عبر من حياة الأنبياء

تأملات وعبر من حياة يوسف (ع) – ج 5

{قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}.. إن يوسف (ع) يذكر في هذه الآية قوام النجاح الوظيفي، فإذا أردنا أن نختار موظفاً لأعمالنا، علينا أن نختار الحفيظ العليم، أي صاحب التخصص وصاحب الأمانة.. فإذا كان الطبيب أو المهندس جامعاً للصفتين: الخبرة في العمل، والأمانة في الأداء.. فهو الإنسان النموذجي، لأداء الأعمال الدنيوية.. {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ}.. أي وزير مالية، ووزير المالية – كما يقول يوسف عليه السلام- لا بد أن يكون حفيظاً وعليماً.

{قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ}.. بمجرد أن اعترفوا بالخطيئة نرى أن أجواء الرحمة تحفهم جميعاً.. وهذا هو أسلوب تعامل رب العالمين مع أوليائه.. ففي بطن الحوت قال يونس (ع): {وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ}.. وهنا كذلك نلاحظ المغفرة، فيلاحظ أنه في كل مراحل حياة إخوة يوسف، لم ينقطع ارتباطهم بالله عز وجل: فهم يقسمون بالله في بعض الأماكن، وفي سياق سورة يوسف، لم يُرى من كلمات أخوة يوسف، ما يدل على كفرهم.. ولهذا فإن الله عز وجل يغفر الذنوب جميعاً، إلا أن يُشرك به.. فما قاموا به ليس بالأمر الهين، وهو إلقاء صبي بريء في الجب، بنية القتل، وهو ابن نبي، وهو نبي في طريقه إلى الدعوة!.. ولكن الله عز وجل غفر لهم حيث {قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}.

وعليه، فإذا كان الله عز وجل يغفر هذا الذنب العظيم، بمجرد استغفارٍ واعترافٍ بالخطيئة!.. فكيف بباقي الذنوب التي هي دون هذا الذنب العظيم؟.. فهذا درسٌ لنا جميعاً أن لا نيأس من رحمة الله عز وجل.. فكما هو معلوم أن قوام التوبة أمران: الندم على ما مضى –أي الإعتراف بالخطيئة- والعزم على عدم العود.. فما أسهله من طريق!.. إن البعض يعقّد عملية التوبة، فيفوّت التوبة على النادمين.. بينما يجب أن نقول لهم: ما عليك إلا الندامة، والعزم على عدم العود، وإذا كانت هناك تبعات: دنيوية، أو عبادية قضائية، أو مالية، إلى آخره.. يجب القيام بها بالإضافة إلى التوبة.

{اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ}.. {اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي}.. إن هذا الكلام هو كلام سيدنا يوسف عليه السلام، وإنما خصّ قميصه بالذكر، لأن لهذا القميص خصوصية، وهي الملاصقة لبدن هذا النبي، الذي كان من المخلَصين.. أي أن الإنسان إذا دخل في دائرة الجذب الإلهي، أصبح من شؤون المولى.. وبتعبير العلماء: أصبحت له شرافة انتسابية مضاعفة إلى الله عز وجل.. فكل موجود منتسب إلى الله عز وجل انتساب الخالقية والمخلوقية، ولكن بعض الناس بالإضافة إلى صفة المخلوقية، فإن لهم صفة العابدية، والخضوع لله سبحانه وتعالى.. عندئذ تصبح شؤون هذا الإنسان من شؤون الله سبحانه وتعالى.. إن المهد الذي وضع فيه موسى (ع) من شؤون الله، {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ}.. وكذلك آثار النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فإن هذه الحجارة التي في جبال مكة، لها صفة المخلوقية، ولكن عندما نُحتت هذه الحجارة، وأصبحت عبارة عن لبنات لبناء الكعبة، أصبحت من شؤون الله عز وجل، وهكذا.

فإذن، إن المعصوم أو النبي صحيح أن روحه روحٌ مقدسة، ولكن هذا التقدس في الروح، يسري إلى الوجود المادي لذلك المعصوم.. فلا يمكن أن ندعي بأن قبر النبي كباقي القبور، وبأن جثمانه الشريف كباقي الأجسام التي تموت في هذه الدنيا.. فللأمور المادية المحيطة بذلك المعصوم انتسابٌ إلى الله عز وجل.. وهذا المعنى كان مرتكزاً حتى في أذهان المذاهب.. وقد جاء أبو حنيفة إلى الإمام الصادق (ع) ليسمع منه، وخرج الصادق يتوكأ على عصاً، فقال له أبو حنيفة: يا بن رسول الله!.. ما بلغتَ من السن ما تحتاج معه إلى العصا، قال: هو كذلك، ولكنها عصا رسول الله أردت التبرّك بها.. فوثب أبو حنيفة إليه وقال له: أُقبّلها يا بن رسول الله؟.. فحسر الصادق (ع) عن ذراعه وقال له: والله لقد علمتَ أنّ هذا بَشَرُ رسول الله (ص)، وأنّ هذا من شعره، فما قبّلته وتقبّل عصا!..

وبالتالي، فإن القرآن الكريم يعودنا من خلال آية: {اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا} على هذا النمط من التفكير.. أي أن الأمور المادية المنتسبة إلى الله سبحانه وتعالى ولأوليائه لها خواص.. وكذلك السامري الذي أخذ قبضة من أثر الرسول فعمل ما عمل.

يلاحظ من خلال الآية أن يعقوب عليه السلام، له ما له من الكرامة عند الله عز وجل {إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ}.. حيث أن الله سبحانه وتعالى عرفه بتعريف الغيب ذلك.

{فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا}.. بمجرد أن أُلقي ذلك القميص الذي يحمل هذه الخصوصية -أي الانتساب إلى هذا النبي العظيم- ارتد بصيراً مرةً أخرى.

{قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ}.. لقد عاودوا التوبة، هم تابوا ويوسف عليه الاسلام بشرهم بالتوبة، ومع ذلك أحبوا التوبة من لسان الغير.. وقد ورد في الحديث الشريف: (أوحى الله سبحانه وتعالى إلى موسى (ع): يا موسى!.. ادعني على لسانٍ لم تعصني به، فقال: أنّى لي بذلك؟.. فقال: ادعني على لسان غيرك).. فلا بأس أن يستغفر الإنسان وخاصةً من كبار الذنوب، ويطلب من ذوي الوجاهة عند الله عز وجل أن يستغفر له أيضاً.. ومن المناسب أيضاً أن نتوجه بهذه العبارة بعد المعاصي، إلى ذلك الذي هو أبو هذه الأمة –(أنا وعلي أبوا هذه الأمة)– فنستغفر ربنا، ثم نخاطب إمامانا صلوات الله عليه بهذا الخطاب: {يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ}.. فلو قيل: بأن هذا هو الشرك، فيكون الرد: بأن هذه آية من كتاب الله عز وجل، فأولاد يعقوب مرتبطون بيعقوب ارتباطاً جسدياً مادياً، ونحن مرتبطون ارتباطاً معنوياً، فالموجبات أعظم.. أي أن الالتجاء إلى أبينا المعنوي، أقوى فلسفةً، وأقوى إقتناعاً من هذا المورد.. ومن الملاحظ أن يعقوب لم يستنكف، لأنهم عندما قالوا: {إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} فقد اعترفوا بتاريخهم وما جرى عليهم.. ويعقوب بحسب الظاهر في هذه الآية لم ينقل منه عتاباً بليغاً وتقريعاً، بل {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.

{فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا}.. فقد ميّز الأبوين عن باقي إخوانه حيث {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ}.

{وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا}.. هنا ما هو هذا السجود؟.. هل هو سجودٌ لله عز وجل؟.. أو سجودٌ ليوسف؟.. فإذا قلنا: أن السجود لله عز وجل، فإنه هذا خلاف سياق الآية، لأن الآية تقول: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا}.. فسياق الآية يدل على أنه لازال الكلام عن يوسف، ولكن كيف نصدق بأنه يؤذن لنبي كيعقوب، أن يسجد لولده سجوداً.. ونحن نعلم أن السجود من الأمور المختصة بالله عز وجل؟!..

الجواب هنا، هو ما نقل في قصة آدم عليه السلام: وكأن القرآن يريد أن يقول: أيها البشر!.. إن أكثر الأمور التصاقاً بي كربّ، وأكثر الأمور خصوصيةً وأهميةً وارتباطاً بي، فإذا قلت لكم: أيها البشر اعملوا بهذه الخصوصية للآخرين!.. ولكن بأمري، فعليكم التعبد.. فأنا أريد أن أُكرم نبي الله آدم، فأعطيه المزية الخاصة بي -وهي السجود لي- فعليكم أن تسجدوا.. وهذا المعنى الذي لم يتقبله إبليس: {اسْجُدُواْ لآدَمَ}.. وهنا أيضاً يعقوب نبيٌ ملهم، فما قام به إنما قام به من منطلق النبوة والإرتباط بعالم الوحي، فخر لولده ساجداً، لأن هذا الولد يحمل المعاني الإلهية.. والله عز وجل كشف ليعقوب الدرجة التي فيها يوسف، فالسجود هو ليوسف ظاهراً، والسجود لآدم ظاهراً.. ولكن لباً وحقيقةً لمن أمر بالسجود، وهو الله سبحانه وتعالى؟..

فإذا جاء الخطاب: {أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}.. أي أئمة الهدى عليهم السلام، فالأمر طبيعي جداً.. وهذا الشعار الذي رفعه الخوارج: (أنه لا حكم إلا لله عز وجل) فإن هذا منطق إبليس، الذي لم يستوعب أن هذا المعنى الخاص بالله عز وجل، يمكن أن يسري إلى عباده.. فالحاكمية لله عز وجل، ولكن لوليه بإذن الله عز وجل.. والعلم بالغيب لله عز وجل، ولكن لوليه بإذن الله عز وجل.. والإحياء لله عز وجل، ولكن لعيسى عليه السلام بإذن الله عز وجل.. والإماتة لله عز وجل، ولكن لعزرائيل بإذن الله عز وجل.

فإذن، إن المسألة مستوعبة تماماً، وهي أن نجعل النبي عِدلاً للقرآن الكريم: في الحاكمية، والحجية.. ونجعل العترة بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عِدلاً للسنة النبوية في لزوم الإتباع، ولا ضير في ذلك.. ومما يؤيد أن السجود كان بحسب الظاهر ليوسف أنه قال: {يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ}.. ألم يقل في أول السورة: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}؟.. فإذن، إن هذا المعنى هو الذي ينسجم مع صدر السورة ومع سياق الآية.

{مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}.. إن المؤمن من الممكن أن يكون سداً منيعاً في حرز الله عز وجل، فلا سلطان للشيطان عليه لأنه مخلص.. ولكن الذين يعاشروننا، واللصيقين: كالأسرة، والمجتمع، والأولاد، والجيران، وذوي الحقوق، والأرحام.. إن هؤلاء ليسوا بمخلصين، بل أن البعض منهم من الفاسقين.. فمن الطبيعي أن يدخل الشيطان بينك أنت المخلص -إن كنت مخلصاً- وبين من حولك من الذرية، والأرحام، والوالدين، والزوجة، وما شابه ذلك.

وعليه، فإنه لا يكفي أن تدفع عن نفسك الشيطان، بل عليك محاولة إنقاذ غيرك.. فإذا رأيت في ذهن زوجتك سوء ظن، فعليك محاولة تخليصها من ذلك؛ لئلا يتخذها الشيطان منفذا إليك.. وكذلك إذا ابتليت بأبوين يسيئان الظن، وبأرحام كذلك، فإنهم سوف يشغلونك عن الله عز وجل.. إن الشيطان يأس منك، ولكن لم ييأس من الآخرين، فمن الضروري جداً أن يطلب الإنسان من ربه أن يُبعد الشيطان عنه، وعن كل من يرتبط به.. إن الشيطان لا سلطان له على المخلَصين، ويوسف (ع) من المخلَصين، ومع ذلك جعل نزغ الشيطان بينه وبين إخوته.

{رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ}.. هنا يعيش يوسف حالة مناجاة مع الله سبحانه وتعالى.. إن المُلك أعم من المُلك الظاهري والمُلك الباطني، وأي مُلك أعظم من النبوة!.. وأن يكون الإنسان مخاطباً من الله مباشرةً عبر المَلك أو تكليماً.

{وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ}.. هذا العلم الخاص اللدني، حيث أنه كان يعبر المنام، وما له من الأسرار مع ربه.. إلى أن يقول: {فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا}.. فهو أصبح على خزائن الأرض، وعلمه من تأويل الأحاديث، ويأتي نبيٌ كيعقوب وهو مخلَصٌ أيضاً ويسجد له.. ولكن أمنية يوسف (ع) {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا}.. أي يطلب أن يختم له بالعاقبة الحسنة، ولم يعقد هذه الخاتمة، لم يجعل لهذه الخاتمة مواصفات كثيرة {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا}.. أي أن أكون مطيعاً لك يا رب في كل شؤون حياتي.

يبدو أن هذا الإسلام الذي نحاول أن ننتقص من معناه، فعندما نقول: فلان مسلم!.. وكأنه تعبيرُ ساذج، وتعبير بسيط.. والحال بأنه تعبيرٌ فخمٌ ضخمٌ أن يكون الإنسان بين يدي الله عز وجل: لا رأي له، ولا قرار له، ولا خطة له، ولا منهج له.. إن الوفاة على الإسلام فرع الحياة على الإسلام، {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.

{وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}.. إن الذي التحق غير الملحق -والله العالم بهذا التعبير- أي أن فيه إشعارا، بأن هناك جماعة متفوقة من عبادك الصالحين، فيارب ألحقني بهم.

{فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}.. هنا نربط بين كلمة الفاطر والولاية.. فلماذا اختار يوسف من بين الكلمات تعبير الفاطر؟.. وكأنه يريد أن يقول: يا ربِّ!.. ولايتي لك فرع الفاطرية.. فأنت الخالق، وأنت الفاطر، وأنت الموجد من العدم، ومَن غيرك يستحق أن يكون ولياً لي؟!.. إنما أنا وليٌ لك، وإنما أنا معتصمٌ بك، وإنما اتخذتك إلهاً في اتباع الشريعة؛ لأنك صاحب التكوين، ولأنك الذي خلقت هذا الوجود وابتدعته من العدم، فأنت المستحق ذلك.

لو تذكرنا في حياتنا اليومية، صفة الفاطرية والخالقية.. هل يبقى لدينا قلقٌ او خوف؟!.. وهل يبقى لدينا يأس من عدم قضاء بعض الحوائج؟!.. إن الذي فطر السماوات والأرض، قلبها من الوجود إلى العدم.. ألا يحوّل الوجود من عسر إلى يسر؟.. ألا يفتح لك الأبواب المغلقة؟!.. فالذي خلق هذا القصر بعد عدم، أليست بيده مفاتيح الأبواب ليفتح لك الأبواب؟!..

فإذن، إن مسألة الفاطرية والخالقية من الصفات التي تورث الحب، وتورث الإنقطاع، وتورث الإلتجاء، وتورث الغنى بالله عز وجل، والإحساس بالفقر المطلق بين يديه.

{ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ}.. إن ربنا يمنّ علينا بذلك إذ يقول: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ}.. من الطبيعي أن هذه الآيات آيات عبر، وآيات إيمان.. ولكن الله عز وجل يقول في عتابٍ بليغ، وهذا العتاب متكرر في القرآن، ويا له من عتاب!.. {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}.. أي ضربنا لكم الأمثال، فذكرنا لكم قصة يوسف، ولكن من المتعظ؟!..

إن شبابنا قديماً وحديثاً، وأهل الأهواء، والمراهقين، لو تذكروا هذه القصة، وكيف أن لحظات، ولعلها دقائق تهيأت له، وأغلقت الأبواب وراودته.. لنفترض أن ذلك في ساعة من الزمان، ولكن استقام فيها يوسف {قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}.. وإذا بهذا الخلود في الذكر، سورة من القرآن تتناول هذا النبي العظيم في خصوصياته الدقيقة، ولكن من المعتبر؟!..

إن من السخافة أن لا يُعمل بمضمون هذا الحديث: (وشتان بين عملين: عمل تذهب لذته، ويبقى تبعته.. وعمل تذهب مؤونته، وتبقى أجره).. فـ(طوبى لمن ترك شهوة حاضرة، لموعود لم يره).. وهذا الموعود يُرى في بعض الحالات، فلم يؤجل رب العالمين أجر يوسف (ع) إلى الجنة، بل في الدنيا علمه من تأويل الأحاديث، وجعله حاكماً، وجعله عزيزاً، وأسجد له أبويه، وخلد ذكره.

نعم، إن الذي يتعامل مع رب العالمين، هكذا يُكتب له الخلود في الدنيا وفي الآخرة، وتُفتح له الأبواب المغلقة.. ويصل إلى درجة أنه لو يُخير بين هذه الشهوات، وبين الإنقطاع إلى الله في السجن، يرى بأن السجن مع الخلوة مع الرب، أحب إليه من الاستمتاع في القصور بمعصية الله عز وجل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى