالة من حالات سكر النوم.. وكذلك الحج، فإنه أيضا من العبادات الشاقة، المخالفة لطبيعة النفس، التي تحب الدعة والراحة..

فإذا كانت المشقة على الجوراح، ولكن الجوانح منسجمة ومرتاحة لتعب الجوارح، عندئذ من الممكن أن نقول بأن التعب الجوارحي، لا يؤثر في سير العمل.. كما قال الشاعر:

وإذا كانت النفوس كبارا *** تعبت في مرادها الأجسام

وقد ورد: (ما ضعف ما بدن، عما قويت عليه النية).. فالنية إذا كانت قوية، والهمة عالية، فإن ضعف البدن لا يعد مانعا في البين.

والثاني: وجود إعراض وثقل على الجوارح، مع عدم تشجيع من الجوانح:

وهذا الذي هو فيه عامة الناس، فترى إنسانا نفسه لا تميل أساسا للعبادة، فيقرأ القرآن بتثاقل، ويصلي بتثاقل… ولكن ينبغي الحذر أيضا، لأنه يخشى مع استمرار هذه الحالة، الإدبار والنفور لاحقا بشكل مطلق من العبادة الواجبة، فضلا عن المستحبة.

فإذن، ملخص الإجابة عن هذا السؤال:

إن التعب البدني إذا كان مع وجود رصيد جوانحي مشجع، وموجِه لتعب الأبدان، فإنه يرجى أن يكون ذلك التعب في طريق التكامل، وإلا فلا.

س2/ من المعلوم أن اللذائذ المعنوية، لا تقاس بها لذة في الوجود.. إلا أن طبيعة النفس أنها تميل إلى الاستمتاع باللذائذ الحسية.. فكيف يمكن الوصول إلى درجة الاستمتاع باللذائذ المعنوية؟..

إن الجواب على هذا السؤال يحتاج إلى مقدمات، وإلى حديث مفصل؛ لأن هذا من الفصول المهمة للتكامل الأنفسي.. ولكن نقول إجمالا:

أولا: البلوغ الباطني: إن المؤمن يصل إلى درجة يكون تلذذه بالمتع المعنوية اللاحسية، أكثر من تلذذه بالمتع الحسية؛ وذلك لوجود حالة من حالات البلوغ الباطني عنده..

إلا أن البعض وجوده الباطني، لم يصل إلى مرحلة البلوغ، فهو لا زال يعيش المراهقة الباطنية، وإن بلغ به العمر ما بلغ.. فتراه في سن الستين أو السبعين أو الثمانين، وهو يعلم أن انتقاله للنشأة الأخرى أضحى قريبا، ولا زالت متعته في هذه العوالم المادية المحسوسة!..

فمن الطبيعي أن الروح إذا لم تبلغ، أنها لا تصل لمستوى تذوق اللذائذ المعنوية.

وثانيا: طلب المدد الإلهي: إن المؤمن يطلب من الله تعالى أن يذيقه حلاوة قربه، إلى درجة -كما علمنا إمامنا زين العابدين (ع)- أنه يستغفر من كل لذة بغير قربه، ومن كل لذة بغير ذكره، ومن كل سرور بغير قربه.. أي يستغفر إليه، من اللذائذ التي هي دون لذة المناجاة مع رب العالمين.

س3/ إن الالتزام بورد ثابت مأثور، من الأمور المهمة للسالك.. ما هي الإيجابيات والسلبيات في ذلك؟..

إن من السلبيات: الذكر المجرد من التوجه:

إن الالتزام بذكر معين، من الممكن أن يسلب من صاحبه الخشوع والتوجه، فتراه بعد فترة من الالتزام بذكر معين، أنه يتمتم، وكأنه لا يلتفت.

ومن إيجابياته: شغل أوقات الفراغ بالذكر:

إن الإنسان الذي يلزم نفسه بذكر معين، فإن هذا الالتزام مدعاة له بأن يفرش ليله ونهاره، بهذه الحالة من ذكر الله تعالى.. مثلا: إنسان ملتزم بالصلاة على النبي وآله، ألف مرة في اليوم، فهو لما يحصل على لحظات فراغ في الطريق، أو في الدابة، أو وهو في انتظار أحد، فإنه يراها فرصة مؤاتية لقضاء ما هو ملتزم به..

فالالتزام بورد بعدد معين، ينظم ساعات الفراغ عند الإنسان.. ولكن بشرط أن يكون هذا الورد مأثورا، وأن يكون بتوجه؛ فعندئذ من الطبيعي أن هذه الأوراد وهذه الأذكار، تؤتي أكلها بإذن الله تعالى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى