الوصايا الأربعون

حالات التذبذب

س1/ هل يمكن أن يصل الإنسان إلى درجة أنه لا يعيش حالة التذبذب، في علاقته مع رب العالمين؟..

إن من أصعب المراحل أن يصل الإنسان إلى درجة أنه يعيش حالة متساوية مع رب العالمين، بحيث تكون ساعاته من الليل والنهار وردا واحدا، وحاله في خدمة المولى سرمدا، كما في دعاء كميل.

ولهذا نحن نعتقد أن صيغ الاستغفار المنقولة عن المعصومين (ع)، مرتبطة بهذه الحالة التذبذبية، وإلا فالمعصوم لا يعقل في حقه المعصية.. فالنبي (ص) كان يقول: (لي مع الله حالات)، وأمير المؤمنين (ع) له غشوات في جوف الليل، وسيدتنا فاطمة (ع) كانت لها وقفات في محراب العبادة ليالي الجمعة.. فإذا كان كبار البشر-النبي وآله (ص)- يعيشون هذه الحالة التذبذبية، وعندهم حالات مختلفة، فكيف بنا نحن؟!..

إلا أن المعصوم اختلاف الحال عنده، من الأعلى للعالي.. بينما نحن من العالي للسافل، أو قد يكون من السافل للأسفل.

فإذن، إن حالة الثبات من الصعب أن نحصل عليها.. وهناك اصطلاحان مرتبطان بهذا الأمر، هما: الحال: وهي الحالات التذبذبية.. والمقام: وهي الحالات الثابتة..

ولكن كيف نجعل لأنفسنا حدا أدنى للتسافل أو التنزل، وهو عدم الغفلة الشديدة؟.. مثلا: إن المؤمن لو تكلم كلاما لا يعنيه، فهو قد تنزل.. أما عندما يصل إلى مستوى أنه يلازم القهقهة، أو الأكل بنهم وشهوة، أو التوغل في الشهوات المختلفة؛ فإنه قد جاوز الحد في التنزل، وهنا نذير خطر!..

للتقريب نذكر هذا المثال:

هناك نوع من الطيور تهبط من الجو، وتغوص في البحر، لتلتقط الأسماك، وفي الأثناء قد تكون صيدا للأسماك المفترسة.. إن هذه الطيور كانت قبل أن تهبط، تحلق في أعالي الجو في أمان، ولكنها لما تنزلت إلى درجة الغوص كان مصيرها الهلاك!.. وكذلك المؤمن، فعليه أن يحاول قدر الإمكان أن يرفرف في أجواء عليا.. لأنه بمجرد أن يتنزل إلى بحر الدنيا إلى درجة التوغل، فإن مصيره الهلاك، في بطون الشياطين المفترسة!.

وكما قلنا من الصعب أو شبه المستحيل، أن يصل الإنسان إلى حالة لا يكون فيها تذبذب، ولكن ليحاول أن يجعل له حدا أدنى، بأن يكون التذبذب تذبذبا بسيطا، لا تذبذبا بمدى شاسع كبير جدا.. ونعتقد أن الصلاة الموزعة في أوقاتها الثلاثة، تعيد التوازن.. فالإنسان يتسافل عصرا، فصلاة المغرب ترفع من مستواه؛ ويتسافل ليلا، فصلاة الفجر ترفع من مستواه؛ ويتسافل نهارا، فصلاة الظهرين ترفع من مستواه.. فالذي يحافظ على صلاته اليومية في أول الوقت، فمن الممكن أن يقلص هذه الحالة التذبذبية إن شاء الله تعالى.

س2/ إن من الأمور الضرورية التي يؤكد عليها، تحقيق حالة المعية الإلهية.. فما هو المقصود من المعية الإلهية؟..

المعية لغة: أي المصاحبة.. إن المعية من جهة الله تعالى للعبد مؤكدة، كما نفهم من قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ}.. فهو معنا تكوينا وإشرافا ورعاية، والمطلوب أن نبادله هذه المعية.

إن البعض يرى أن المعية الإلهية من جهة العبد لربه، هي أمر تكاملي استحبابي تشرفي تفضلي.. والحال بأن هذا مقتضى الأدب!.. وإلا كيف يعقل أن رب العالمين يلتفت إلى العبد، والعبد لا يلتفت إليه!.. فهو تعالى معه، وهو لا يلتفت إلى هذه المعية!..

ولهذا فإن بعض الأولياء والصالحين-وهم النادرون في كل العصور- يصل إلى درجة من الشفافية الروحية، أنه عندما ينام يستحي من ربه، مع أنه بحاجة إلى النوم، وينام متوضأ متطهرا؛ لأنه يتذكر أن الرب لا تأخذه سنة ولا نوم، وهو ينام عنه.. ولهذا فإن المؤمن المثالي يحاول أن يقلص من ساعات النوم، إلى أقل حد ممكن؛ لأن النوم انقطاع عن الله تعالى، ورب العالمين عينه لا تنام وهو ينام.. وعندما يستيقظ من النوم، فإنه يقوم ببعض الأدعية، فمثلا يقول: (الحمد لله الذي رد علي روحي لأحمده وأعبده)، وكأنه يريد أن يعتذر عمليا مع رب العالمين، عن انشغاله عنه في هذه الفترة.

وإن تحصيل المعية يكون من خلال المراقبة المستمرة، بنوعيها: مراقبة نفسه: أي في سلوكه.. ومراقبة ربه: بمعنى أن يستشعر نظرة الله تعالى إليه، ويعيش المحضرية الإلهية.

ولهذا فإن الذي تشتد عنده حالة المعية الإلهية، فإنه لا يمكنه أن يعصي.. كنزع الثياب، فهو أمر ممكن، وطبيعي للإنسان في حياته اليومية.. ولكن الإنسان وهو في السوق يستحيل أن ينزع ثيابه؛ لأنه يعيش معية الخلق، وملتفت أن الناس ينظرون إليه، ويلتفتون إليه..

إن الإنسان المؤمن قد يصل في استشعاره للمعية الإلهية هكذا، أنه يستحيل أن يعصي الله تعالى.. ومن المعلوم أن التقوى لباس المؤمن، بصريح الآية الكريمة: {وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ}.. وعلى ذلك، فإن المعصية من مصاديق التخلي والتعري عن اللباس، والقرآن يشير إلى هذه الحقيقة، في قصة أبينا آدم (ع)، في قوله تعالى: {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ}.

فعليه، إن هذه المعية الإلهية ليست قضية نفسية فحسب، وإنما هي مسألة دخيلة في حياتنا اليومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى