الوصايا الأربعون

لحظات الخلوة

س1/ من المعلوم أنه لابد أن يكون للسالك من لحظات الخلوة.. ولكن البعض قد يقع في فخاخ الشياطين، من هذه الناحية.. فكيف نفرق بين الخلوة المحمودة، والخلوة المذمومة؟..

الخلوة المذمومة، هي: التي تكون بداعي الفرار من الخلق، والتقاعس عن أداء الواجب؛ ليعيش الراحة والدعة، بعيدا عن مشاكل الناس.. ولهذا ترى أن من يميل إلى هذه الخلوة، يترك حتى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.. فهو عندما يعتزل لا لأجل الخلوة مع الله تعالى والتقرب إليه تعالى، إنما لأجل التخلص من تبعات الخلق.. ومن هنا فهذه الخلوة، خلوة غير مقدسة.. والبعض قد تكون عزلته سببها حالة نفسية مرضية، فهذا المرض معروف عند علماء النفس، فالشخص عندما يميل إلى العزلة، يحدس أن هنالك شيئا ما في باطنه قد تغير.

بينما الخلوة المحمودة، هي: الخلوة الاختيارية، التي تكون بداعي طلب القرب من الله تعالى؛ وصاحبها ليس عنده مشكلة مع الناس، بل إنه قد يكون في حالة من الأنس مع الناس، وله طبيعة اجتماعية، ولكنه يقطع هذا الأنس، طلبا لما هو أكمل وأعمق..

كخلوة الشاب المؤمن-الذي اعتاد في كل الليالي على الخلوة مع ربه- في ليلة الزفاف.. فعادة في تلك الليلة الشاب يبتلى بالغفلة، إلا أنه لا يفوت على نفسه هذه الخلوة، ولذتها أيضا.

إن اللذائذ المعنوية-لأهلها- أدوم وأعمق من اللذائذ الحسية.. فالخلوة المحمودة، هي تلك الخلوة التي يريد فيها الإنسان أن يختلي مع معنى عميق، أعمق مما يظنه الناس، وذلك هو الخلوة مع مصدر كل أنس في الوجود.

س2/ من المعلوم أن الذي يخلو مع ربه ليلا، يأنس بما يجده من التجليات الإلهية.. والبعض لا يرى هذه التجليات، وتراه يسعى للوصول إليها.. فما هي النصيحة لهؤلاء؟..

إن المؤمن موجود متعبد، لا لمزية من مزايا القرب من الله تعالى.. إن مثل الذين يهدفون هذه المزايا، والتجليات، والمكاشفات، مثل ندماء السلاطين.. فنديم السلطان ملازما له، لا يفارقه، ولكن هذه الملازمة لا حبا له، وإنما حبا للمزايا!.. ولهذا-كما نسمع في قصص الدول البائدة- عندما يموت السلطان، أو يزول ملكه، وإذا بالندماء يتفرقون من حوله، إن لم يتحولوا إلى أعداء له!.

إن الهدف من القيام في الليل، هو الظهور بمظهر العبودية لله تعالى، سواء أعطينا تجليات ومزايا، أو لم نعط.. فإن المؤمن عينه ليست على هذه الأمور، والمؤمن لا يعبد ربه حتى يعطيه شيئا.. فهذه من شؤون الرب، فهو الذي يريد أن يعطي عبده شيئا، فالعطاء من صفات رب العالمين، وعطاؤه عطاء واسع، لا ينقطع أبدا.. إنما العبد يقوم بوظائف العبودية، والله تعالى أعلم بوظائف الربوبية، وكيف يتعامل مع عبده.

س3/ كيف يمكن أن تكون للمؤمن خلوة في النهار، وخاصة مع زحمة الحياة؟..

إن الخلوة في الليل، حسية، ومعنوية.. فالذي يصلي صلاة الليل-حيث الظلام يعم الكون، والناس نيام- يعيش في جو هادئ، بعيدا عن زحمة الحياة والناس.. ولهذا البعض مع أنه في النهار يعيش بعض اللذائذ الحسية، إلا أنه ينتظر قدوم الليل، حتى يحصل على هذا الموقف في آخر الليل.

ولكن الخلوة في النهار، خلوة معنوية فقط.. فالمؤمن قلبه مع الله تعالى، حتى وهو في قمة التشاغل في عمله، والانشغال مع الغافلين، فتراه-مثلا- يبيع، أو يشتري، أو يدرس… وكذلك المرأة المؤمنة، وهي في المنزل تطبخ، وتغسل… ولكن القلب له عالم آخر، ومشغول بالله تعالى، فهو بالقلب في خلوة، وإن كان ظاهرا مشغولا مع الناس، أو بأي أمر آخر.

ومن المناسب ذكر هذه القصة:

أحدهم سمع عن أحد التجار، أنه من أولياء الله تعالى، ومن العباد المراقبين، فأراد أن يرى هذا الولي، فذهب إلى محل عمله.. ولكنه لما رأى هذا الإنسان التاجر، في حالة من الانشغال الحثيث مع المراجعين، ما بين ذاهبين وآتين، خابت آماله، وقال في نفسه: كيف يكون هذا كما قيل عنه، مع هذا العمل والانشغال؟!.. إن هذا متى يجد وقتا للخلوة والمناجاة مع رب العالمين؟!.. فإذا بهذا التاجر-وقد عرف بما نفسه- يجيبه: أنا وإن كنت بشخصي الظاهري مشغول جدا، ولكن قلبي قلب فارغ.

فإذن، إن المؤمن له فراغه الباطني حتى مع انشغاله بالناس، وفي الليل تجتمع الخلوتان: حسية، ومعنوية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى