الوصايا الأربعون

الإبتلاء من السنن

س1/ من المعلوم أن البناء الإلهي قائم على الرفق بالعباد.. فكيف نجمع بين ذلك، وبين البلاءات والتي يبدو أنها خلاف الرفق؟..

إن الحديث عن البلاءات وأنها سنة إلهية، حديث مهم.. لأن البعض يتوقع أنه إذا دخل في عالم القرب من الله تعالى، كأنه دخل في عالم القرب من السلاطين، فالذي يقترب من السلطان يأخذ منه المزايا والامتيازات!..

والأمر ليس كذلك!.. فلو كان الإعفاء عن البلاء مزية، لكان الأنبياء والمرسلين أولى بهذا الإعفاء.. والحال أنهم أشد الناس بلاء، فهذا نبي الله أيوب مسه الضر، إلى درجة أنه شكا أمره إلى الله تعالى.

السبب في كون البلاءات من العناصر الأساسية في حركة السائرين إلى الله تعالى:
أولا: إن قسما من البلاء ناتج من ظلم وتعدي البشر على الغير.. ومن المعلوم أن الله تعالى ليس بناؤه على خرم القوانين، أو التدخل في عالم السنن.. والتاريخ بنقل صورا من أبشع وأشد صور الظلم، كأصحاب الأخدود الذين ابتلوا بقوم أحرقوهم، والنمرود وفعله مع إبراهيم (ع)، وما فعله فرعون مع سحرة موسى (ع)..

فالبلاء الناتج من ظلم البشر وتعدي البشر على الغير، هذا لا يمكن خرمه وإيقافه.. وإلا لزم التدخل في عالم الوجود، ولزم أن رب العالمين كلما قام ظالم بعمل أهلكه فورا.. فليس هذا هو البناء، بل إن رب العالمين يملي للظالمين أكثر، كما نقرأ في القرآن الكريم، حتى يأخذهم أخذا شديدا زيادة في عذابهم.

وثانيا: إن قسما من البلاء يأتي من قبل الله تعالى لطفا بالعباد.. وهذا اللطف تارة يكون رفعا لدرجة، وتارة يكون تكفيرا لسيئة.. فكل بلاء لا دور للإنسان فيه، وليس من الآخرين، كالأمراض والحوادث والكوارث الطبيعية، فهو قضاء وقدر من رب العالمين، الخالق والخبير بعبادة وبما يصلح لهم.

ومن هنا قد يرد هذا التساؤل في ذهن البعض، وهو:

كيف يعلم المؤمن أن ما أصابه من بلاء من قبل الله تعالى بلاء تكفير للسيئات، أو بلاء رفع للدرجات؟..
والبعض يرى أن أشد من البلاء، هو عدم علمه بنوع البلاء؛ لأنه لا يعلم إن كان الله تعالى راضيا عنه، أو لا؟.. فإذا كان هذا البلاء يكشف عن رضا المولى تعالى، وعن عنايته، وعن تربيته، فإن المؤمن يطمئن قلبه، مهما عظم البلاء.. فإذا كان البلاء بلاء تكامليا، كبلاء نبي الله أيوب (ع)-لأنه نبي معصوم عن الزلل- فأنعم به وأكرم!.. أو لا، هو بلاء يكشف عن غضب الرب وتعجليه للعقوبة؟..

يمكن التمييز بأن هذا البلاء تكاملي أو غير تكاملي، من خلال مراجعة السلوك اليومي، فإن لم ير خطيئة كبيرة أو زلة معتد بها، فإن ما أصابه بلاء رفع درجة، وإلا فهو تكفير سيئة..

مثلا: إنسان وهو راجع من المسجد، أصابه حادثا، وقبله بأيام أو أشهر لم يرتكب خطيئة من الخطايا؛ فهنا الاحتمال القوي جدا، أن هذا البلاء رفع للدرجة.

ولكن شتان بين البلاء الذي فيه رفع للدرجة، وبين البلاء الذي فيه حط للسيئة!..

وهذا مثال يوضح الفرق: لو وقع إنسان في بئر، وبذلت الجهود المضنية لإنقاذه وإخراجه من البئر.. فهذا صحيح أنه نجا من الموت والهلاك، ولكنه عاد كباقي الناس إلى ما كان عليه، من المستوى المتعارف على سطح الأرض..

ولو بذلت الجهود لإنسان آخر، يراد له التحليق بمنطاد مثلا.. فإنه بعد هذه الجهود، ارتقى من المستوى المتعارف الذي كان فيه، إلى الدرجات العليا..

ففي كلا الحالتين، هنالك جهد مبذول، ولكن الأول ما كان نصيبه إلا العناء والمشقة؛ أما الثاني فإنه قد ظفر بثمرة جهوده، وحقق مراده.

س2/ في الوصية هناك ذكر لمعادلة مكونة من مقدمتين، وإن ثمرة الاعتقاد بنتيجتها الإحساس بالرضا والتسليم.. ما هي هذه المعادلة مع التفصيل؟..

إن الذي يحقق هذه المعادلة في حياته، فإنه من أسعد الناس، لأنه يعيش في جنة الرضوان الإلهي!.. فالجنة فيها النعيم المادي: الحور، والقصور، والغلمان.. وهذا لا يمكن الاستمتاع به إلا في الجنة، أما في الدنيا فليس فيها هذا النعيم.. وفي الجنة أيضا ما هو أرقى، وهو النعيم المعنوي، الذي يشير إليه قوله تعالى: {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ}.. فالرضوان الإلهي أكبر من الحور والقصور، والذي يعيش الرضوان الإلهي، فقد نقل لباب الجنة إلى الدنيا، ومستمتع برحيق الجنة وهو في الدنيا!..

وهذه المعادلة هي بضم صغرى قرآنية مع كبرى وجدانية، لنحصل على نتيجة بديهية بحذف الوسط، بالشكل التالي:

صغرى قرآنية: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا}.
كبرى وجدانية: (وما كتب الله لنا، فيه صلاحنا).
النتيجة البديهية: (قل لن يصيبنا، إلا ما فيه صلاحنا).

بيان المقدمة الأولى: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا}:
إن الله تعالى علمه محيط بكل شيء في الوجود، فليس هنالك مكتوب وراء الإرادة الإلهية، أو بلا العلم الإلهي، قال تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}.. فإذا كان علم الله تعالى يتعلق بسقوط ورقة يابسة لا قيمة لها، فكيف بسقوط مؤمن من جبل؟.. قطعا إن ما يصيب المؤمن، عند الله تعالى أعظم من سقوط الورقة، فلا يُبتلى مؤمن إلا وهو يعلم تعالى.

بيان المقدمة الثانية: (وما كتبه الله لنا، فيه صلاحنا):
هل من شك أن الله تعالى الأرفق بعباده المؤمنين، والأرأف بهم من الآباء والأمهات؟.. إذن، إنه عندما يبتلي عبده المؤمن ببلاء، إنما يبتليه به لما فيه الصلاح له.. فهنالك كنوز لا توجد إلا في البلاء، وإن الرب لشدة رأفته وحنانه يحب لعبده المؤمن هذه الكنوز، فيتحفه ببلاء تلو الآخر، ليبلغ ويحقق ما في هذه البلاءات من مزايا..

لو رأيت أما تدمي طفلها بوخزه بإبرة، ألا تقطع عقلا أن هذه الإبرة فيها فائدة له؟.. فإن الأم الحنون بطبعها لا تتحمل أن يصيب طفلها أقل الأذى، فكيف بالقيام هي بنفسها بهذا العمل المؤلم والمزعج، وهي التي تتألم لتألمه أشد الألم؟!..

ولذا فإن المؤمن في كل ما يجري عليه، يعتقد أن فيه صلاح له.. بل إن المؤمن يصل إلى درجة يتساوى عنده البلاء والرخاء، لاعتقاده أن كليهما لطف من الله تعالى.. وذلك هو تحقيق للغرض الإلهي من البلاء للمؤمن، حيث قال تعالى: {لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}..

نحن ندعي الإسلام والإيمان والعمل بالقرآن، ولكن كم من إنسان على وجه الأرض وصل إلى ملكوت هذه الآية؟.. مثلا: أهناك مؤمن لو أنه يوما كسب ألف دينار، لا يفرح؟.. ولو يوما آخر خسر ألف دينار، لا يحزن؟.. فلا فرق يجده في نفسه بين الألف الذي كسبها، والألف الذي خسرها.. هل هناك مؤمن يدعي أنه وصل لهذه الدرجة؟..

إن البعض يقول: دعنا عن هذه الأمور!.. هذه لرجال الحوزات، ولها رجالها في الأزمنة القديمة، ونحن الآن في عصر الذرة والفضاء.. أين يمكن العمل بهذه الأمور، في عصر العولمة، وانتشار الفساد العالمي؟!..

ولكن ماذا نعمل إذا كان القرآن يطلب منا ذلك؟.. وهذه ليست من صفات الأنبياء، ولا من صفات الأوصياء، إنها من صفات المؤمنين، ورب العالمين يطلب منا أن نصل إليها.

ولا يخفى أن هذه المقامات لا تنال بليلة أو ليلتين، إنما هي نتيجة لمراحل.. ونحن عندما نقول عليكم بهذه النتيجة، يعني عليكم بالمراحل التي قبلها، من المراقبة، والمحاسبة… وكل هذه الوصايا الأربعون، حتى نصل لهذه النتيجة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى