الملفات الساخنة (احادیث الجمعه السابقه)

كيف نقضي على الفراغ وكيف يقضي علينا?

إن من الضروري أن نعلم إننا في هذه الأيام القصيرة من الحياة المحدودة ، نقرر مصيرنا الأبدي ، سعادة وشقاء .. ومن المعلوم أن تقسيم المحدود على اللامحدود – في الحساب الرياضي – ينتج اللامحدود .. فلنتصور القيمة الكبرى لكل لحظة من لحظات العمر، والتي بمحدوديتها نشتري بها سعادة اللامحدود!.. فكم يعيش العبد تلك الحسرة القاتلة – يوم القيامة- حينما يرى الخسارة الكبرى في التفريط بتلك الساعات الذهبية .

هنالك أوقات ضائعة كثيرة في حياة الإنسان ، وكمثال على ذلك: سيره من المنزل إلى العمل وبالعكس ، وساعات الانتظار الكثيرة التي تتخلل حياته ، وساعات الأرق التي يستلقي فيها على فراشه.. ولو جمعناها لوجدناها أنها تمثل مساحة كبيرة من العمر ، فلا بد من التفكير الجاد في استراتيجية ثابتة ، لتحويل هذا الوقت المهدور إلى استثمار للأبد.. ومن نماذج هذا الاستثمار هو التفكير فيما ينفعه لاخرته أو دنياه ، ولو من خلال حديث ، او حكمة ، او آية لذلك اليوم .

إن من المناسب أن يعتاد المؤمن على الانشغال بالذكر – ولو كان لفظيا – فإن حركة اللسان تؤثر يوما ما على القلب .. ومن المعلوم أن القلب إذا إشتغل بذكر الله تعالى ، كان ذلك اكبر ضمانة لعدم الوقوع فيما يسخط الله تعالى، وبذلك لا تبقى دقيقة في حياته من دون استثمار لحياته الباقية.

إن من المؤسف حقا أن ينشغل البعض بمختلف أنواع اللهو ، بدعوى قتل الفراغ ، وكأن الوقت عدو لدود يجب قتله!.. فإن دلّ هذا على شيء ، فإنما يدلّ على انه نسى الهدف الذي خلق لإجله !.. ونسى أن مَـثـله في هذه الدنيا ، كمَـثل راكب استراح في ظل شجرة ثم رحل عنها.

إن مجرد التنقل من بلد إلى بلد ، بدعوى الاصطياف ، لا يُعدّ أمراً محموداً في حد نفسه ، ليبذل في مقابله الأموال الطائلة ، إذا لم تكن له ثمرة فاعلة في الحياة ، فلا بد أن تكون السياحة إما : ترويحاً للنفس ، من اجل العودة إلى ساحة العمل في الحياة بنشاط اكبر .. وإما كسبا لدرجة من درجات القرب من الله تعالى ، وذلك بشد الرحال إلى البلاد التي أمرنا الله تعالى بزيارتها..

إن المؤمن موجود هادف ومسؤول عن كل أموره ، فلا يكون اختياره للأمور اختيارا عشوائيا .. وعليه ، فلا بد من اختيار البلدان التي لا يخشى في السفر اليها ، على دينه ونفسه وأهله .. إذ ما هو الرجحان في بذل المال فيما لا يزيده من الله تعالى إلا بعدا؟.. وهو يعلم انه لا يزول قدمه عن الصراط يوم القيامة حتى يُسأل عن ماله فيما أنفقه.

إن البعض يتحلل من كثير من القيود عند السفر ، والحال أن الله تعالى رقيب ومطلع على العبد في كل حال.. فالمرأة العفيفة هي التي ترعى كل ما يوجب حفظ أنوثتها ، ولو كانت في غير بلاد المسلمين تمسكا بحجابها وعدم خوضها في ما يخوض فيه البطالون من النساء والرجال.

من اللازم الاهتمام الجاد بأمر المطعم والمشرب في بلاد الكفر ، فإن البدن إذا نبت على الحرام ، يتحول إلى آلة لارتكاب المنكر .. وحدود الله تعالى ينبغي مراعاتها في كل صغيرة وكبيرة ، إذ لعل المولى أخفى عقابه في محرم استصغره العبد ، ولو في أكلة أو شربة!..

علينا أن نراقب الأحداث ، والمراهقين عند اصطحابهم إلى بلاد يغلب عليها الفجور والمنكر ، فبعض الانحرافات تبدأ من تلك الأجواء الملوثة.. وكم من المؤلم أن يدفع الأب ولده – ولو من دون قصد – إلى مستنقع المنكر !.. وذلك بأمواله التي جعله الله تعالى قيّما عليها..

إن من الأمور اللازمة في السفر ، هو الاهتمام بأمور الصلاة ، وما يلازمها من الطهارة ، والوقت ، وغير ذلك .. فإن ظروف السفر تجعل الإنسان يهمل علاقته برب العالمين في مجال الأحكام الشرعية والسلوكية.. ومن المعلوم أن المؤمن يعيش حالة واحدة من الالتزام في جميع الأحوال ، سواء في حال الإقامة أو السفر .. إذ إينما تولوا فثم وجه الله.

من المناسب استغلال حالة إرتياح الاسرة في السفر ، وذلك بعرض المفاهيم والبرامج التي تحتاج إلى جو منشرح ومنبسط .. فإن القلوب والعقول ، أكثر استعدادا لتلقي الموعظة في السفر ، وبذلك نحوّل السياحة إلى برنامج فكري وتربوي ، لتحقيق العائلة النموذجية المؤمنة.

إن فترة الفراغ في الصيف نعم الفرصة لتقوية الجانب العلمي ، فيحسن بالمؤمن أن يتخذ لنفسه برنامجا ثقافيا منظما بدلا من المطالعات المتفرقة ، التي لا يخرج بعدها بحصيلة كبيرة .. ومن الواضح أنه من اللازم تقديم العلوم الأساسية للفرد المؤمن ، ومنها : التفسير ، والحديث ، والفقه..

إن المسلم سفير الإسلام أينما حلّ ونزل – وخاصة في بلاد الكفر – فلا ينبغي أن يسيء إلى عقيدته من دون قصد ، وذلك بالظهور بمظهرٍ لا يليق بالمسلم سواء : في الشكل أو التصرف.. وقد امرنا الإمام (ع) أن نكون دعاة لهم بغير ألسنـتـنا ..

إن من اجمل أنواع السياحة – وهذا حديث موجه للخواص – تلك السياحة الروحية التي يسيح الإنسان فيها بقلبه – وهو في الحياة الدنيا – إلى عالم ما وراء الطبيعة ( وهو ما يسمى بالموت الاختياري ) .. ومن المعلوم أن هذه اللذة المكتسبة في هذه السياحة المجانية والمتاحة دائما – وخاصة في جوف الليل – لا تقاس بلذائذ الدنيا ، فإن لذة المعية مع المحبوب الأول كيف تقاس بلذة مصاحبة مخلوقاته الفانية؟!.. ولهذا كان يصيح أحدهم في جوف الليل قائلا : ( أين الملوك وأبناء الملوك من هذه اللذة ؟).. ومن مفاتيح هذه الحالة ما قاله الامام العسكري (ع) : ان الوصول الى الله عز وجل سفر لا يدرك الا بامتطاء الليل .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى