الوصايا الأربعون

التثاقل من الخلق

أولا: من المناسب أن نذكر هذه الملاحظة:

إن البعض يستشكل على بعض المصطلحات، مثل: السير إلى الله، أو العارف، أو العرفان، وما شابه ذلك.. والحال أنها ليست مأخوذة إلا من الكتاب والسنة.. نحن عندما نقول بهذا المصطلح: (السائر إلى الله)، ما جئنا بمصطلح لا جذور له من الكتاب والسنة، بل هو المعنى الذي نفهمه من قوله تعالى: {فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا}، فاتخاذ السبيل، هو السير إلى الله.. وهناك الكثير من الآيات التي تطرح هذا المعنى، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ}، {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}..

ثم إن دأب العلماء والمحققين، على عدم الدقة في المصطلحات، فهناك سعة في هذا المجال، ولا مشاحة في الاصطلاح، كما يقولون.

إن هناك فرقا بين إنسان له حركة رتيبة في الحياة وفق منهج، وبين إنسان آخر مبعثر، يطيع يوما ويعصي يوما.. كالفرق بين الرياضي في النادي، والرياضي في المنزل.. فالذي يمارس الرياضة في المنزل، لا هدف له أن يصبح رياضيا بارعا، وقد يتدرب يوما، ويترك يوما.. بخلاف الذي يروض عضلاته، ليكون بطلا عالميا، فهذا له خطة وبرنامج مستمر يسير عليه..

كذلك الأمر في عالم الأرواح، فالبعض يروض نفسه ترويضا مبعثرا متقطعا، فتراه يمارس العبادة في المواسم العبادية، ثم يرجع إلى ما كان عليه؛ ويصوم شهر رمضان، ثم يهمل نفسه إلى موسم الحج؛ ويذهب إلى الحج، ثم يهمل نفسه إلى موسم آخر.. فمن الطبيعي أن مثل هذا الإنسان، لا يصل إلى مرحلة تكاملية!..

وأؤكد أن الكلام في كل هذه الحلقات، هو لمن اتخذ إلى ربه سبيلا!..

س1/ إن هناك ظاهرة متفشية عند السالكين، وهي حالة التثاقل من الخلق.. ما هو منشأ هذه الحالة؟.. وهل هي حالة ملازمة للأنس بالله تعالى؟..

إن السائر في طريقه إلى الله تعالى، لابد أن يبتلى بعوارض، ومنها حالة الاستثقال من الخلق، وهي من الحالات التي تلازم تقريبا-إن لم نبالغ- كل سائر إلى الله تعالى.. إن الإنسان الذي يتسلق الجبل، قد يسقط في حفرة، ويجرح بحجرة مسنونة.. فهذه من لوازم الصعود للجبال وللقمم، فالذي لا يحاول الصعود، لا يتعرض للسقوط والأذى..

ومن لوازم الحركة الأنفسية-التي هي مقابل الحركة الآفاقية- هو هذه الحالة السلبية.. ومنشؤها: التعرف على جمال ولذائذ عالم الغيب.. ونعني بالغيب جميع صوره، الذي يعم جلال الله تعالى ونبيه (ص) وأوصياء نبيه (ع).

فإن النبي (ص) له جمال، مقتبس من جمال الله تعالى.. فلو أن إنسانا ذهب للمدينة، وجلس في الروضة، وأنس بجمال الرسول الباطني، وتجلى في قلبه جمال الحضرة المحمدية، فإن هذا الإنسان-وهو يعيش هذه الحالة- قد لا يمكنه العودة إلى مسكنه في تلك الساعة!..

والبعض لما يذهب لزيارة الحسين (ع)، ويرجع من السفر، تراه يعيش حالة من الشرود الذهني والسرحان، ويحن إلى ما كان فيه، لأنه كان متلذذا بأمور غيبية!..

فهذه حال من تذوق أو رأى شيئا، من جمال النبي (ص) وأوصيائه (ع).. فكيف بمن أنس بالجلال والجمال الإلهي، الذي هو على رأس كل غيب؟!..

ومن الطبيعي أن الذي يتلذذ بالألذ، يغفل عن اللذيذ-الأقل لذة- فضلا عن الذي لا لذة فيه!.. ولهذا نلاحظ في عالم الزواج المتعدد، أنه لا يخلو من مشاكل، لأن هنالك نوع من أنواع التشاغل، مما يجعله يميل لواحدة دون الأخرى.. ولهذا الآية أصرت على مسألة العدالة، بينما الميل القلبي هذا أمر لا يمكن!..

إن الإنسان الذي ينشغل، أو يأنس بعالم الغيب، عندما يعود إلى عالم الخلق، يرى الخلق على قسمين:

قسم لا يمكنه الأنس معهم أبدا، كالغافلين والفاسقين والمنحرفين.. وقسم يأنس معهم، ولكن هذا الأنس لا يقاس بأنسه بالله تعالى!..

مثلا: إنسان مؤمن كان في صلاة خاشعة، وأنس برب العالمين، ثم بعد ذلك أراد أن يأنس بمؤمن بجانبه-ومن المعلوم-كما في مضمون رواية- أن المؤمن لا يأنس إلا بالله تعالى، أو بمؤمن مثله- ولكنه لا يمكنه!..

إن هذه طبيعة الإنسان، الانشغال بما هو ألذ، وخاصة عندما تفتح له بعض الآفاق التلذذية الجميلة، فلا يمكنه تحمل الخلق!..

وهنا لابد من الالتفات، أنه إذا كان هذا التثاقل، من موجبات التقصير في الحقوق؛ فمن الممكن أن يوقعه ذلك في المزالق الخطيرة!.. وإلا لماذا هناك انتكاسات؟.. لماذا البعض يبدأ بداية طيبة، ثم يسقط؟.. لماذا الواصلون هم الأقل عددا؟.. المشتاقون لهذه العوالم-هذه الأيام- كثيرة، ولكن أين الأشجار المثمرة؟.. الشجرات الصغيرة كثيرة، والأشجار المورقة أيضا كثيرة، ولكن الأشجار التي تحمل الثمار قليلة جدا، بسبب هذه الآفات!..

والحل في هذا المجال: أن ينظر الإنسان المؤمن إلى المخلوقين بعين إلهية.. وبعبارة أخرى، أن يكون الحب طوليا لا عرضيا.. والحب الطولي هو الحب الذي لا ينافس الحب الآخر، إنما يستخلص منه، ويترتب عليه.. إن رب العالمين أمرنا بحب المؤمنين، فنحن عندما نحب مؤمنا أو نحب رحما، فإننا نحبه لمحبتنا لله تعالى.. ولهذا المؤمن-كما في مناجاة الإمام السجاد (ع)- يدعو بهذا الدعاء: (اللهم!.. ارزقني حبك، وحب من يحبك، وحب كل عمل يوصلني إلى قربك).. إذن، إن القرب والمحبة الإلهية، هما المحوران الأساسيان في هذا المجال.

س2/ ما هي موجبات تعميق الحب الإلهي؟.. وكيف يمكن للإنسان المؤمن أن يجمع بين الحب الإلهي، والحب الفطري للزوجة والأولاد؟..

إن تحقيق الحب الإلهي في النفس، ليس بالأمر الهين!.. فالأمر يحتاج إلى قابلية ولياقة ومسانخة!.. وإجمالا، هذا الأمر العظيم، له منشآن محددان وواضحان، هما:

الأول: العمل بما أراده الرب تعالى: أمرا، ونهيا.. والثاني: ذكره ذكرا مستوعبا لحركة الحياة..

فالذي يطيع ولا يعصي، ويكثر من ذكره في آناء ليله ونهاره، يجره ذلك للحب الإلهي.. والذي لا يطيع ويعصي، لا شك أن هذا بعيد كل البعد.. والذي يطيع ولا يعصي، ولكن لا يذكر ربه كثيرا، كما أمر تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، فهذا أيضا قد لا يصل لهذه المرحلة.. فلابد من الطاعة، والذكر.

إن مهارة السائر إلى الله تعالى، تتجلى في قدرته على الجمع بين الحب الإلهي، والحب الفطري للزوجة والأولاد!.. فهنا العميلة البطولية التي يقوم بها، بأن يضفي على هذا الحب الفطري حبا إلهيا!.. لا بمعنى أن يستخرج هذا الحب الفطري مطلقا من قلبه، ويستعيض عنه بجعل الحب الإلهي.. لا، ليس بهذا المعنى، بل إن المؤمن يعيش على سجيته، وعلى فطرته، ولكن يجعل هذا الحب الفطري إلهيا، ومصطبغا بدواعٍ إلهية..

فمثلا: إن الأب المؤمن عندما يقبل ابنه، فبالإضافة إلى الداعي الفطري-داعي الأبوة- أيضا هو ينظر إلى مرضاة الله تعالى، وحبه تعالى لهذه الحركة الفطرية، والذي يفهمه مما ورد في روايات أهل البيت (ع)، بأن تقبيل الولد يوجب الدرجات عند الله تعالى..

وكذلك بالنسبة للزوجة، فهو يتعامل معها باللطف والرحمة، ويحبها، لأن الله تعالى، هو الذي جعل في قلبه هذه المودة، فهو القائل تعالى: {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}، وأراد هذه المودة، ومرضية عنده تعالى..

والدليل على ذلك: أن هذه المرأة -مهما كان يحبها حبا جما- لو خرجت عن جادة الشريعة، ردة أو فسوقا، فإن الرجل المؤمن-العبد الإلهي- بمجرد أنها تكفر وتخرج عن الدين، لا فقط تنتهي علاقته بها، وتزول حالة المودة والرحمة، بل إنها تتحول إلى أبغض موجودة على وجه الأرض، لأنها كفرت بربها.

وهكذا المؤمن في كل تعاملاته مع الناس، سواء مع أرحامه، أو غيرهم من المؤمنين، دائما عينه على رضا المولى تعالى، بالإضافة إلى الدواعي الفطرية.. وهذا معنى قولنا أن يجعل حبه وتعامله مع من حوله، في طول حب الله تعالى ومرضاته، لا في عرضه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى