عبر من حياة الأنبياء

تأملات وعبر من حياة النبي موسى (ع)-ج2

{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}.. بلوغ الأشد أن يعمر الإنسان ما تشتد عند ذلك قواه، ويكون في الغالب في الثمان عشرة.. وفي هذا السن رغم أنه في عرف الناس، ليس بسن النضج، وكمال الفهم والروح.. ولكن الله عز وجل، إذا أراد أن يخص عبده بشيء، فمَن ذا الذي يردّ فضّله؟!..

في هذا الذيل من الآية الكريمة، هناك إشارة إلى معادلة مهمة، وهي أنه: أولاً: أن الحكم والعلم، أمرٌ إيتائي: {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}.. فلا بد من وجود سبب ما وراء عالم الأسباب، وهو رب العالمين الذي يفيض كل شيء.. ولكن هذا الفيض، وهذه الهبة الإلهية، تحتاج إلى أرضية قابلة {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}.

وعليه، فإن معنى ذلك أن موسى (ع) إنسان قابل لتلقي الحكم والعلم.. ولكن أين ثبت إحسان موسى (ع)؟.. فهل عاش في قصر فرعون شيئاً من المعاناة، كما عاش يوسف مثلاً؟.. من الممكن أن تكون معاناة موسى (ع) في قصر فرعون، تختلف عن معاناة يوسف (ع).. فتلك معاناة في عالم الشهوات {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ}.. ويُفهم من بعض الروايات، أن موسى لعله كان في صراع عقائدي مع فرعون في قصره، رغم أنه رُبّي في ذلك القصر، واتخذوه ولدا.. إلا أنه يقال بأنه كان يقف أمام فرعون، ويتكلم بما يناسب وحدانية الله سبحانه وتعالى.. فمن الممكن أن هذه الحركة الجهادية من موسى (ع) قد أوجبت له هذا القرب الإلهي.. ونحن نعلم أنه بهذا الحكم، وبهذا العلم بلغ موسى (ع) ما بلغ!..

{وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا}.. يبدو أن موسى (ع) دخل المدينة في ساعة لا يُتعارف فيها الحركة، -مثلا- حين يدخل الناس بيوتهم، فتتعطل الأسواق، وتخلو الشوارع والأزقة من المارة: كالظهيرة، وأواسط الليل.. فوجد نزاعاً بين رجلين: {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ}.. رجل إسرائيلي، وآخر قبطي.. فالإسرائيلي منتسبٌ إلى نبي الله يعقوب (ع) ذلك الانتساب الذي يوافق توجه موسى (ع).. والقبطي كان مدعوماً من قبل فرعون.. {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ}.. فعندما رأى النزاع، تدخل ونوى نصر ذلك الذي من شيعته، فدفعه بقبضة كفه، ولم يكن قاصداً قتله؛ لأن الآية لم تقل: فقتله، بل قالت: {فَقَضَى عَلَيْهِ}، أي كان القتل قتلاً خطأياً.

ومع ذلك {قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ}.. ما المراد من هذه العبارة: {هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ}؟.. رغم أننا نعتقد بأن موسى (ع) معصوم، ومن أولي العزم، ولعل هذه الحادثة وقعت بعد إيتاء الحكم والعلم؟!.. وفي تفسير هذه العبارة يقول البعض: {هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ}.. أي النزاع الذي وقع بين الإسرائيلي، وبين القبطي.. والبعض يقول: بأن موسى (ع) ينظر إلى النتيجة –أي هذا الذي وقع من القتل الخطأي– جعله مستنداً إلى الشيطان، وأن موسى (ع) تورط في ساعة دخول المدينة، فكان في تلك الساعة رجلان يقتتلان، وهذه الأجواء ساعدت بأن يقع موسى (ع) في هذا المأزق.. ومن هنا توسل بالله عز وجل؛ فالمؤمن لا يريد باختياره أن يورّط نفسه، فيما لا يحمد عقباه.. ولكن الظروف تسير بكيفية توقعه في مهلكة، وخاصة أن بعض صور المهلكات للمؤمن، تستند إلى فعل الغير، فهو لا ينوي شراً، ولكن يتفق أن موسى (ع) يدخل المدينة في ساعة غفلة من أهلها، وهناك رجلان يقتتلان: هذا من شيعته، وهذا من عدوه، فدفعه دفعاً -لم يقتله قتلاً- ولكنه سقط فمات.

إن موسى (ع) توجه إلى ربه، وناجاه، وقال: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ}.. وهنا عاهد موسى (ع) ربه، أن لا يكون عوناً لمجرم، سواء كان ذلك المتخاصم في هذه القضية الجزئية، أو كان فرعون بجبروته وطغيانه.

{فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ}.. فهو لا يعلم ماذا يعمل؛ لأنه يعلم بأن فرعون سيدافع عن القبطي.. فخرج وإذا به يتورط في قصة مشابهة أخرى.. {فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ}.. فبالأمس دخل في نزاع، وكان هذا النزاع سبباً لأن يقتل ذلك القبطي.. {فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ}.. إلى هنا لم يكن يُعلم مَن هو القاتل، ولكن عندما رأى ذلك الذي كان خصما للقبطي موسى، تذكر ما جرى سابقاً، ففضحه، وعرّف الناس، بأن هذا هو القاتل لذلك القبطي.. وهنا من الطبيعي أن يزداد خوف موسى (ع)، فبالأمس كان قاتلاً قتلاً خطأياً مستوراً، والآن أصبح مطالباً في بلاط فرعون.

ولكن الله عز وجل كان في عون موسى (ع) وسخر له من الأسباب.. {وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ}.. إن هذا الرجل جاء ليُعلم موسى (ع) نبأً مهماً، وهو أن قصة قتل القبطي قد انتشرت، واشتهرت، ووصلت لأجهزة الحكم.. ولذا فإن موسى (ع) {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين}.. وعليه، فإنه من الطبيعي أن يزداد انقطاع موسى (ع) في هذه الحالة إلى الله سبحانه وتعالى، وهو لا يدري إلى أين يسير؟.. وما هي الجهة التي يمكن أن تشكّل مأوى له؟..

وهنا دعا موسى (ع) بدعاء جميل –ويا ليتنا جميعاً ندعو بهذا الدعاء، في مفترقات الطرق في حياتنا وما أكثرها!..–: {قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ}.. أي أنا لا أعلم سبيلي أين؟.. ومصيري أين؟.. وتكليفي أين؟.. وفي أي بلد أهاجر؟.. وإلى أي جهة آوي؟.. ويبدو أنه كان لم يتزوج بعد –والرجل يحتاج إلى استقرار بزواجه– ففوّض أموره كلها إلى الله عز وجل؛ لأنه يعلم الجهة التي تناسب هذا العبد بالخصوص.

{وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ}.. امرأتان تدفعان الغنم –أي تمنعان لئلا يختلط غنمهما بغنم القوم {قَالَ مَا خَطْبُكُمَا}؟.. وهذه أول حركة إحسانية، وحركة إنسانية.. فما جعل نفسه معفياً عن شؤون الناس.. فهناك امرأتان وليس من شأن المرأة أن تزاحم الرجال، وترعى الغنم!..

ولكن موسى (ع) سأل عن أحوالهما: {قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء}.. وعليه، فإن على المرأة إذا اضطرت أن تقوم بمهام الرجال، فعليها أن تراعي القواعد الشرعية، من عدم إزالة الحُجُب والموانع بينها وبين الرجال.. صحيح أن أباهما نبي وهو شعيب (ع) وشيخ كبير، ومعذور عن السقي.. ولو كان شاباً لما طلب من بناته أن يذهبن لسقي الماء، ولكن للضرورة أحكامها!.. ومع ذلك لا بد من مراعاة القواعد الشرعية في هذا المجال ولعل كلام: {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} لدفع التهمة عن أنفسهما، وإلا فما الذي يجعل المرأة تخرج لتزاحم رعاة الغنم في سقي الماء، فالبنتان بادرتا لدفع هذا التوهم بالقول: أن الذي دعانا إلى ذلك كِبرُ سن أبينا.

{فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ}.. وهنا درسٌ بليغ، حيث أن المؤمن عندما يقوم بعمل صالح، يحرز به رضا ربه إلى درجة من الدرجات.. فمن المناسب أن يستغل ذلك الموقف، ويدعو ربه بعد تلك الحركة الإيجابية.. فإن أبواب السماء تفتح في مثل هذه الحالات –الأبواب تفتح في أزمنة معينة: كساعة الزوال، ويوم الجمعة.. وفي أمكنة معينة: حول البيت، وفي أرض عرفة.. وفي حالات كمثل هذه الحالة، وهي قضاء حاجة مؤمن، وعيادة مريض، وتشييع ميت مؤمن- فالمؤمن يستغل هذه الساعات في مناجاة ربه.

{فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}.. إن البعض يقول: بأن الدعاء في الظل، لأن الإنسان يحتاج إلى جو مريح، فلا بأس بأن يتخذ الإنسان لنفسه جواً مريحاً؛ لأن خلوة المكان، والظل في ذلك المكان، وبرودته.. فإن كل ذلك من موجبات الإقبال.. ومن هنا يرى البعض في سفر الحج –مثلاً- أنه لا مانع من الإراحة المعينة على الطاعة.

{فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا}.. انظروا إلى تصرّف رب العالمين في القلوب!.. فموسى (ع) يحتاج إلى مأوى، ويحتاج إلى سكن، ويحتاج إلى زوجة صالحة، ويحتاج إلى أنيس على مستوى النبوة.. وإذا برب العالمين في حركة واحدة، يحقق له كل هذه الآمال، فيتصرّف في قلب شعيب –رغم أن شعيب لم ير موسى إلى الآن– ولكن يبدو أنه أُعجب به من خلال وصف بناته له.. أضف إلى القنوات الغيبية الأخرى.. وإذا به بين عشية وضحاها، يتحول من إنسان لاجىء، إلى إنسان آمن.. ومن شاب أعزب، إلى شاب متزوج، ومصاهر لنبي من أنبياء الله.. ومن رجلٍ خائف يترقب، إلى من يأنس بنبي كبير، وشيخ كبير، وهو شعيب، بما له من التجارب في هذه الحياة.. فاستقر أمرُ موسى (ع) بعد أن قام بهذا العمل الصالح وبتلك الدعوة.

{قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}.. إذا أردنا أن نتخذ عاملاً، أو موظفاً، أو زيراً، أو حاكماً.. فلا بد من وجود خصلتين فيه: خصلة التخصص في عمله، والأمانة في أدائه.. فالذي يريد أن يسقي الغنم، أو أن يزرع، لا بد فيه من قوة بدنية؛ لينجز مهمته.. ولذا فقد قالت: {الْقَوِيُّ}.. ولابد من أن يكون أميناً في عمله فقالت: {الْأَمِينُ}.. وهذه القاعدة شرط أساسي في كل شؤون الحياة المشابهة.

إن طبيعة العامل، وصاحب العمل، والمؤجر، والمستأجر.. هي التعدي على حقوق مَن تحت أيديهم؛ ولهذا فإن شعيب يؤكد ويقول: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ}.. أي صحيح أنك أنت تخدمنا عشر حِجج أو ثماني حِجج –على أن هذا هو مهر البنت– ولكن مع ذلك نحن لسنا في مقام أن نشق عليك، وأن نكلفك ما فيه ظلم.

{سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ}.. أي ثق بأن المعاملة بيني وبينك معاملة مع الصالح.. وإذا كانت المعاملة، والمجاورة، والزيجة مع رجل صالح، أو مع امرأة صالحة، فلا خوف ولا حزن.

ثم بعبارة جميلة –ويا ليت هذه العبارة، تكتب في جميع عقود البيع والشراء والإجارة والمضاربة وغير ذلك!..– أن يقول الإنسان بعد إتمام المعاملة: {وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}.. فإن ذلك لا يحتاج إلى توثيق من الغير، ولا يحتاج إلى صكوك وضمانات في البنوك.. فلو حكمنا هذا المبدأ في أسواقنا وتعاملاتنا، لما بقي ظلم في حياتنا الاقتصادية وغير ذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى