الوصايا الأربعون

وضوح الخطة

س1/ ما هو دور المعرفة النظرية في عالم الترقي والتكامل؟..

هنالك خلاف معروف في عالم الترقي والتكامل، في هذه المسألة: فالبعض يريد أن يعتمد على وارداته الذاتية، حيث يعتقد أنه من خلال التأمل في الصلاة، أو في العبادة، أو وهو مستلق، فما يأتيه من هواجس ولو توحيدية، فهي هواجس مقدسة، ويعول على هذه التوجيهات.

والبعض يتوغل في الجانب النظري، فيقرأ كتبا في هذا المجال، وكأن قضية الحب والعشق الإلهي، تأتي من خلال المطالعة فقط!.. فيقرأ ويقرأ، ولكن-كما يقال- كثرة الكتب لا تزيده إلا كثرة الحجب!.

والحل الأوسط هو الجمع بين العالمين: عالم التأملات الباطنية- أو كما تسمى الواردات، أو الهواجس، أو الإلهامات الغيبية- وبين المعرفة النظرية.

هناك قوم سلكوا في طريق القرب إلى الله تعالى، ولكن شدة انشغالهم بعوالم الربوبية، شغلتهم حتى عن التأليف.. لأن التأليف يحتاج إلى توجه والتفات للغير، أي إلى مجاهدة بأن يقطع أنسه برب العالمين.. مع أن التأليف أمر راجح، لأنه يكتب ويؤلف كتابا، لتحبيب الناس إلى الله تعالى.

ولكن ينبغي الحذر، فليس كل من يكتب يؤخذ بكتاباته!.. الصادقون منهم الذين كانوا على مستوى العطاء، والأخذ بأيدي التائهين إلى الله تعالى، هؤلاء-إنصافا- كتابتهم جيدة ونافعة، وفيها تجارب مروا بها وينقلونها.

ثم إن مسألة التكامل الإنساني فيها مراحل مشتركة، من زمان آدم أبو البشر (ع)، إلى يومنا هذا.. فكما أن هنالك أمراضا متعارفة في حياة البشر، أيضا هنالك عوارض روحية متعارفة، مثل مسألة الهواجس، والخواطر الشهوية والغضبية والوهمية، فهذه ملازمة للبشر من أول يوم.. فالإنسان من أول ما خلق مبتلى بالشهوة والغضب والوهم، ولهذا الملائكة: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء}.

وعليه، إن من الضروري مراجعة كتب القوم، ولكن بشرط أن يكون الكاتب والمؤلف في هذا المجال له خاصيتان-وأؤكد على هاتين الخاصيتين-:

الخاصية الأولى: أن يكون هو من الصادقين في حركتهم.. لأن بعض الناس يتقمص الأمر تقمصا، ويمثل تمثيلا.. فهؤلاء لاشك غير البعض الذي-كما يقال- اكتوى بنار الحب الإلهية.. وفي دعاء كميل إشارة إلى هذه الحقيقة، إذ يقول: (يا حبيب قلوب الصادقين!).. فإن رب العالمين لا يتحبب إلى كل أحد، إنما يتحبب إلى الصادقين في المحبة.

والخاصية الثانية: أن يكون الكتاب المؤلف، متشبعا بالكتاب والسنة، مما ورد عن النبي وآله (ص).

ومن المعلوم أن الآيات الأنفسية المتعلقة بالتكامل، أكثر من الآيات المتعلقة بالأحكام الشرعية، فالآيات المتعلقة بالأحكام هي تقريبا ما جاوز عددها خمسمئة آية، وإلا فالقرآن في غالبه إشارة إلى التوحيد، والتقرب والدعوة إلى الله تعالى.. قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، ما معنى ما استطعتم؟.. {اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}، ما معنى حق التقوى؟.. ما معنى {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ}؟.. و ما معنى {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ}؟..

إن هذه آيات أساسية في موضوع التكامل الأخلاقي.. فالذي لا يعلم هذه الآيات، ومدلولاتها وعمقها، ولم يطلع على المنهج النبوي والإمامي؛ أليس هو بعيدا كل البعد عن هذا العالم؟!.. إن أئمة أهل البيت (ع)، هم أدرى الناس بما في البيت.. فما قاله الإمام الصادق (ع) لا يعلى عليه، وعلى اختلاف الفرق، لا يشك في إلمامه بقضايا التوحيد والولاية.

س2/ ما المقصود بقطاع الطرق ومن هم؟..

إن قطاع الطرق هم ما ذكر في سورة الناس، قال تعالى: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ}.. ونحن عادة نظن بأن الموسوس هو إبليس وجنوده فقط، ولكن في سورة الناس إشارة إلى من هم على خط إبليس أيضا!..

ومن المعلوم أن إبليس لا يأتي بشكل مباشر، ففي عالم الشهوات هو لا يدعو المؤمن للزنا مثلا، بل يدعوه للنظر المحرم، فإذا نظر نظرا محرما تفاعل، وإذا تفاعل فإنه يريد الوصال بمن يهوى.

وفي عالم الانحراف الفكري والعقائدي، أيضا الشيطان له هذه الأساليب، ولكن من خلال البشر!.. فالشيطان تارة يوسوس للإنسان مباشرة، وتارة يوسوس إلى بعض البشر، ليكونوا له قادة، أو كما يعبر القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ}، فهؤلاء هم تلاميذ إبليس في الدرجة الأولى.

إن قطاع الطرق، هم الذين يستغلون براءة الذين لهم ميول روحية.. والملاحظ أنه مع تقدم المد الحضاري والرفاهية البشرية، أن رغبة الناس في المعنويات تزداد.. حتى في بلاد الغرب التي من المعلوم أنها في قمة الرفاهية والتمدن البشري، ولكن يقال أن المدارس الروحية، هي الأكثر انتشارا أو شيوعا فيها، هذه الأيام.. وعلى رأس هؤلاء المدارس، قوم لا خلاق لهم، ولا ارتباط لهم بالروح، وإنما هم مجموعة لهم دعاوى وأمور، ويستغلون حب الناس للروحانيات، لكسب المال.

فينبغي الالتفات والحذر من أمثال هؤلاء!.. فالمشكلة ليست في قطاع الطرق، فهؤلاء هم حصب جهنم، ولكن المشكلة في الضحايا!.. ونحن في أربعين حلقة-إن شاء الله تعالى- سنستذكر المعالم الأساسية، على وفق كتاب الله تعالى، وسنة نبيه (ص)، وأوصياء نبيه (ع).. وهذه القواعد إذا تعلمناها، نطبقها على حياتنا، فتكون بمثابة مسطرة أو قانون أساسي، لتمييز الغث من السمين، والجيد من الرديء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى