الملفات الساخنة (احادیث الجمعه السابقه)

لنصل إٍلى نقطة الإنقلاب فى الحياة

إن بعثة المصطفى (ص) وإن كانت حدثا يعبر عن أعظم إكرام إلهي ، لأليق موجود بشري ، إلا أن في تلك دروس عامة لكل من يريد الاقتداء بسيد الرسل (ص) .. فالدرس الاول من تلك البعثة الشريفة هو : الدخول في دائرة الجذب الالهي للعبد ، التي من دخلها فقد دخل في عملية تصاعدية للاقتراب من مركز السعادة في الوجود.. وهل نبتغي السعادة عند غير من خلقها ، ومن هو الذي أدرى بموجباتها؟!..?

إن من موجبات الدخول في تلك الدائرة المقدسة هي تصفية الملكات الباطنية .. فالنفس الشريرة المليئة بلوث الشهوات والاحقاد ، ليست لها قابلية الانجذاب ، وإن صدرت منها الاعمال الصالحة .. إذ قد يجتمع حسن جارحة مع قبح جانحة ، وهناك فرق بين الحسن الفعلي والفاعلي ، كما هو معلوم عند اهله .. اننا من دعاة لزوم التخصص والتبحر في كشف الزوايا الخفية للنفس ، بدلا من الاغراق في الممارسات البدنية التي لا تغير جوهر العبد ، بل قد تزيده عجبا وانشغالا!!

طوبى لمن تكفله الله تعالى ، واخرجه من حالة اليتم وضياع الكفيل التي نعيشها جميعا ، وان لم نعترف بها !!.. فانظر كيف استخلص الله تعالى وليدا تتقاذفه أمواج النيل ، ليصبح كليمه في وادي طور سيناء ؟!.. وانظر كيف اختار الله تعالى من القى في وسط النيران المتأججة ، ليصبح بانيا لبيته الحرام ؟.. وانظر كيف اصطفى الله تعالى يتيم مكة ، ليخرجه من غار صغير لفتح ممالك الوجود أجمعها ، بإنسها وجنـّـها !.

لنتأمل مبدأ تفتح الاكمام الباطنية ، فإنه باب للامل واسع !!.. إن النبي (ص) الذي كان يعبد ربه بما امكنه من عبادة طوال 40 سنة ، انفتحت اكمامه في ليلة المبعث دفعة واحدة ، وإذا به يتحول من حالة التقرب الفردي الى حالة التقرب الأممي .. ومن المعلوم ان ذلك لم يكن وليد ليلة .. وانما ثمرة جهاد مستمر في طاعته..وعليه فمن اشتغل في عالم المجاهدة ورياضة النفس ، عليه ان لا يعيش حالة الاحباط بعدم تفتح اكمامه الباطنية في اول الطريق ، اذ قد يصلح الله تعالى أمره في ليلة ، فيتحول من عالم الى عالم يـُدرك ولا يـُوصف.

إن لازمة الفتوحات الربانية للعبد ، ليس الاشتغال بالذاتيات وطلب الخوارق والمقامات ، وإنما ضريبتها الانطلاق لشكر هذه النعمة من خلال تعريف القلوب التائهة بمصدر الالفة ، والحب الذي لا حدود له ، كعدم محدودية بافي شؤونه.. ومن هنا رأينا كيف ان المصطفى (ص) لما رجع من الغار ليقتحم صفوف أعتى العباد على الارض بما فيهم ( أبو لهب وأبو جهل ) فتأمل هذا النص لتدركك الرقة لما كابده النبي (ص) مع تلك الأمة الجافية : فلما نزلت هذه الآية : { وأنذر عشيرتك الاقربين } ، صعد رسول الله (ص) على الصفا فقال :يا صباحاه!.. فاجتمعت إليه قريش فقالوا : ما لك ؟.. فقال: أرأيتكم إن أخبرتكم أن العدو مصبّحكم أو ممسّيكم ، ما كنتم تصدقونني ؟..قالوا : بلى ، قال: فإني نذيرٌ لكم بين يديّ عذابٌ شديدٌ ، قال: أبو لهب : تباً لك ، ألهذا دعوتنا جميعا؟!.. فأنزل الله تعالى : { تبت يدا أبي لهب }إلى آخر السورة

ان من دروس البعثة ان الله تعالى لا يبقى وليه على حالة واحدة فهو الذي يقلبه من حال الى حال ، ليتعرف عليه في كل حال ، بلون من الوان المعرفة .. فالتجلي الالهي في ساعة الرخاء ، يغاير تجليه في ساعة الشدة والضراء ، مغايرة تامة يعرفهما من عاشهما .. ومن هنا لا يستوحش المؤمن من البلاء ابدا ، ما دام يرى الوجه الالهي ناظرا اليه بعين اللطف لما هو فيه.. فلذه تلك النظرة ، تذهب عنه كل هم وغم .. فالقلب الطليق لا يبالي بالقالب الحبيس..!

ان حياة النبي (ص) كانت تتراوح بين شدة وضيق .. فقد انتقل من سعادة المبعث الى عناء المحاصرة في شعب ابي طالب ، ومن ثم الى سعادة الانطلاق في أرض الحاكمية في المدينة بانتصاره الاول في بدر ، ثم الى مرارة هزيمة المسلمين في أحـد ، ثم الى سعادة العودة الى الوطن الاول فاتحا للبلد الحرام .. والمؤمن كذلك يقلبه الله تعالى بين شدة ورخاء ، ليؤجر اجر الصابرين والشاكرين في آن واحد.. وليعلم اخيرا انه لا مؤثر في الوجود الا هو !!.. وهذا اعظم درس من دروس الوجود.

ان من الممكن ان يكون لكل انسان بعثته.. فبعثته هو انبعاثه من ظلمة العالم السفلي الى انوار عالم الملكوت.. ومن أسر الشهوات الرخيصة التي تشترك معه دواب الارض – بل هوامها – الى السير في عالم الانفس والآفاق.. ومن ذلة المعاصي – العوبة بيد الشيطان – الى عز الطاعة ، تسديدا بملائكة الرحمة والالهام .. فمتى تكون بعثتنا ؟!.. فالوقت قصير، وكلما طالت فترة الجاهلية ، كلما قل الامل ببزوغ شمس الاسلام الاصيل على القلوب التي لم تعرف معنى الاستسلام لرب العالمين

ان توفيقات الاشهر الثلاث متراكبة .. فخيرات شهررجب ، مقدمة لتشعب الخيرات في شهر شعبان ..وهي مقدمة للضيافة الرحمانية الخاصة في شهر رمضان ، لتتوج اخيرا بخير ليلة قدر مرت علينا ، منذ ان شرفنا الله تعالى بقلم التكليف!.. فهل اعددنا له العدة من الآن ؟!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى