الوصايا الأربعون

التدبير والتقدير

أولا أحب أن أذكر أن هذه الوصايا مترابطة ومتسلسلة، وإن من المناسب لمن أراد أن يأخذ فكرة كاملة وجامعة، بأن يستمع لها جميعا، لئلا ينسى جانبا على حساب جانب آخر.. وكما ذكرنا في الحلقات الماضية أن هذه الوصايا بمثابة الدستور أو القانون الأساسي، حتى يميز الحق من الباطل، والمدعي من الصادق.

س1/ ما هي موجبات وضوابط الإمداد الغيبي؟..

إن الإمدادات الغيبية اصطلاح متكرر وموجود، ولا شك أنه شيء مريح!.. ولكن ينبغي أن نتعامل مع هذا الأمر بحذر، لأنه قد يجر صاحبه إلى الوهم، بمعنى ينبغي ألا نخلط بين الوهم والحقيقة!.. لأن الإنسان الذي يتوقع المدد الغيبي، فإنه دائما يكون في حالة ترقب وانتظار لهذا المدد، ومن هنا فقد يفسر أي ظاهرة تفسيرا غيبيا، والواقع بأنه غير كذلك.. كالذي يدعي رؤية الهلال في أول شهر رمضان، فهو لا يكذب بل يتوهم، لأن رغبته في ظهور الهلال، تجعله يتصور أنه رآه.. فالأمر هكذا بالنسبة للبعض، فمثلا يتفق أن يرى في المنزل إضاءة آتية من الشارع، فيظن أن هذه الأنوار هي أنوار الملائكة.

ومن المعلوم أن أهم مدد غيبي هو في عالم الأنفس، لا في عالم الآفاق.. والدليل على ذلك أنه لو سئل العبد: أيهما أفضل عندك: أن نريك نورا حسيا، ورائحة من روائح الجنة، أو أن نربط على قلبك وفؤادك، ونعطيك بصيرة في الأمور، لتمشي في الناس بنور من الله تعالى؟.. فلا يشك عاقل أن الثاني هو الأولى.. فأفضل مدد غيبي للعبد هو التجليات الأنفسية، بأن يعرف سبيله في هذه الحياة.. إذ لا يخفى أن الإنسان كثيرا ما يقع في حالات تحير، في أخذ القرار المناسب، وخاصة في المواقف المصيرية، التي تترتب عليها تبعات كثيرة، فهنا محل حاجته للمدد الغيبي، بأن يعلم كيف يسلك الطريق الصحيح.

ثم إن هذا النوع من المدد-التجليات الأنفسية- له طريقه.. ففي روايات أهل البيت (ع) ورد أن المؤمن إذا التبست عليه الأمور، عليه أن يقوم بصلاة الاستخارة، ويدعو الله تعالى بانقطاع، بأن يسدده ويلهمه ويمده بهذا المدد، ويجعل في قلبه نورا وشرحا، لما هو أفضل له.. بينما لم نر عملا أو دعاء، من أجل أن يشم الإنسان رائحة طيبة من روائح الجنة.

أضف إلى محدودية المدد في حياة الفرد.. وإلا أصبح الناس كلهم يدعون الكرامات وغيره.. ولكنه في حياة الأمة أجلى وأوضح، وخاصة في مواجهة الكفار والمنافقين وأعداء الدين، إذ أن رب العالمين ألزم نفسه بهذا الأمر، كما يقول تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}..

فالمؤمن قد لا يرى مددا غيبيا واضحا، في حياته اليومية.. ولكن مع مواجهة الأمة لقوى الكفر والانحراف، فإن رب العالمين كثيرا ما يسدد، كما في معركة بدر، حيث كان التسديد واضحا جدا.. وطول التاريخ في المفاصل التاريخية من حياة الأمة، كان الملاحظ تدخل رب العالمين..

وليس بالضرورة أن يكون التدخل على شكل ملائكة مسومة، ولكن بأشكال أخرى: كتصريف أمور، أو هلاك ظالم من الظالمين، أو ولادة مؤمن من المؤمنين.. ومن المعلوم أنه على رأس كل مئة سنة، يهيئ رب العالمين من يجدد الدين.. فالبعض عمل إحصائية على طول الزمان، فوجد أنه في كل قرن، يأتي من يجدد النشاط والحيوية في هذا الدين، فهذه صورة من صور الإمداد الغيبي.

س2/ إن البعض يعول على التوفيق الإلهي دون السعي البشري، فكيف نوفق بين الأمرين؟..

إن هناك فرقا بين التوكل والتواكل!.. فإن البعض متقاعس، ويهمل عالم الأسباب، ويكتفي بالدعاء على حساب السعي، بدعوى التوكل!.. وإن هذا من الأمور الباطلة جدا!.. فلا ينبغي للمؤمن أن يكون ساعيا من دون دعاء، فيكون كالماديين!.. فالماديون يبذلون قصارى جهودهم، ويرون بأن النجاح مرتبط بعالم الأسباب..

ولا أن يكون داعيا من دون سعي، فيكون متواكلا، ويدخل في دائرة الذين لا يستجاب لهم.. فقد ورد في الروايات ذكر لبعض الأصناف الذين يدعون ولا يستجاب لهم، ومنهم: رجل أعطى دين، ولم يكتب وثيقة بذلك، عملا بما قال الله تعالى: {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ}.. ورجل يدعو على زوجته؛ لأن أمر طلاقها والفكاك منها بيده، إن هو ضاق ذرعا من سوء خلقها، وسعى في إصلاحها وما نفع.. ورجل يطلب الرزق، وهو لا يسعى في طلبه.

قال الإمام الصادق (ع): (أربعة لا تستجاب لهم دعوة:
رجل جالس في بيته، يقول: اللهم ارزقني.. فيقال له: ألم آمرك بالطلب؟!..
ورجل كانت له امرأة، فدعا عليها.. فيقال له: ألم أجعل أمرها إليك؟!..
ورجل كان له مال فأفسده، فيقول: اللهم ارزقني.. فيقال له: ألم آمرك بالاقتصاد؟!.. ألم آمرك بالإصلاح؟!.. ثم تلا قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}.
ورجل كان له مال، أدانه بغير بينة.. فيقال له: ألم آمرك بالشهادة؟!.).

فعليه، لابد من الجمع بين السعي البشري، بأعلى صوره الممكنة، وبين الاعتماد على عالم المدد الغيبي.. وهذا هو ما نلحظه في حياة النبي (ص)، فقد كان في حروبه مع الكفار يتقن الأسباب المادية للنصر، فتارة نراه يحفر خندقا، وتارة يتبع أسلوب تقسيم الجيش إلى ميمنة وميسرة وقلب وهجوم؛ وبعد ذلك يدعو.. فمع أن دعاء النبي (ص) دعاء بليغا ومجابا، لكنه كان يجمع بين السعي والدعاء.

ثم إن رب العالمين ليس بناؤه على خرق القوانين، في كل صغيرة وكبيرة.. إن هذا الأمر كان لمثل حال إبراهيم (ع) مع النمرود، إذ جعل له تعالى النار بردا وسلاما.. ولموسى (ع) مع فرعون، إذ أوجد له تعالى في البحر طريقا يبسا.. وللنبي (ص) مع مشركي مكة، كما في معركة بدر وغيرها.. فلا ينبغي التعويل على الأسباب غير الطبيعية، لأن رب العالمين بناؤه على الأسباب، إذ جعل العالم عالم الأسباب، وجعل لكل شيء سببا، وهذا القانون العام لا يخرق إلا في موارد محدودة جدا، وليس الأمر متاحا لكل أحد في كل زمان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى