الملفات الساخنة (احادیث الجمعه السابقه)

كيف نتـعرض للنفـحات الإلهية ?

من المواضيع المهمة التي ينبغي استيعابها، هو موضوع النفحات الإلهية المتوجهة للإنسان المؤمن، حيث كثيراً ما تطرح الأسئلة في هذا المجال.. فما هي النفحات؟.. وما هي قواعد النفحات؟.. ومتى تأتي النفحة؟.. وما هي موانع النفحة؟.. وكيف نتعرض لهذه النفحات التي تهب على الإنسان بين فترة وأخرى؟.. وهي نقاط مهمة ينبغي أن نستوعبها، لأنها ضرورية لكل إنسان له حظ وله ارتباط بعبادة الله عزوجل.

النفحات الإلهية: عبارة عن نسمات وهبّات من عالم الغيب، تعرض على القلب، فيعيش الإنسان بشكل فجائي حالة من الإقبال على الله عزوجل، لم يكن معهوداً من قبل.

مثال ذلك: من الملاحظ في عالم الأبدان أن الإنسان الذي يريد أن يقوم بعمل خارق أو جبار، أو يريد أن يهرب من عدو، أنه يلاحظ في نفسه قدرة غير طبيعية.. فكما أن هناك نفحات -إن صح التعبير- هرمونية أو بدنية، تجعل الإنسان يعيش حالة من القوة المضاعفة، هنالك أيضاً نفحات في عالم الأرواح.. فمثلاً: قد ترى إنساناً غافلاً، ومسترسلاً في عالم الدنيا، وإذا به في لحظة من اللحظات يجد في نفسه شهوة وإقبالاً على العبادة!.. أو ترى إنساناً نائماً في منتصف الليل، وكأن هناك من يوقظه لنافلة الليل، وفي تلك الليلة يعيش حالة من حالات الإقبال التي لا يتوقعها من نفسه!.. فما هو الملاك وما هو القانون في هذا المجال؟..

إن هذه حقيقة، ولا ينبغي أن ننكر وجود هذه الحقيقة في حياتنا، وهنالك عدة آيات في القرآن تؤكد على هذه النقطة، منها قوله تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا}، وفي آية أخرى يقول تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}.. ومعنى ذلك؛ أن هنالك فضلا، وهنالك رحمة تسدد الإنسان المؤمن؛ وإن هذه نفحة تتجلى على شكل إقبال في العبادة تارة، وتتجلى على شكل منع وصد عن الحرام تارة أخرى.

وفي آية أخرى يقول تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ}.. وقد لاحظنا كم من الشباب المراهقين المنغمسين في اللذائذ، بوقفة مع رب العالمين في عبادة: في عمرة، أو في حج، أو في إحياء في صلاة خاشعة؛ وإذا به يمجّ ويكره ويستقذر، ما كان يألفه قبل قليل!.. إن هذه نفحة من نفحات عالم الغيب، تهب على قلب الإنسان المؤمن.

أنواع النفحات:

إن الله عزوجل له نفحات عامة.. هنالك أمكنة وهنالك أزمنة، يضاعف الله سبحانه وتعالى فيها من نفحاته.. فمثلا: ليلة القدر ليلة من ليالي السنة، فلماذا جعل الله عزوجل في تلك الليلة العمل خيراً من ألف شهر؟.. إن هذه نفحة من نفحات الله عزوجل.. وكذلك إن لله عزوجل نفحات خاصة للبعض.. قال رسول الله (ص): (إن لربكم في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا لها، ولا تعرضوا عنها).. وفي عبارة أخرى : (…ألا فترصدوا لها).

ويفهم من كلمة (ترصدوا): إن الإنسان المؤمن عليه أن يترصد ويكتشف المعادلة.. إن نفحة ليالي القدر نفحة عامة للجميع، وكذلك نفحات الحج، والحطيم، والمستجار، وتحت الميزاب… ، فإن في هذه الأماكن المباركة نفحات عامة.. ولكن الإنسان المؤمن بلباقته وبذكائه، وبحسن مراقبته وبفراسته، وبما أعطي من النور الإلهي -لأنه ينظر بعين الله وبنور الله-؛ عليه أن يكتشف مواطن النفحات الخاصة.. فمثلا: لك أبوان عندما تدخل عليهما السرور، في تلك الليلة أو في ذلك اليوم تلاحظ نفحة.. أو هنالك مؤمن: منكسر الفؤاد، ومشوش البال.. وهذا المؤمن كلما تقترب منه، وتحسن إليه، وتزيل الهم والغم عن قلبه؛ فإنك تلاحظ أن هنالك إقبالا.. وهكذا، عليك أن تترصد ذلك.. ولا يخفى أن هذا فن، والحق أنه يحتاج إلى خبرة، لأن يترصد الإنسان متى تأتيه النفحات الإلهية الخاصة.. قلنا: إن في الأماكن المعروفة والأزمنة المعروفة النفحات فيها ثابتة، ولكن على المؤمن أن يكتشف في قلبه النفحات الخاصة، التي من الممكن أن يعطى مثل هذه النفحات عندما يقوم بعمل معين.. ومن المناسب أن يسجل الأعمال التي توجب له مثل هذه النفحات، بعد أن يترصدها ويراقبها بكل دقة.

قواعد النفحات:

إن النفحات الإلهية -كما علمنا- لها أسباب خارجية، وأسباب داخلية.. غير أن الأسباب الخارجية -وهي الليالي المعهودة، والأيام المعهودة، والأماكن المعهودة-، ليست بأيدينا.. إذ أن في السنة ليلة قدر واحدة، والمسجد الحرام بعيد عنا، بالإضافة إلى أن الذهاب إلى هذا المكان، يحتاج إلى استطاعة، وقدرة مالية.. فإذن، علينا أن نركز على القسم الثاني، وهي النفحات الداخلية -النفحات الخاصة-، ونتعرف على قواعدها، ومنها:

– القيام ببعض الأعمال التقربية: وقد ذكرنا مثالا لذلك: بر الوالدين، والتخفيف عن مؤمن.

– المجاهدة الكبيرة: أن يقوم الإنسان بعمل واحد بطولي، فيه مجاهدة كبيرة للنفس.. كما نلاحظ في قصة يوسف (ع)، حيث أنه عاش معاناة واحدة مهمة مع زليخا، وجاهد نفسه في لحظات، وفي المقابل أعطي من النفحات، ما بقي أثره إلى يومنا هذا، من الذكر الجميل.. وكذلك، سحرة فرعون، نلاحظ أنهم وقفوا موقفاً واحداً تجاه فرعون، وآمنوا بموسى (ع)، قاموا بعمل بطولي واحد، أعطاهم الخلود.. وعندما نقلب تأريخ المسلمين نلاحظ أنه كم من الشهداء قتلوا في ركاب النبي (ص)، ولكن لماذا يُسجل هذا الخلود لرجل باسم حنظلة -غسيل الملائكة-؟.. لأنه في ليلة زفافه- ليلة الغفلة والاسترسال في المتع-، هذا الرجل يقوم في ذلك اليوم، وهو مجنب، ويذهب للقتال مع النبي (ص).. فلو امتلك الإنسان في حياته، محطة من هذه المحطات، فالحق أنها توجب له سعادة الأبد!.. إذا وقع في موقع إغرائي، سواء في مال حرام مغرٍ، أو امرأة مغرية، أو منصب مغرٍ، فبدلاً من أن يسترسل مع شهوته، لماذا لا ينظر إلى أن هذه فرصة العمر؟!.. جاهد نفسك لحظات مع هذه الفتاة، كما جاهد يوسف، واكسب لنفسك لذة الأبد!.. وكما قال أمير المؤمنين (ع): (شتان بين عملين: عمل تذهب لذته، وتبقى تبعته؛ وعمل تذهب مؤنته، ويبقى أجره!)..

ولذلك، فإن الإنسان المؤمن عليه أن يبحث عن هذه الفرص بحثاً.. نحن نلاحظ أن البعض يخاف من الإغراء، ويخاف من الامتحان؛ إن هذا شيء جيد؛ ولكن البعض يتمنى أن يبتلى، ليثبت تفوقه!.. أرأيت بعض الأبطال الذين يعتمدون على بطولتهم، ألا يتمنى أن يأتيه الخصم، لكي يضربه أرضاً، ويأخذ الجائزة بذلك!..

إذن، علينا أن نقوم بهذه الصفقات الاستثنائية المربحة.. ومن ضمن الصفقات المربحة: كظم الغيظ.. ومن المعلوم أن الإنسان الذي يثار -مثلاً- من قبل ولده، أو من قبل زوجته، أو من قبل خادمته؛ ويتذكر غضب الله عزوجل، فيكظم غيظه؛ فإن جزاءه أن يحشا جوفه نوراً، كما ورد عن الإمام الباقر (ع): (مَن كظم غيظاً وهو يقدر على إمضائه، حشا الله قلبه أمناً وإيمانا يوم القيامة).

وما قيمة أن تنفذ غضبك على هذه الزوجة المسكينة، أو هذه المرأة المستضعفة، أو هذه الخادمة البسيطة؟.. أنت بإمكانك أن تتجرع هذا الغيظ، لتعيش حلاوة الإيمان بعد ذلك، ولترفع عن ظهرك جبالاً من الذنوب!.. ولا يستبعد أن رب العالمين عندما يطلع على هذا العبد، الذي ابتلي بإثارة في الشهوة أو الغضب، وصبر على ذلك؛ أن يباهي به ملائكته.. فيا لها من مزية!..

– المجاهدة البسيطة المستمرة: إن الإنسان قد لا يوفق أن يقوم بجهاد عظيم بين يدي الله عزوجل، كحنظلة ويوسف (ع) وسحرة فرعون -مع فارق الدرجات بين هؤلاء-؛ ولكن الإنسان الذي يراعي نفسه بترك الذنوب -صغيرها وكبيرها-؛ فإنه يعطي هذه المنحة بين فترة وأخرى، ولهذا نحن في صلاة الليل، ندعو: (…. ولك في هذا الليل نفحات وجوائز وعطايا ومواهب تمن بها على من تشاء من عبادك، وتمنعها من لم تسبق له العناية منك…. فإن كنت يا مولاي تفضلت في هذه الليلة على أحد من خلقك، وعدت عليه بعائدة من عطفك فصل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين الخيرين الفاضلين، وجد علي بطولك ومعروفك يا رب العالمين).. قد يؤدي إنسان صلاة الليل سنة كاملة، ولا يعطى نفحة من النفحات، ولكن في ليلة وبلا مناسبة، وإذا به يعيش عالماً من السير نحو الله سبحانه وتعالى.. ومن المعلوم بأن هذه النفحات بمثابة الجوائز، التي تجعل الإنسان يحن إليها دائماً.. لو كشف لك الغطاء في ليلة من الليالي، وتجلى لك رب العالمين بتجلياته الجلالية أو الجمالية، أوَ لا تتحول إلى إنسان عاشق، وتكون مستعداً أن تقيم الليل في كل ليلة، عسى أن تصل إلى ذلك التجلي الذي وقع لك في ليلة من الليالي؟.. ما الذي جعل موسى (ع) يعيش حالة الشوق إلى الله عزوجل؟.. لولا هذه القابلية في نفس موسى، لما تكلم الله سبحانه وتعالى معه.. في وادي طور سيناء عندما تكلم الله عزوجل معه وتجلى له، أوجد في قلبه حرقة وشوقاً، وهذه الحرقة، وهذا الشوق، لم ينطفئ أبداً في قلب موسى (ع)!..

فهنيئاً لمن فُتح له باب في هذا المجال!.. فإن هذا الإنسان لا يحتاج بعد ذلك إلى توصيات كثيرة، وإلى ردع، وإلى حث، وإلى ذكر الحور والغلمان والقصور؛ فهو في الدنيا ويتنعم بهذه الأمور!.. كذلك الشاب الذي كان في مسجد النبي (ص)، فلما دخل النبي (ص) ورآه في تلك الحالة، وقال له: كيف أصبحت؟.. قال: أصبحت بالله موقناً.. إنه شاب في حياة النبي (ص)، كشف له الحجاب، فأصبح يعيش حالة الإيمان، وحالة الاطمئنان بعالم ما وراء الغيب.. نعم، إن هذه ثمرة النفحات.. قال الصادق (ع): (إن رسول الله (ص) صلّى بالناس الصبح، فنظر إلى شاب في المسجد وهو يخفق ويهوي برأسه مصفرّا لونه، قد نحف جسمه، وغارت عيناه في رأسه، فقال له رسول الله (ص): كيف أصبحت يا فلان؟.. قال : أصبحت يا رسول الله موقنا.. فعجب رسوله الله (ص) من قوله وقال له: إنّ لكل يقين حقيقة، فما حقيقة يقينك؟.. فقال: فإنّ يقيني يا رسول الله هو الذي أحزنني، وأسهر ليلي، وأظمأ هواجري، فعَزَفت نفسي عن الدنيا وما فيها، حتى كأني أنظر إلى عرش ربي وقد نصب للحساب، وحشر الخلايق لذلك وأنا فيهم، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتنعمون في الجنة ويتعارفون على الأرائك متكئون، وكأني أنظر إلى أهل النار وهم فيها معذبون مصطرخون، وكأني الآن أسمع زفير النار يدور في مسامعي).

موانع النفحات:

– عدم تقدير النفحة وارتكاب المعاصي: كل فرد منا لعله عاش شيئاً من هذه النفحات، في شهر رمضان، أو في ليالي الجمعة، أو في صلوات الليل المتقطعة؛ فلماذا حرم ثانية؟.. لماذا البعض يحن إلى أيامه القديمة؟.. لأنه لم يقدر هذه النعمة!.. النفحة الإلهية مزية، وهي بمثابة ضيف إلهي حل عليك، ولم تكرمه.. ولهذا يقال: إن الإدبار بعد الإقبال مباشرة، يكسر المؤمن كسراً بليغاً!.. فمثلا: إنسان كان في المسجد في حالة روحية راقية، أو في جوف الليل؛ وإذا به بعد ذلك مباشرة يخرج إلى الشارع، وينظر نظرة محرمة!.. فيقال له: لماذا فعلت ذلك؟!.. لقد كنت في ضيافتي، ووهبتك شيئاً من نفحاتي؛ فلماذا استهترت بهذه النعمة؟!.. فيبتلى بقسوة شديدة، لا ترتفع عنه إلا بالبكاء الشديد والإنابة إلى الله عزوجل.. ومع عدم الاستغفار، فإنه يبقى فيما هو عليه من الإدبار، إلى ما شاء الله تعالى.

– عدم تحويل النفحات إلى عمل: إن بعض الناس يتحول إلى عاشق للنفحات، فيحب دائماً أن يعيش حالة الهيام والغرام والتحليق، من دون أن يحول النفحات إلى عمل!.. فتراه يقوم الليل، حتى يعيش حالة من البكاء والخشوع؛ فإذا صار النهار، فإنه يعيش عالم الغفلة والسهو والاسترسال!.. حاول أن تحول النفحة إلى موقف، مادام هناك انفتاح من عالم الغيب، ما دام هناك دعوة من الله عزوجل.. لا تبحث عن النفحة وراء النفحة، وإنما ابحث عن العمل وراء النفحة.. حوّل هذه النفحة إلى حالة من التقوى، وإلى حالة من الورع.. قل: يا ربي!.. لأنك منحتني هذه النفحة، أعاهدك على ترك معصية من المعاصي.. جرب ذلك، وإذا عملت بهذا الوعد، أي أنك كلما أعطيت نفحة، تركت حراماً؛ فإنك سترى بعد فترة وإذا بالنفحات تترى.. لأن هذا مقتضى قوله تعالى: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}، وشكر نعمة الإقبال، أن تلتزم بأوامر الله عزوجل ونواهيه.

إن البعض يذهب إلى الحج، ويقوم بأعمال توجب له النفحات، وفي المقابل له أعمال سلبية كثيرة من المعصية، من الغيبة ومن اللغو…؛ ولا ينظر إلى سلبيات أعماله، بل ينظر إلى النفحات المجردة.. وليكن معلوماً، أن النفحة المجردة من العمل، لا قيمة لها كثيراً!.. بل قد يوجب له الغرور، وقد يعيش حالة من التضخم الكاذب؛ لأن أعماله أعمال البسطاء في الدين، ولكنّ له أمرا جيدا من النفحات في جوف الليل.. إن هذا الإنسان الذي له نفحات من دون عمل، في معرض الابتلاء بالعجب والغرور.. وكثيراً ما كانت الحالات الإيجابية، من موجبات التقاعس والتباطؤ، وعدم تغيير الجوهر.. وعليه، إذا أردنا أن نبحث عن عدو لهذه النفحات، فليست هي إلا المعاصي!..

– قطع النفحة بعدم استبقاء الحالة: إن النفحة إذا جاءت، حاول أن تستبقيها قدر الإمكان؛ لأنها حالة غالية جداً!.. أنت بعد فترة من الإدبار، رزقت الإقبال، فلا تقطع هذه الحالة!.. إذ رزقت الإقبال في موقف من مواقف الصلاة، فحاول أن تبقى في ذلك الموقف.. فمثلا: وأنت في السجود جاءتك نفحة إلهية -حالة من حالات الرقة-، ابق في هذه الحالة؛ إذ لعلك لو تحولت إلى أمر آخر، تفقد هذه النفحة في هذا المجال.. أو كنت تقرأ القرآن الكريم، وأثناء قراءة القرآن جاءتك نفحة إلهية، استمر في قراءة القرآن؛ لعلك إذا حولت القرآن إلى دعاء، تفقد هذه النفحة.. بل إن بعض العلماء ينصح بأن تبقى في المكان الذي أنت فيه.. إذا أنت الآن في المنزل تعيش حالة من حالات القرب والشفافية الروحية، فإذا خرجت من المنزل ورأيت ما رأيت، فمن الممكن أن تفقد هذه الحالة.. إذن، عليك أن تبقى في الوضعية التي أنت فيها، حالما تعيش شيئاً من النفحات.

– الظروف الحياتية: كما قلنا إن في حياتنا اليومية هنالك محطات جيدة، لأن نعيش هذا الجو.. غير أن الإنسان قد يكون مرشحاً لكي يعيش هذا الجو من النفحات الإلهية، ولكن طبيعة حياته وعمله والبيئة التي يعيش فيها، لا تسمح له بأن يعيش هذا الجو.. وهنا عليه أن يلجأ إلى الأمور التي تستبطن النفحات، وأهمها الصلاة.. إن المؤمن يتخذ من الصلاة مجالاً للعروج إلى الله عزوجل، ومجالاً للتنفس.. نحن نلاحظ أن الإنسان الغواص عندما يذهب إلى أعماق البحر، ويعيش حالة الاختناق لفقدان الهواء؛ يصعد إلى السطح ويستنشق، ثم يغوص تارة أخرى.. وكذلك نحن في حياتنا اليومية نعيش في ظلمات مظلمة: ظلمة العمل، وظلمة المعاشرة الاجتماعية، وبعض الظلمات التي تسلب الإنسان روحه.. فعليه أن يلجأ إلى عالم الصلاة، والقرآن، والدعاء؛ ليستنشق شيئاً من هذا الرحيق، ويرجع مرة أخرى إلى واقعه.

الشكوى إلى الله عزوجل:

إذا رأينا أنفسنا في حالة إدبار، فعلينا أن نشتكي إلى الله عزوجل.. وينبغي أن تكون الشكوى من قسوة القلب ديدن المؤمن.. فإن الإعراض الإلهي، من أسوأ صور التعذيب!.. ولهذا نلاحظ أن الله عزوجل يوم القيامة يعذب بعض أهل المحشر، بأنه لا ينظر إليهم، ولا يكلمهم؛ نعم هذا الإعراض من صور العقوبة.. إن الإنسان المؤمن إذا عاش حالة الإدبار، ولم يتأثر بذلك، فليعلم أنه إنسان مريض!.. لأن ما هو فيه يستدعي منه أن يجأر إلى الله عزوجل!.. يقال بأن هذه الآية: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} نزلت بعد انقطاع فترة من الوحي، لأن النبي (ص) اشتاق إلى الوحي، فجاءته الآية لتطيب من خاطره (ص).. إن الإنسان المؤمن إذا صلى فرضاً، وفرضين، ويوماً، ويومين، وأسبوعاً؛ ولم يجد حلاوة في عبادته، وفي قيام ليله؛ فإنه يعيش حالة القلق والفزع، لأنه يبدأ يشك في نفسه أنه لعله وقع ما وقع، بحيث سلبت هذه الحالة من التوجه بين يدي الله عزوجل.

ملخص الحديث:

إن مما نفهمه من هذه الرواية: (إن لربكم في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا لها، ولا تعرضوا عنها)، أو (… ألا ترصدوا لها)، هو: إن البعض رزقه من النفحات في كل ليلة مرة واحدة، والبعض في أيام دهره له بعض النفحات.. وشتان ما بين هذا المرزوق في كل ليلة، وبين ذلك الذي لا يرزق إلا بين الفترة والفترة!.. وإن معنى (ألا فترصدوا لها): أي أن هناك حالة من حالات الانتظار، ليصل الإنسان إلى هذه النفحة من قبل الله عزوجل.

وهنيئاً لمن رزق النفحة كلما شاء ذلك!.. بجلوس في المحراب، يفترش سجادة العبادة، ويأخذ كتاب الدعاء ويقرأ، وإذا بدموعه تجري على خديه.. هنالك صنف من الناس كلما وقف للصلاة، أو قرأ الدعاء، أو كلمات من القرآن الكريم؛ فإنه يعيش هذا الجو من دون تكلف.. فهنيئاً لهذا الإنسان الذي يعيش هذه الحالة!.. ولا يخفى أن هذه ثمرة مجاهدات طويلة.. وفقنا الله وإياكم، لأن نكون من عباده الصالحين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى