الوصايا الأربعون

عدم الإحساس بالتميز

بداية، أحب أن أؤكد أن هذه الدورة التي قد تكون في أربعين حلقة، بعدد الوصايا الأربعين، إنما هي حلقات من أجل التزود، والعمل على تغيير الذات والهوية الباطنية.. ولهذا فالذي يحب أن يتابع الحلقات، فرجاؤنا أن يكون الاستماع بهذه النية؛ وإلا فإن المشاهدة العابرة، قد لا تعطي الثمار المرجوة!..

س1/ إن السالك بعد فترة من سيره في عالم الرقي والتكامل، يجد نفسه متميزا عن الآخرين، وأفضل منهم.. فكيف يدفع هذا الإحساس بالتميز؟..

إن الإحساس بالتميز والأفضلية آفة متعارفة، في طريق أهل الكمال.. لأن الإنسان الناقص والعاصي، لا كمال له، فلا يخاف عليه من الإحساس بالتميز، لأن التميز منتف منه أساسا، بل إنه دائما يعيش حالة التواضع الباطني، وهذه حالة ايجابية في العصاة!..
إن الإنسان الذي له بعض التوفيقات العبادية، فقد يستشعر بعض أنواع التميز، أو ما يعبر عنه في النصوص، بالإحساس بالعجب.. وإن الإحساس بهذا التميز قاتل ومهلك!.. فالذي يعجب بنفسه، فإن هذا إنسان يهوي ويسقط من عين الله تعالى، لأن الله تعالى خلق الأنبياء والمرسلين والأوصياء، وله ما له من الموجودات المتميزة، فما قيمته وقيمة أمثاله في هذا الطريق!..

ولكن كيف يمكنه أن لا يستشعر هذه الأفضلية، وهو يرى نفسه أنه مطيع ومقبل على العبادة، ويرى غيره غافلا لاهيا عاصيا؟!.. فإن أرضية العجب موجودة، وإن هو أراد التكلف والتظاهر باحتقار نفسه، من باب التعبد؟!..

الجواب: لدفع هذا الشعور، لابد من الالتفات إلى أمرين مهمين:
الأمر الأول: الجهل بخواتيم الأمور:
إن الإنسان المؤمن كلما ترقى في الإيمان، ازداد وجلا وخوفا، ويرجو من الله تعالى حسن الخاتمة، فحتى لو أنه كان في الوقت الحاضر متميزا، لكنه لا يعلم ماذا يخبئ له المستقبل من مفاجآت الانتكاسات، فإن الشيطان بالمرصاد لبني آدم، ولا ييأس حتى آخر لحظة له في الدنيا.
فمن المعلوم أن الشيطان اللعين إذا كان مستوليا على الشجرة، ودار الأمر بين أن يقطف ثمارها غير الناضجة، أو ينتظرها حتى تنضج، فهو يفضل أن ينتظر حتى تنضج الثمرة، لحسده القديم لبني آدم، فهو يريد أن ينتقم منه شر انتقام..
فبعض الناس هكذا، فشجرة وجوده شجرة شيطانية، مع أن له ثمارا حسنة: عبادة، وتوجها، وعلما، وغيرها من الأعمال الحسنة.. فهو بما أنه في يد الشيطان، يصبح في قبضته، فيتركه يتكامل ويتكامل، حتى إذا وصل إلى مستوى من النضج الظاهري، يقتلعه اقتلاعا من جذوره، فينتكس وينقلب ظهرا على عقب!..

والقرآن الكريم ذكر لنا مثالا مخيفا، لرجل كان من الأولياء، وهو بلعم بن باعوراء، الذي وصل إلى مقامات عالية، وإذا به ينتكس إلى أسفل سافلين!..
والتاريخ أيضا يذكر لنا انتكاسة أصحاب الإمام موسى بن جعفر (ع)، وكيف أنهم كانوا وكلاء الإمام والمؤتمنين على أمواله، ولكن جرهم طمعهم في الأموال التي كانت بأيديهم إلى هذه العاقبة السيئة، فوقفوا على الإمام موسى بن جعفر (ع)، ولم يعترفوا بالإمام الرضا (ع).. ويا له من خسران مبين!.. إذ باعوا آخرتهم بأخس وأحقر ما في دنياهم!.

إن موضوع الانتكاسة موضوع مخيف، ومن المناسب مراجعة حياة الأنبياء والأئمة (ع)، للتعرف على المنتكسين في كل عصر وزمان، وأسباب انتكاساتهم.

الأمر الثاني: الجهل بالبواطن:
إن المتعارف بين الناس هو المقارنة الظاهرية بين فرد وآخر، وعلى أساس هذا المقارنة يقيمون الناس، حسنا وسوءا.. ومن الخطأ هذه المقارنة، بأن يجعل الإنسان المقارنة بين الجوارح والجوارح، حتى يقول صاحب الجارحة هذه، أفضل من صاحب الجارحة تلك!..
لأن الإنسان وإن كانت له معصية معينة، ظاهرة على إحدى جوارحه، فرأيتها أنت.. ولكن البواطن لا يعلمها إلا الله تعالى، فقد يكون صاحب ملكات راقية، يحبها الله تعالى ورسوله (ص)، فقد يكون كريم الطبع، عطوفا، يتأثر لآلام الآخرين، قد يكون إنسانا يحب الخير للغير..
فالظاهر وإن كان يعكس أفضليتك، لأنك إنسان صاحب طاعات ظاهرية، وذاك العاصي عنده معاص ظاهرية، ولكن من قال أن باطنك خير من باطنه؟.. وقد ورد: (إن الله تعالى قد يحب عبدا، ويبعض عمله).. أي أن الجارحة فيها هفوات، ولكن الذات ذات راقية ومهذبة.. ولطالما رأينا في التاريخ مصاديق لهذا المعنى.

فإذن، إننا إذا ضممنا هذين الأمرين، فإنه كاف لدفع العجب، والإحساس بالتميز في هذا المجال.

س2/ إن من الأمور المقلقة والشاغلة لبال الكثير من السائرين في طريق الله تعالى، مسألة سلب الهبات.. فكيف يمكن أن نقي أنفسنا من هذا الأمر؟..

إن معنى الهبة غير معنى التملك.. إذ يمكن لأي إنسان أن يتملك شيئا بالشراء مثلا، فيشتري بضاعة فتصبح ملكه، ولا يزاحمه فيها أحد.. ولكن الهبة هي ملك للغير، وأعطيت لإنسان آخر، ويمكن لصاحب الهبة أن يسترجعها منه.
ومن المعلوم أن الإنسان وجوده، وكل ما عنده من نعم مادية ومعنوية، إنما هي هبات له من رب العالمين، فهو المالك الحقيقي لكل شيء، ولا معنى أن يتملك الإنسان شيئا في مملكته تعالى.

إن الله تعالى إذا رأى عدم شكر الإنسان لهذه النعم والهبات، فإنه قد يسترجعها ويسلبها منه.. مثلا: إنسان يعطى حالة من الخشوع والقرب من الله تعالى في المسجد، ولما يرجع لمنزله يعيش حالة الاحتقار والتعالي على الزوجة والأولاد.. وهو لا يدري أنه بسلوكه هذا، قد بدل نعمة الله تعالى كفرا!..
أو إنسان يرزق الحج أو الزيارة لأحد المراقد المشرفة، فيتكئ على مخزونه في الزيارة، ويشعر بالأمان والقرب من رب العالمين، ويفرح بالثواب والمغفرة، فيخفف المراقبة، فيقع فيما يوجب له السلب!.. إن الإنسان وهو عاص قد يشعر بالخوف، ويراقب سلوكه، ولكن-مع الأسف- الملاحظ بعد مواسم الطاعة، العكس!.. فترى في موسم الحج أن الحجاج بعد الموسم مباشرة، لهم بعض الهفوات، لأنهم يعولون على ما كانوا عليه في الموسم.

فعليه، ينبغي أن نلتفت إلى أن هذه الهبات، أعطيت وتسلب، فكما أنها أعطيت بموجب، فإنها تسلب أيضا بموجب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى