الملفات الساخنة (احادیث الجمعه السابقه)

الشخصية القلقة والمستقرة

إنه لمن المناسب لنا جميعا في مناسبة كل معصوم أن نحاول الخروج بدرس ثابت من حياة ذلك المعصوم.. فمثلاً: في ميلاد الإمام الصادق أو الباقر (ع)؛ ليتقرب الإنسان المؤمن إلى الله عزوجل بالتفقه في الدين.. وفي أيام عاشوراء وفي أيام محرم، ليتقرب إلى الله عزوجل بإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن كلفه شيئاً في بعض الموارد.. والإمام الحسن (ع) معروف بكظم الغيظ والتحمل، حتى أنه قاسى من القريب والبعيد، من زوجته، ومن أصحابه، ومن قادته، وممن تسمى بإمامة المسلمين في زمانه.. فمن المناسب في ذكرى ميلاد الإمام الحسن (ص)، أن نخرج من هذه المناسبة العطرة، بحالة من التأسي الثابت بالإمام في هذه الصفة صفة كظم الغيظ.. وفي مناسبة الرسول الأكرم (ص)، نحاول أن نتأسى برسول الله (ص) في دعوة الناس إلى الله عزوجل.. فما المانع أن يكون كل فرد منا نبياً في أسرته وفي مجتمعه، أن يتأسى بالأنبياء في دعوة الناس إلى الله عزوجل، وإن لم يوح إليه.. ما المانع أن نكون كعلي (ع) في الجمع بين جهات التكليف المختلفة، كما يقول الشاعر:

هو البكّاء في المحراب ليلاً *** هو الضراب إن اشتد القتال

لو أننا أخذنا من المعصومين الأربعة عشر، من كل معصوم خصلة مهمة، لخرجنا بمجموعة من الخصال تؤهلنا للرقي إلى مدارج الكمال.. علينا أن نأخذ من كل إمام زهرته.. وفي هذا اليوم -في مناسبة إمامنا أبي محمد الحسن المجتبى (ص)- نحاول أن ننظر إلى معالم الشخصية الإسلامية، وكيف يمكننا الإقتداء بالإمام الحسن في تكوين قوام الشخصية.

أسلوب النبي (ص) في تثبيت خط الإمامة:

إن الذين عاشوا مع النبي (ص) من الأئمة هم ثلاثة: الإمام علي (ع)، والإمام الحسن (ع)، والإمام الحسين (ع).. ولقد استغل النبي (ص) وجوده واقتران حياته مع هذه العناصر الثلاثة، في تثبيت قيادتهم في الأمة؛ لأن من اعتقد بإمامة علي (ع)، لابد وأن يعتقد بإمامة الحسن والحسين (ع)؛ لأن تنصيبهما بالإمامة كان من قبله (ص).. فإذا اعتقدنا بصدق أمير المؤمنين (ع) وبنزاهته، وأنه كأخيه المصطفى (ص)، لم يتحرك إلا من خلال ما أراد الله عزوجل؛ فتبعاً لذلك، علينا أن نؤمن بالحسن المجتبى إلى الحسن العسكري (ع).. والذي يخل باعتقاده في أحد هذه الأعلام البارزة في حياة الأمة، لم يتبع النبي (ص).

وقد سلك النبي (ص) لذلك طرقاً مختلفة: تارة يجمعهم تحت الكساء اليماني، وتارة يركبهما على ظهره، ويؤكد على محبتهما تأكيداً بليغاً، مثلاً بقوله: (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)؛ حتى الإنسان الذي لا وعي له، ولا يعرف الإمام الحسن والحسين من خلال إمامتهما في الأمة؛ فإنه لا يغيب عنه هدف النبي (ص) من ذلك!..

وتارة النبي (ص) يخاطب الشريحة المثقفة، ويفهمهم بأن الإمامة كإمامة إبراهيم (ع)، حيث ابتلاه ربه، فأكمله وأتمه؛ ثم جعله للناس إماما؛ وإن قائد الأمة ينبغي أن يكون أفضل شخصية في الأمة.. ولا ندري بأي مقياس في حياة العلماء والحكماء، يمكن أن تستوعب هذه المقولة الباطلة: (الحمد لله الذي قدم المفضول على الفاضل)؟!.. كيف يكون في الأمة من هو خير منك، وأنت تقود الأمة؟!.. ولا نسبة بين علي وغير علي، لا في علمه، ولا في شجاعته، ولا في دفاعه عن الدين، ولا في ما ورد من النصوص منذ أول يوم بعث النبي إلى حجة الوداع، إلى يوم الخميس، إلى قبيل احتضاره ووفاته؟!.. النبي (ص) خاطب الشريحة المثقفة في الأمة، وأفهمهم بأن قائد الأمة كالنبي، والوصي كالنبي في حياة الأمة بعد النبي.

وكذلك القرآن الكريم استعمل نفس الأسلوب: تارة يستخدم أسلوب العقل، كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}؛ ليفهم الناس بأن أولي الأمر في سياق طاعة الله ورسوله.. فمتى كان هارون الرشيد، والمأمون العباسي، والمعتصم، متى كانوا في سياق الله ورسوله؟!..

وتارة يستخدم أسلوب العاطفة، كما في هذه الآية: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}.. نحن لم نعهد نبياً من الأنبياء السلف -من أنبياء أولي العزم، ومن غير أولي العزم- أنهم طلبوا من أممهم أجراً؛ إلا النبي الخاتم (ص)، فلم هذا الأمر في حياة النبي (ص)؟.. إن ذلك، لأن النبي (ص) أراد أن يربط الأمة بقيادتها.. ولقد رأينا ما آل إليه أمر الأمة، عندما ابتعدت عن القيادة!..

الشخصيات المنحرفة في القرآن الكريم:

إن الإمام الحسن (ص) أراد منا أن نكون تلك الشخصية الجامعة.. ومن المعلوم بأن الأمور تعرف بأضدادها؛ فإذا أردنا أن نتعرف على هذه الشخصية المستقيمة، فلنبحث عن الشخصيات المنحرفة في حياة الأمة.. ولا نعني بذلك الأسماء، بل نعني الشخصيات والقيم والمثل، التي تحول الإنسان إلى شخصية منحرفة.. وضدها هي الشخصية الإسلامية المثلى.. وفي القرآن الكريم نلاحظ ذكرا لبعض الشخصيات القلقة والمضطربة، والتي منها:

– الشخصية المترددة: إن صاحب هذه الشخصية ليس له قوام فكري، وهو ممن قال الله تعالى عنهم: {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ}، تراه يبحث ويبحث في بطون الكتب، ولا يصل إلى نتيجة!.. إنسان قلق في تفكيره بما جاءت به الشريعة، ويفكر تفكيراً مبعثراً، تراه يجهد في مناقشة مسألة فرعية، غافلاً عن الأصول والأساسيات!.. وإن الذي لا يبحث الأمور من أساسياتها، فسوف يعيش القلق الفكري إلى آخر عمره!..

– الشخصية الانتفاعية: إن صاحب هذه الشخصية لا وفاء ولا أمان له في الحياة، فهو معك مادامت مصلحته عندك، وإلا فهو عليك!.. يتلون بألوان مختلفة.. ولننظر إلى تعبير القرآن الكريم عن هؤلاء: {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ} !..

ويمكن اعتبار هذه الوجودات أنهم بمثابة شياطين في حياة الأمة!.. كما أن هناك شيطانا جنيا، أيضاً هناك شيطان الإنس.. ولعل تأثيرهم في النفوس، لا يقل عن شيطان الجن؛ لأن شيطان الجن يوسوس من بعيد؛ بينما الشيطان الإنسي يوسوس لك من خلال المعاشرة، وقد يجبرك على ارتكاب الحرام من دون أن تريد!..

– الشخصية المتثاقلة إلى الأرض: إن صاحب هذه الشخصية مسلم يعتقد بالمثل والقيم والدار الآخرة، ولكنه ضعيف الهمة، قليل الحركة، لا يترقى في سلوكياته لا عبادياً ولا تعاملياً، ولا يعلم ما وراء المادة، وليست لديه برمجة هادفة للحياة، ملازم للتسافل، والقعود عن الجهاد في مجاليه الأكبر والأصغر.. وهؤلاء يستنكر عليهم الله سبحانه وتعالى قائلاً: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ}..

كلمة (اثاقلتم) فيها إشارة إلى هذه الحقيقة وهي: أن الأشياء تميل بطبيعتها إلى الانحدار والتسافل نحو الأرض تبعاً لقانون الجاذبية، وإن صعودها إلى أعلى يحتاج إلى قوة دفع قوية، تخالف تلك الطبيعة.. ونحن نرى أن سقوط الثمرة إلى أسفل لا يحتاج إلى كثير مؤونة.. عندما يضعف الارتباط بين الثمرة وبين الشجرة، وإذا بالثمرة تسقط بشكل تلقائي.. أما إذا أردت أن تذهب بالثمرة إلى أعلى؛ فإن ذلك يحتاج إلى قوة دافعة.. وكذلك الأمر بالنسبة للإنسان.. التثاقل، والتسافل، والقعود عن الجهاد في مجاليه -جهاد النفس، وجهاد الأعداء-، والترقي، وتجاوز العقبات المادية، وبرمجة الحياة برمجة حديثة..؛ كل هذه الأمور يحتاج إلى حركة عكسية.

ولو أن الإنسان لم يقم بحركة ثورية انقلابية على نفسه، فإنه سيكون متثاقلاً إلى الأرض، إلى درجة أنه يتحول إلى عنصر ثابت من عناصر هذا الوجود.. والقرآن الكريم في كلمة بليغة يعبر عن هؤلاء، بأنهم شر الدواب عند الله تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ}!.. أليس غريب أمر هذا الإنسان الذي خلقه الله تعالى في أحسن تقويم، وكرمه أحسن تكريم، وعلمه البيان؛ وإذا به يتسافل إلى أسفل سافلين، وإذا به يتحول إلى دابة، وليس من عامة الدواب، وإنما من شر الدواب عند الله عزوجل؟!..

– الشخصية الهلامية: إن صاحب هذه الشخصية له علاقة غير مستقيمة مع رب العالمين، علاقة هلامية.. وقد أشار القرآن الكريم إلى تلك الشخصية في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}.. فتراه يفزع إلى الله سبحانه وتعالى في الملمات والنكبات فحسب، فعلى أسرة المستشفيات وفي الزنزانات تراه يعيش حالة القرب إلى الله عزوجل، لاعتقاده بأنه المنجي، لا أنه الرب، لا يتعامل مع الله عزوجل على أنه إله يعبد!.. علينا أن نحاول أن نتأسى بأمير المؤمنين علي (ص) الذي كان يقول: (إلهي!.. ما عبدتك خوفاً من عقابك، ولا طمعاً في ثوابك، ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك).

إنه إنسان يعيش صوراً مختلفة في حياته.. والحق أن هذه الذبذبة في حياة الإنسان ذبذبة قاتلة!.. نحن نقرأ في سورة المائدة عن الذين طلبوا المائدة السماوية من عيسى (ع)، وطلبوا من الله الكرامة والتميز: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ}.. وأنت أيضاً قد تكون كالحواريين تطلب من الله عزوجل القرب، وخاصة في ليالي القدر.. وفي شهر شعبان كنت تدعو وتقول: (إلهي !.. هب لي كمال الانقطاع إليك)؛ ثم أعطاك درجة خفيفة من الانقطاع.. وفي دعاء كميل تقول: (واجعلني من أحسن عبيدك نصيباً عندك!)، وتفتح لك بعض أبواب التوفيق.. وأنت في الليل تفتح لك الأبواب على مصراعيها، وتجري الدموع على خديك، بتوفيق من الله عزوجل، الذي رقق قلبك وأجرى دمعك.. وإذا بك في النهار تكفر بهذه النعمة؛ فتتجاوز الحد، وتظلم العباد، وتخرب البلاد!..

إذن، لتتوقع جزاء الحواريين!.. {قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ}.. ولهذا يمكن أن نفسر هذه الانتكاسة القاتلة -هذه الردة- في حياة بعض المؤمنين!.. فكم من إنسان يعيش حالات روحية متميزة، ويفتح له شيء من أبواب الغيب -يقظة أو مناماً-؛ وإذا به يتحول إلى عنصر مشاكس، لا يعرف الحلال من الحرام!.. ولقد رأينا بعضهم هوى وهوى، كما هوى قارون، وانقلب إلى وجود يقف أمام الله ورسوله، لماذا؟.. لأنه لم يقدر تلك النعمة التي أعطيها، من خلال طلبه لبعض صور التكامل.

– الشخصية المنافقة المتلونة: إن صاحب هذه الشخصية يرى في نفسه إقبالاً في العبادة أمام الناس، فإذا خلا في منزله وفتح القرآن الكريم أو كتاب الدعاء، لا تراه يقبل!.. إذ لابد أن يكون في مسجد، وفي إحياء جماعي، وفي جو إثارة معينة!.. فأين خشية الرحمن بالغيب؟!.. فإذا كنت مستأنساً بذكر الله عزوجل، وإذا كنت ممن يعيش بحر العبادة والأنس برب العالمين؛ فما الفرق بين الجلوة والخلوة؟!.. متى كانت هذه الجدران المادية تحول بيننا وبين الله عزوجل؟!..

بينما نلاحظ أن الإنسان يصل إلى درجة أنه لا فرق في حالاته، إن كان عند الكعبة أو في البيت…؛ فإنه يعيش لوناً واحداً أينما كان -وإن كان هناك بعض الامتيازات في الأماكن المقدسة-؛ لأنه يعيش المعية الإلهية.. ونحن نجد أن الله عزوجل يمدح الذين يخشونه في الغيب، في قوله تعالى-مخاطباً لنبيه المصطفى (ص)-: {إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ}.. أي يا رسول الله، إن الإنسان الذي له الشخصية المتلونة، الشخصية التي لها حياتان: حياة في البر، وحياة في البحر؛ فإن هذا الإنسان لا يمكن أن يكون ممن تخاطبه وتؤثر في وجوده.

– الشخصية التحريضية: إن صاحب هذه الشخصية لا يحب السلام والأمن في المجتمع، ويثير الفساد في الأرض، ولا يريد الأمان والاستقرار في حياة الإنسان.. وهؤلاء قال عنهم القرآن الكريم: {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}.

– الشخصية المرعوبة المرتبكة: إن صاحب هذه الشخصية يعيش الارتباك في الحياة، إنسان لا يبرمج، وإذا برمج تنقلب عاقبة الأمور عليه، وإذا به من حيث لا يشعر يضرب جذوره بيديه، من دون أن يلتفت إلى عمله!.. فيؤذي نفسه بنفسه، باتخاذ القرارات غير المبرمجة والمدروسة.. هؤلاء قال الله تعالى عنهم: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ}.

حسن الخلق:

إن البعض يخطئ في تعريف حسن الخلق، فيظن بأنه يعني البشاشة والاستبشار، وكثرة المزاح والضحك في وجوه الآخرين.. بينما الصحيح أنه عبارة: عن إعادة تشكيلة للوجود مرة أخرى، بحيث نتجنب كل الطباع السيئة والسلبيات.

ومن هنا نلاحظ قول النبي (ص): (من حسّن خلقه، بلغه الله درجة الصائم القائم)؛ إشارة إلى أن العبادة لا تؤتي ثمارها مع الشخصية المضطربة القلقة.. ولو كانت تنفع، لكان إبليس أولى بذلك!.. إن إبليس لم ينتفع بعبادته؛ لأنه كان يستبطن بذور الشر في نفسه، بذور الاستكبار والاستعلاء.. وإنما تنفع العبادة إذا حسن باطن الإنسان، واستقامت سريرته، وامتلك الشخصية المتوازنة المتكاملة.. بل إنه إذا حقق ذلك يكفيه قليل الصلاة والصيام، إذ أن (ما يوضع في ميزان امرئ يوم القيامة، أفضل من حسن الخُلُق).

إن علياً (ع) يؤكد على حسن الخلق، حتى لو كان الإنسان كافراً، لا يعتقد بجنة ولا نار، لماذا؟.. يقول (ع): (لو كنا لا نرجو جنة، ولا نخشى ناراً ولا ثواباً ولا عقاباً؛ لكان ينبغي لنا أن نطالب بمكارم الأخلاق؛ فإنها مما تدل على سبل النجاح).. علي (ع) يفتح باب التنافس في مكارم الأخلاق، حتى لغير المسلمين؛ لأنها مما تدل على سبيل النجاح.. ألا تريد النجاح في الحياة؟.. ألا تريد أن تكون إنساناً موفقاً في حياتك؟.. فإذن، اطلب مكارم الأخلاق!.. وهذه أممية الأخلاق في فلسفة أمير المؤمنين (ص).

إنه لمن الجميل -بعد ذلك التأمل- أن نجلس جلسة تأملية مع أنفسنا، لندرس نقاط الضعف والخلل فيها، عسى الله تعالى أن يوفقنا لبلوغ تلك الشخصية المستقيمة، التي أرادها لنا إمامنا الحسن (ع)!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى