الوصايا الأربعون

المزاجية في التعامل

س1/ إن الإنسان المؤمن في حياته كثيرا ما يواجه الكثير من الأعمال التقربية، وتحصل له حالة من المزاحمة، فيتحير أي الأعمال أفضل قربة لله تعالى.. فكيف يرتب المؤمن سلم الأولويات، بين أفراد العبادات المختلفة؟..

إن الإنسان المؤمن في الآن الواحد، من الممكن أن يقوم بنشاطات مختلفة: عبادية، أو اجتماعية، أو غيرها.. وإن الذي هو في طريق التكامل، وعينه على رضا المولى تعالى، ويريد أن يكون عبدا ذكورا شكورا، لا شك أنه يقع في التحير، ولا يدري يختار أي هذه الأفراد.. فهو الآن مثلا له مزاج لقراءة القرآن، وله مزاج للدعاء، وله مزاج للصلاة، وله مزاج لزيارة أخ مؤمن… فشهيته مفتوحة على كل سبل الطاعة، ومتحير يقدم على أي منها!..

ويمكن حصر هذا التزاحم في ثلاثة احتمالات:

إن التزاحم تارة يكون بين واجب وواجب، وتارة بين واجب ومستحب، وثالثة بين مستحب ومستحب.

فأما إذا كان التزاحم بين واجب وواجب، فهذا له حله الفقهي.. كما يقال: لو دار الأمر بين إنقاذ الغريق وبين الصلاة في أول الوقت، فإن الراجح هو إنقاذ النفس.

وأما إذا كان التزاحم بين واجب ومستحب، فالقضية محلولة، بأن يقدم الواجب، لأن المستحب لا يزاحم الواجب.

فيتعين الاحتمال الثالث، وهو المزاحمة بين أفراد المستحبات، فهنا مورد تحير المؤمن.

فمثلا: إنسان مشغول بمناجاة مع رب العالمين، وإذا بأخ مؤمن يزوره، فيتحير ماذا يعمل: أيستقبل هذا المؤمن ويقطع مناجاته- وقد لا يكون هناك أمرا مهما، بل فقط مجرد استرسال في الحديث- أو يستمر ويكمل المناجاة؟..

ومن الأمور المعينة لقطع التحير في مثل هذه الحالات:
الإلمام بمذاق الشريعة:
إن مما يعين في مثل هذه الحالات، أن يعلم المؤمن مراد الشارع المقدس، في كل حركاته وسكناته.. وهذه درجة راقية، ويمكن الوصول إلى هذه الدرجة، من خلال المطالعة الكثيرة للروايات والنصوص وسيرة المعصومين (ع)، لمعرفة كيف كانوا يتعاملون في شتى المواقف.. فمثلا: لو أن إنسانا كان في حال عبادة، ودعاه مؤمن لقضاء حاجته، فما هو الموقف المطلوب شرعا هنا؟..
لما نراجع نصوص وروايات أهل البيت (ع)، نجد أنه ورد نصا: أن رجلا كان في حال الطواف، وناداه أحدهم يطلب مساعدة، ولكن الرجل استمر في طوافه؛ فأفهمه المعصوم، أنه الأفضل له أن يجيب أخاه.
أيضا ورد في نص آخر: أنه إذا كان المؤمن صائما، ودعاه أخاه المؤمن إلى طعام، فالأفضل أن يجيب الدعوة ويفطر؛ مع أن الصوم له ما له من الأجر العظيم.
فنفهم من مجموع النصوص: أن تقديم رغبة الغير على رغبة الإنسان، هو الأفضل.
ولا يخفى أن الإنسان-في بعض الأوقات- يكون انشغاله بالعبادة، لا من باب أنه الأرضى لله تعالى، بل لأنه الأوفق للمزاج!.. فهو يحب أن يتلذذ بالعبادة، وكان تلك اللحظة مستمتعا ومأنوسا بدعاء كميل، إذ جاءه مؤمن- وقد يكون ثقيلا على قلبه- فيفضل أن يقدم ما هو موافق لمزاجه!.. ولكن لو حكم الرضا الإلهي، فالأفضل أن يقدم استقبال المؤمن، ولو كان ثقيلا على قلبه: (أفضل الأعمال أحمزها)، أي أشقها على النفس.

فعليه، إن الإلمام بمذاق الشريعة أو النصوص الشرعية، لهو خير معين وضمان للسير في الطريق الذي يرضي المولى تعالى.

الاستفهام الإلهي:
إن المؤمن يصل إلى درجة من تحقق حاله العبودية في نفسه، أنه يكون حريصا على رضا المولى تعالى، في كل حركاته وسكناته.. ويعيش حالة الاستفهام الإلهي، قبل أي عمل يقدم عليه، فيقول: يا رب!.. أنا عبدك، والعبد مطيع لمولاه، أرجو رضاك، فأرشدني إلى ما فيه رضاك!.
ومع الصدق يحصل المراد، كما ورد: (استفهم الله يفهمك).. ويأتيه الجواب إما بالإلقاء في الروع، بأن تنعقد نية ما في قلبه.. أو بالتسديد الغيبي، بأن يضعه الله تعالى في الطريق الذي يريده منه.
ولكن لا يخفى أن هذه مرحلة راقية.. ولهذا لا ينبغي للمؤمن وهو في أول الطريق، التعويل على هذه الإلهامات، لأنها قد تكون شيطانية.. ويمكن الترجيح بأن الإلهام رحماني، إذا وقع الإلهام في روعه أثناء قيامه بعمل صالح، وأيضا قد يكون له مفتاحا.. فمثلا: هو كان مشغولا بدعاء كميل، وجاءه مؤمن، ووقع في روعه أن إجابة المؤمن أفضل، فيقضي حاجته، فتنكشف له الأبواب.. ولكن بعد فترة من صفاء الباطن، يصل العبد إلى مرحلة يقطع أن ما يلقى في روعه، إلهام رحماني.

مراقبة رَوح الأعمال:

يتفق أن الإنسان بعد بعض الأعمال الصالحة، أنه يعيش حالة من النشوة والارتياح الباطني، وكأن هبة من هبات النسيم الإلهي، هبت على قلبه؛ فالمؤمن بإمكانه أن يرصد مثل هذه الهبات.. فمثلا: لو رأى أنه كلما زار رحمه الفلاني، توفق لصلاة ليل متميزة وخشوع أكثر؛ فإنه يعلم من خلال ذلك، أن هناك نوع من أنواع المباركة الإلهية في هذا العمل بالذات.

س2/ من الطموح الذي يرجو أن يصل إليه السالك، أن يحقق الحسنيين: الفعلي والفاعلي.. ما هو الفرق بين الحسن الفعلي، والحسن الفاعلي؟..

الحسن الفعلي: أي الأفعال الحسنة.. والحسن الفاعلي: أي الذات الحسنة.
فالحسن الفعلي: يتمثل بظاهر الإنسان، أي يتعلق بالجوارح؛ لأن الأفعال تصدر من الجوارح.
والحسن الفاعلي: يتمثل بباطن الإنسان، أي يتعلق بالذوات؛ لأن الذات هي الفاعل، صاحب الفعل.
إن البعض ظاهره حسن، يكثر من الأفعال الحسنة ومن العبادات، ولكنه يهمل باطنه، فلا يلتفت إلى ما فيه من آفات وخبائث باطنية، فقد يعيش خمسين سنة وهو يعبد الله تعالى، ولكنه لا زال متكبرا، حسودا، حقودا..

فعليه، إن المؤمن لابد أن يعيش الحسنيين، في آن واحد، فيحسن جوارحه بالحسن الفعلي، ويحسن باطنه بالحسن الفاعلي.. وبعبارة واحدة: أن يصل إلى القلب السليم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى