الوصايا الأربعون

الكدح والمجاهدة

س1/ إن من القواعد المهمة في السير إلى الله تعالى الكدح، والمجاهدة في مخالفة الهوى.. ولكن ألا يخشى من ذلك، نفور النفس وتراجعها عن هذا الطريق؟..

لا شك أن الهدف الذي يرجوه السالك في هذا الطريق، هدف راق ومقدس.. ومن المعلوم أن طبيعة الإنسان، أنه يتحفز بمقدار علو ما يهدف إليه.. فمثلا: إن الإنسان الذي همه في هذه الدنيا أن يعيش حالة الكفاف، فإن سعيه الاقتصادي سيكون بمقدار هذه الهمة.. بينما الذي يحب أن يكون من أثرى أثرياء البلد، لا خلاف في أنه لابد أن يبذل جهده، في السعي بشكل مضاعف..

إن بعض الناس سقف همته أن يكون مطيعا، وأن يحقق العدالة الفقهية، فلا يرتكب المعاصي، ويعمل الواجبات..

ولكن البعض له طموح أرقى، فهو يريد أن يصل إلى مرحلة عليا من التميز في طريق العبودية.. وهذا هو مراد الشريعة من الجميع.. فلو تأملنا في القرآن الكريم، نجد كم من الآيات التي تحث على رفع الهمة، في سلوكنا وعلاقتنا مع الرب تعالى، مثل قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، و{اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}.. وأمير المؤمنين (ع) في المناجاة الشعبانية لا يطلب الانقطاع، وإنما يطلب كمال الانقطاع.. والانقطاع أو كمال الانقطاع، بمعنى أن يكون الإنسان دائما عينه على رضا المولى تعالى، ولا ينظر إلى شيء سواه.

فعليه، إن من كانت هذه رغبته، فلابد أن تتناسب همته مع عظمة ما يريد الوصول إليه.. ومن الطبيعي أن هذا الطريق، يحتاج إلى كدح ومجاهدة.

ومن المعلوم أن الكدح والمجاهدة في الشريعة الخاتمة-الشريعة السمحة السهلة- مختلف عن المدارس الروحية المنحرفة، كمدارس الهند وبلاد الغرب.. فإن نظريتهم تقوم على أساس قهر البدن، لتقوية الروح.. وكأنهم يرون بأن البدن والروح ضرتان متعاكستان، وأن الذي يريد أن يرفع بمستوى الروح، لابد أن يتعب البدن ويرهقه.. فيمارسون بعض الصور الشاقة، مثل: الوقوف في الشمس، والنوم على المسامير، وما شابه.

ولكن الشريعة الإسلامية إنما جاءت لتعطي كلا من العالَمين-البدن والروح- حقه، قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}.. فإن النظرية الإسلامية تقوم على أساس جعل حالة من حالات الحكومة والإمارة في الوجود، فالبدن هو الرعية، ولا داعي لقهر الرعية أو تعذيبها، إنما المطلوب أن تتقيد الرعية، وتمتثل لأوامر الراعي أو الحاكم، وهو الجهاز العاقل والشاعر في الوجود، سمه العقل أو القلب أو اللب..

بل إن هنالك حالة من حالات الانسجام والمصالحة، بين العقل-الذي قلنا بأنه بمثابة الحاكم- والبدن- الذي قلنا بأنه بمثابة الرعية- في إعطاء شيئا من الحق للبدن.. فالعقل مثلا يقول للبدن: أنا أسمح لك ببعض التلذذات، ولكن بقيد، كما وكيفا: فأما الكيف، فهو أن تكون اللذة راجحة ومباحة؛ وأما الكم، فهو أن تكون بقدر.

أضف إلى أن هذه الحاكمية للعقل على البدن، لها هادفية، بخلاف المدارس التعذيبية أو الرياضات المنحرفة، فليس هنالك من هدف معين من تعذيب البدن، غير سمو الروح، والاستفادة من قواها الخارقة دنيويا.. ولكن هذا ضمن أي شريعة؟.. وفي أي دين؟.. وما هي المراحل اللاحقة لهذا السمو؟.. وما هي نتيجة وأثر هذا السمو بعد الموت؟.. كل هذه الأمور لا تهتم لها هذه المدارس.

ولكن الإسلام يريد من الإنسان، أن يحقق أعلى درجة ممكنة، من التكامل والقرب من رب العالمين.. فإنه بمقدار انقياد البدن لأوامر الروح، التي تأخذها من الشريعة، يتقرب إلى الله تعالى.. ونتيجة هذا القرب، أنه يعيش في جنة القرب الإلهي في الدنيا قبل الآخرة..

إن الإنسان بطبيعته متلذذ، ويبحث عن اللذة، ويتشوق إلى اللذائذ.. والشريعة الإسلامية جاءت لتقترح عالما جديدا من اللذائذ الباطنية، وكما هو معلوم بأن لذة الباطن لا تقاس بلذة الظاهر..

ولتقريب الفكرة نذكر هذا المثال المتعارف في الحياة الزوجية:

يتفق أن الزوج يدخل المنزل، وفي يده باقة ريحان أو سلة فواكهه أو غيره لزوجته، ويعطيها إياها من دون أي كلام.. وقد يدخل المنزل ولا يقدم لها شيئا، ولكنه يعبر لها عن مشاعره، قائلا: أنا أحبك، وراض عنك!.. فأيهما ألذ عند الزوجة؟.. إن إحساس الزوجة برضا الزوج عنها، أمر معنوي.. ومع أنه ما أعطاها شيئا ماديا، ولكن هذا الإحساس أرقى بكثير من إعطائه لها سلة الفواكه والعطور وما شابه.

فإن أمنية الأماني، ولذة لا تقاس بها لذة في الوجود، أن يصل الإنسان إلى درجة الرضوان الإلهي!.. قال تعالى: {رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ}، وقال تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}.

فعليه، فإذا كان هذا هو الهدف، فإن الكدح سيكون سهلا!..

س2/ إن الكدح والمجاهدة قد يصاحبها شيء من المصاعب والمصائب.. فكيف يقوي الإنسان حالة المقاومة لديه؟..

يمكن ذلك بمجموعة أمور، منها:

الهدفية وتصور الجوائز العظمى:
إن الإنسان الذي يصعد الجبل، لا شك أنه يجد ما يجد من العناء والمصاعب، إلا أن تصوره للجائزة التي سيفوز بها لو وصل للقمة، يخفف عليه هذا العناء، بل يزيده همة ونشاطا.

تقوية النفس وتلقينها بأنها قوية:
إن الفراعنة والأكاسرة كانوا يستضعفون الناس، إلا أننا-مع الأسف- نستضعف أنفسنا، فنراها ضعيفة دون قوتها الحقيقية!.. فأحدنا لما ينظر لنفسه، يعاملها دون ما هي فيه وعليه.. والشاهد على ذلك: نحن طوال السنة نتكلم عن إحياء الليل، ونذكر بقوله تعالى: {كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ}، ولكن البعض يستغرب ويستعظم صدور هذا الفعل، ويقول: أيعقل أنه في زمان النبي (ص)، كان البعض يهجع من الليل قليلا؟!.. وكيف يكون ذلك، وهؤلاء بشر، ولابد لهم من النوم لساعات كافية؟!..

والحال أننا نلاحظ في شهر رمضان، وفي إحياء ليالي القدر بالخصوص، نلاحظ أنه حتى الطفل الصغير يطبق هذه الآية!.. وبعض الناس من الإفطار إلى السحر، وهم في حالة عبادة متواصلة، بين صلاة، ودعاء، وتلاوة للقرآن.. والبعض يحب أن يحيي العشرة الأخيرة، من شهر رمضان..
فلماذا الإنسان بعد شهر رمضان، يستكثر على نفسه لحظات من قيام الليل، وهو الذي كان قبل شهر أو أقل قد أحيا الليل؟!.. نحن نستضعف أنفسنا؛ والشيطان لعل له دورا في تثبيط الإنسان، وتلقينه بأنه دون المستوى المطلوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى