الملفات الساخنة (احادیث الجمعه السابقه)

الفرق بين الايمان التعبدي والمزاجي

إن هذه الأيام تمثل قمة العطاء الفكري والروحي، فالإنسان أعلى مد نفسي له في طوال السنة هي هذه الأيام المباركة.. فإذا خرج الإنسان من هذه الأيام ولم يتغير؛ فلا يرجى له التغير طوال عامه.. إذا كانت هذه الليالي بقيامها، إذا كانت هذه الأيام بصيامها، إذا كانت ليالي القدر بنفحاتها، إذا كان القرآن الكريم بتلاوته، إذا كانت هذه الأجواء المباركة بزخمها، إذا كان كل ذلك لا يؤثر؛ فإنه ينطبق على الإنسان المقولة المخوفة الواردة عن النبي (ص): (فإن الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم)!.. وبعض النصوص تشير إلى أن من لم يغفر له في شهر رمضان، فلا غُفر له إلا أن يشهد عرفة.. عن الإمام الصادق (ع): (من لم يغفر له في شهر رمضان، لم يغفر له إلى قابل، إلا أن يشهد عرفة).. ولكن شهود عرفة، لمغفرة الذنوب.. بينما هذا الكمال الذي ينبغي أن نحوز عليه في شهر رمضان، لا يمكن أن نحوز عليه في طوال العام، حتى لعله في يوم عرفة.

صور الإيمان المتذبذب:

– الإيمان الفصلي: لا شك أننا في هذه الحياة نعيش حالة من حالات التذبذب في الإيمان.. المعصومون استقروا في رحمة الله عزوجل، هم الذين ينطبق عليهم هذا الوصف: المستقرين في أمر الله، والتامين في محبة الله، كما نقول في الزيارة: (السلام على الدعاة إلى الله، والأدلاّء على مرضاة الله، والمستقرين في أمر الله، والتامين في محبة الله!).. هؤلاء ما غفلوا عن الله طرفة عين.. ولكن نحن البشر لنا حالات مد وجزر، فإيماننا ليس إيماناً تعبدياً مستقَراً، بل يختلف بحسب الأزمنة والفصول.. أو تعلم أن بعض الناس يصلي في شهر رمضان ولا يصلي بعده؟!.. هل تعلم أن البعض منا من بعد شهر رمضان إلى آخر شهر شعبان، لم يقرأ جزءاً من القرآن الكريم؟!.. وبعض النساء لا تتحجب إلا في شهر رمضان المبارك؟!.. هناك إيمان فصلي ينتهي بانتهاء فصله، وهذا نقص ذريع وبليغ في حياة الإنسان.

– الإيمان المكاني: بعض الناس عندما يذهب إلى الحج، أو إلى العمرة؛ فإنه يكون له في تلك البلاد وضع متميز، ولكن بمجرد أن يتجاوزها أمتاراً قليلة وإذا به يعود إلى ما كان عليه!.. إلى درجة أن البعض كان يستغرب أن هؤلاء الحجاج كانوا معهم في الحج، لما رأوه من سلوكياتهم المغايرة عما كانوا عليه في الحج!..

– الإيمان بحسب السن: هنالك مقولة بين الشباب: أن هذه الأيام نستغل الفرصة في بعض الشهوات، وإذا بلغنا سن الزواج عندئذ نتوب إلى الله عزوجل.. وهنالك عرف عند بعض الجاهلين والمنحرفين: أن لا يذهب إلى الحج إلا إذا أراد أن يتوب توبة نصوحة!.. يقول: بعد الحج لابد وأن ألتزم، فيؤجل الحج إلى سن الأربعين أو الخمسين أو ما شابه ذلك!.. أو يذهب أربع سنوات لإكمال الدراسة الجامعية في الشرق أو الغرب، فيقول: هذه سنوات أربع، وعلينا أن نعيش شهواتنا، ونعيش الملذات؛ فإذا رجعنا نلتزم!.. أنت تخدع من؟!.. تخدع من يرعاك صباحاً ومساءً؟!.. ومن الذي ضمن لك التوبة؟!.. إن هذا الشيطان إذا ركب بني آدم، فإنه يوقعه تحت سيطرته ولا يدع له مجالاً لأن يخرج عليه، كما في قوله تعالى: {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً}.. أحتنك مأخوذة من الحنك؛ أي أن الشيطان يضع لجاماً تحت فم الإنسان، كالحمار الذي يسوقه يميناً وشمالاً.. القرآن عبر عن الشيطان بأنه يسوق البعض كما يسوق أحدنا دابته!.. فيا لها من عاقبة!.. وما أعظمه من تحقير!..

– الإيمان بحسب الحالات: هناك مقولة أيضاً عند الجاهلين، وعند الغافلين: أن ليلة العرس هي ليلة العمر، ليلة واحدة في العمر لا تتكرر، فيتحررون من كل القيود في هذه الليلة، وكأن هذه الليلة رفع فيها التكليف ورفع القلم!.. وإذا بهذا الرجل المؤمن أسير بيد النساء، يجلس على الأريكة والنساء من حوله يرقصن وينظرن نظرات مريبة، بلا حجاب ولا حساب ولا كتاب!.. فهل هذا هو الإيمان؟!.. في حين أنه رأينا أن البعض في ليلة زفافه لا ينسى إقامة صلاة الليل بشرطها وشروطها، ويدعو العروس إلى أن لا تقترب منه إلا بعد أن تؤدي ما عليها من فرض الله ونفله.

فهذه صور من صور الإيمان المتذبذب: بحسب الزمان، وبحسب المكان، وبحسب السن، وبحسب الحالات.

أثر الإيمان المتذبذب:

– الإقتداء السلبي: من أخطر موجبات الانحراف في الأسر، هذا التناقض في السلوك للأبوين، أن يكون الرجل له حسن خلق في خارج المنزل أمام الناس، وله سوء خلق في داخل المنزل.. ويصل الأمر في بعض الأسر إلى هذا الواقع المؤلم، أن يرى الابن أباه يرتكب المنكر، ويريد أن ينهاه عن ذلك، ولكنه يخاف من غضبه.. أحدهم كان يسأل: يقول والدي له أشرطة خلاعية محرمة، فهل يجوز لي أن أمسح ذلك من دون إذنه، وأنا أخاف من غضبه إذا اطلع علي؟!.. فالذي يرى هذا التناقض في السلوك في أبويه؛ من الطبيعي أن يخرج عن جادة الإيمان، ووزره عليهما؛ إلا إذا عصمه الله عزوجل كهذا الأخ السائل الذي جعل الله نور الإيمان في قلبه، وهو يخاف من غضب أبيه في النهي عن المنكر.. ولهذا ورد في الروايات أن الأب إذا أخر في تزويج الولد وهو متمكن، وزنى الولد، فإن للأب دور في هذا الأمر، ويحاسب يوم القيامة، لأنه لم يتح له الفرصة لتحصين دينه.

– الضربات الإلهية القاصمة: ينبغي أن يحذر الإنسان من ارتكاب الذنب بعد التوفيق للطاعة.. مثلا: هناك إنسان جاءته نفحة من نفحات القدس: رزق حجاً مؤثراً، أو رُزق عمرة مؤثرة، أو عاش ليالي قدر مباركة؛ فليعلم أن الذنب الأول بعد حالات الإقبال قاصم للظهر.. أنت عندما تخرج من المسجد وتذهب للعمل أو إلى السوق، عندما تنظر إلى امرأة أجنبية بشهوة، ترى بأنك سقطت من الثريا!.. أنت كنت قبل قليل في المسجد، أو كنت في الأمس في الحج، أو العمرة، أو كنت قبل أيام في ليالي قدر مباركة؛ وإذا بك تتنزل إلى هذا المستوى!.. ولهذا في شهر شوال نلاحظ بأن البعض يصل إلى أدنى مستوى من الإيمان، وهذا مجرب.. أين شهر شعبان وأين شهر شوال؟.. مرت علينا ثلاثة شهور مباركة، وهذه الشهور شهور الغسيل والتعقيم والتنظيف، وإذا بنا في شهر شوال، نرى قلوبنا كالخرقة البالية.. لا في شوال، بل في اليوم الأول من العيد، نرى بوناً شاسعاً، بين أمسنا وبين ظهر اليوم الأول من يوم العيد يوم الفطر المبارك!..

إن الإنسان يستجير بالله عزوجل من حلول سخطه، وكأن هذا السخط عذاب بين السماء والأرض، قطع من النار، ولكن الله عزوجل لبعض الأمور، ولبعض الموانع، لم ينزل العذاب على العبد.. فتتراكم المعاصي وتتراكم، وإذا بالله عزوجل ينتقم منه في آن واحد!..

وعليه، فلنحذر من غضب الله عزوجل!.. لأن الله عزوجل لا يغادر صغيرة ولا كبيرة في كتابه إلا وقد أحصاها.. فنعوذ بالله عزوجل من حلول ذلك الغضب المقدر!..

امتلاك حالة اليقين:

إن الحل للخروج من حالة الإيمان المتذبذب، هو أن يصل الإنسان إلى مرحلة اليقين.. لا ينبغي أن يكتفي الإنسان في هذه الأيام المباركة بالصيام والقيام وتلاوة القرآن؛ بل ليجعلْ هدفه في هذا الشهر: المصالحة مع رب العالمين، وامتلاك حالة اليقين.. ذلك الذي كان في مسجد الرسول-أيام النبي الأعظم (ص)-، لما رآه النبي (ص) في تلك الحالة وهو يخفق برأسه سأله: كيف أصبحت يا فلان؟.. وإذا به يجيب: أصبحت يا رسول الله موقنا!.. ولما سأله عن علامة يقينه، أجاب: فإنّ يقيني يا رسول الله هو الذي أحزنني، وأسهر ليلي، وأظمأ هواجري.. نعم، حالة اليقين هي التي تجعل الإنسان يتحرك في الحياة بما يرضي الله عزوجل.. قال الصادق (ع): (إن رسول الله (ص) صلّى بالناس الصبح، فنظر إلى شاب في المسجد وهو يخفق ويهوي برأسه مصفرّا لونه، قد نحف جسمه، وغارت عيناه في رأسه، فقال له رسول الله (ص): كيف أصبحت يا فلان؟.. قال : أصبحت يا رسول الله موقنا.. فعجب رسوله الله (ص) من قوله وقال له: إنّ لكل يقين حقيقة، فما حقيقة يقينك؟.. فقال: فإنّ يقيني يا رسول الله هو الذي أحزنني، وأسهر ليلي، وأظمأ هواجري، فعَزَفت نفسي عن الدنيا وما فيها، حتى كأني أنظر إلى عرش ربي وقد نصب للحساب، وحشر الخلايق لذلك وأنا فيهم، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتنعمون في الجنة ويتعارفون على الأرائك متكئون، وكأني أنظر إلى أهل النار وهم فيها معذبون مصطرخون، وكأني الآن أسمع زفير النار يدور في مسامعي).

إن الذي يرى الله عزوجل ناظراً له في كل حال، فهل هنالك بيت وخارج بيت؟.. هل هنالك عمرة وخارج عمرة؟.. هل هنالك شهر رمضان وخارج شهر رمضان؟.. الأيام والأماكن متساوية في هذا المعنى، من حيث الرقابة الإلهية.. ولهذا علينا أن نسعى لامتلاك حالة اليقين تدبراً وتأملاً ودعاءً والتجاء.. علينا أن ندعو بهذه الأدعية صباحاً ومساء، لنصل إلى حالة اليقين بين يدي الله عزوجل: اللهم، هب لي يقيناً يذهب الشك عني!.. هب لي نور الإيمان!.. إملأ قلبي بنور البصائر!..

ملاحظات اجتماعية:

بمناسبة هذه الأيام، أيام اجتماع المؤمنين، والقلوب متأثرة ورقيقة، فالجوع يرقق القلب.. ومن المعلوم أن الحكمة تعطى للإنسان الذي يصرف نفسه عن بعض الشهوات.. ولهذا يقال: أن حكمة النهار قد تكون أبلغ من الليل في شهر رمضان.. ولهذا أستغل هذه الفرصة لطرح بعض الملاحظات السريعة الاجتماعية، وإن كان هذا الكلام لا يختص بشهر رمضان، ولكنها فرصة من فرص السنة:

– الرقص في الأعراس: الملاحظ أن بعض الناس أو بعض النساء -والحديث موجه بشكل خاص للأخوات المؤمنات- كأنه في أيام وليالي العرس يخرج من طوره، حتى من قواعد العقل السليم، ويقوم بحركات غير موزونة.. مسألة الرقص في الأعراس مسألة خلافية، وينبغي لكل إنسان أن يرجع إلى مقلده، والبعض يرى بأنه يجوز، والبعض يرى بأنه غير جائز ولو على مستوى الاحتياط الوجوبي.. ولكن بغض النظر عن الفتاوى، فهل من اللائق بإنسان وقور، أو إنسانة مؤمنة وقورة، القيام بهذه الحركة؟!.. هل لابد من أن تبرز فرحها بحركات غير لائقة؟.. هذا الرقص حالة من حالات الخروج عن الاتزان.. ولهذا البعض منهن يطلب عدم نشر صورهن؛ لأن هذه الحركة -وخاصة إذا كانت حركة مسجلة بالأفلام المتحركة- شبيهة بالجنون، وللجنون فنون كما قالوا!.. ألا يمكن إبراز الفرح بأي بشكل من الأشكال غير هذه الطريقة!.. البعض يحرم الرقص، فما دام هنالك فتاوى تحرم، فالإنسانة المؤمنة الورعة، والإنسان المؤمن، يحاول أن يتجنب ذلك.. لو اطلع عليك صاحب الأمر وأنت في هذه الحالة، وأنتِ في هذه الحالة، ماذا يكون وضعك عند صاحب الأمر؟!.. ألا يتوقف الإنسان عن عمله؟!.. أليس رب العالمين ينظر إليك وأنت تعمل ذلك؟!..

– مسألة الحجاب: الملاحظ على بعض المؤمنات عدم مراعاة الحجاب.. وقد سمعنا أنه حتى على أبواب المساجد والمآتم، لا تراعى الحرمة!.. حيث تحضر المرأة للمسجد وهي بزينتها في وجهها، والبعض وقع في الحرام على أبواب المساجد، عندما ينظر إلى فتاة جميلة متزينة.. فلمَ هذه المفارقة؟!.. فهي جاءت لاستماع مجلس الحسين (ع)، وإذا بها تخرج بوزر ما بعده وزر!.. على الأخوات المؤمنات مراعاة ذلك.. وهذا الدين دين تعبد.. فالتبرج ولو بأدنى درجاته، ككشف الشعرة الواحدة، أمر ليس مقبولاً أبداً.. ومن المعلوم أن طبيعة الإنسان أنه يعتاد هذه الأمور.. فاليوم زينة خفيفة، وغداً زينة غليظة، وغداً خصلة من الشعر، وبعد غد مقدمة الرأس، وهكذا الإنسان ينجرف إلى حالة سلبية من هذه الناحية.

– الإسراف في الأموال: لابد أن يكون الإنسان حكيماً في كل سلوكياته.. فلا ينبغي -وإن كان الإنسان مقتدراً- الإسراف في المال، وصرفه في غير موارد الضرورة والحاجة.. والحق، أن البعض يصدق عليه اللعب بالأموال!.. يلعب بأمواله، ويعامل المال معاملته لهذا المنديل الورقي، في المطعم والمشرب، وفي اقتناء زينة المنزل.. تدخل بيوت بعض المؤمنين، فترى زينة هنا، وزينة هنا، ولوحة هناك، وإذا به عمل متحفاً في منزله.. إن المؤمن أخف من ذلك.. فهذا سلمان عندما احترقت المدينة خرج ببعض أدواته البسيطة، بإبريق وما شابه، وقال: فاز المخفون.. فلماذا هذه المبالغة؟.. والبعض يبيع ذلك بأبخس الأثمان بعد أن اشتراها بأعلى الأثمان.. فما أجمل أن يكون المؤمن بسيطاً في عيشه، وأن يخفف من حياته!..

– إطعام الصائمين: من الأمور المستحبة في هذا الشهر الإطعام، ولذلك فالأغلب يسعى في هذا المجال.. ولكن حاول أن تصفي النية في هذا العمل، لكي لا تحرم من الثواب.. فلا تكون النية للمباهاة والتفاخر أو المجاراة.. لماذا الإنسان يكلف على نفسه، تعباً في البدن، وصرفاً للمال.. أو المرأة المسكينة تتعب من الصباح إلى الليل من دون أن تؤجر؟.. فعلينا أن ننظر إلى هذا الأمر، وخاصة في هذه البلاد حيث الأموال بيد الناس.. قال تعالى: {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}.. فأنت خليفة على هذا المال، فلتنظر كيف تحسن التصرف في ذلك!..

– سوء الخلق: في شهر رمضان باعتبار الصيام، البعض يزداد خلقه سوءاً، وفي مقام العمل يقصر في جانبه الوظيفي بدعوى أنه صائم.. ومن المعلوم أن عملية الصوم مقدمة لتربية النفس، على الكف مما لا يرضي رب العالمين.. فعلينا أن نحاول الخروج من هذا الشهر، وليست هنالك تبعة لعبد من العباد علينا في هذا المجال.

– الاستماع للموسيقى: هذه الأيام نلحظ شيوع مسألة الموسيقى بين المؤمنين، بدعوى أن هذه موسيقى كذائية وجائزة.. والواقع أنها موسيقى بكيفية لهوية مطربة.. إن المؤمن أجلّ من ذلك.. ومن المعلوم أن الفارق بين الحلال والحرام في الموسيقى فارق بسيط.. فإذا شككت في الأمر، لا تقل أنه كل ما شك فيه، فهو جائز.. المؤمن حذر، ويجنب نفسه الوقوع في الشبهات، وقد ورد أن (من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه).. أضف إلى أن الآذان التي تألف الموسيقى المحللة المشتبهة، يصل بها الأمر في يوم من الأيام أن لا تميز بين الحلال والحرام.. إذا كان الأب ينظر إلى بعض الأفلام المشتبهة، وله القدرة على التمييز، فماذا عن هذا الطفل المراهق، أو هذه البنت الصغيرة التي لا تميز!.. الأب هو القدوة لأبنائه، غداً هذا الطفل أيضاً يتذرع، يقول: أبي ينظر إلى المسلسلات الفكاهية الماجنة، أبي يسمع الموسيقى الكذائية.. فلا يرى في هذه الأمور أي استنكار، وينجرف في الهاوية.. ولا يميز بين الموسيقى الكلاسيكية وغير الكلاسيكية، وبين الإيقاعية وغير الإيقاعية، ومثل هذه التعابير الهلامية الزئبقية.. فعليك بتوقي هذه الأمور، ولا تحاول أن تجعل للشيطان سبيلاً إلى نفسك.

والحق، أن المؤمن أجلّ من أن يصرف وقته لاستماع غناء.. ومن العجيب أن ترى بعض المؤمنين يضع في سيارته موسيقى، بدعوى أن هذه موسيقى لتهدئة الأعصاب!.. نعم، يصل الأمر بالمؤمن أن يغفل عن قوله تعالى: {أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}، ويصل أمره إلى أن يهدئ أعصابه بأصوات موسيقية!.. أي هدوء هذا الذي تجلبه لك الموسيقى!.. هذه الأيام الأشرطة متوفرة والإذاعات المختلفة يتلى منها كتاب الله عزوجل، والمواعظ النافعة؛ لا يسمعها، وإنما يصغي إلى هذه الأمور المشتبهة!.. الورع في الدين طريق النجاة.

– مراعاة المأكول والمشروب: من الأمور التي هي معرض الابتلاء كثيراً، مسألة عدم الاحتياط في المأكل والمشرب.. والحال أنه ينبغي للمؤمن أن يكون في هذه الناحية في غاية الاحتياط، خشية تأثير الطعام الحرام على سلامته الروحية.. ولتعدد أصناف الأطعمة هذه الأيام، ينبغي النظر إلى مكونات هذه الأطعمة.. فعندما تذهب إلى الجمعية للشراء، لا تأخذ من كل ما هب ودب، بدون أن تنظر وتثق في مكوناته.. وهذه الأيام حتى أبسط الأشياء لا يُؤمن من احتوائه على الحرام.. ولعل من المضحك أن بعض الشركات تكتب على الطعام، هذا الخبز -مثلاً- حلال؛ لكثرة ما يستعمل الحرام فيه!..

وهناك بعض المواقع فضحت بعض الشركات التي تستعمل الحرام بعينه، التي تستعمل لحوم الخنزير وما شابه ذلك.. فرفقاً رفقاً بالعائلة!.. رفقاً بالأولاد!.. لو أن أحدنا تخرج شائعة في دولة ما: أن المواشي في تلك البلدة مصابة بآفة، فإذا بالإنسان يقاطع البلد بأكمله.. نعم، في عالم الصحة البدنية هكذا يوسوس، هكذا يتورع؛ أما في عالم القلوب الباقية لا يتورع عن ذلك.. نعم، هذا الشهر شهر الورع؛ فعلينا أن نحتاط في هذا الأمر كثيراً؛ فإن الاحتياط طريق السلامة دائماً!..

– الاستعداد ليالي القدر: أما وقد شارفنا على منتصف هذا الشهر الكريم، أي قد اقتربت ليالي القدر المصيرية؛ فإن علينا الاستعداد لهذه الليالي.. وإن كان بالإمكان التفرغ وأخذ إجازة هذه الأيام، أو على الأقل في ليالي القدر الحاسمة؛ للاستعداد للتحليق التدريجي.. لكي تكون هذه الليالي المباركة في شهر رمضان خير ليالٍ قدر مرت علينا، ويكون شهرنا هذا خير شهر رمضان مر علينا، منذ أن كُلفنا بالتكليف.. وما ذلك على الله بعزيز، أن يفتح علينا من أبوابه، وهو القائل سبحانه وتعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}!..

– معرفة إمام الزمان: إن البعض يسأل عن معنى المعرفة في هذا الحديث: (من مات ولم يعرف إمام زمانه، مات ميتة جاهلية).. طبعاً هذه الرواية من الروايات المثبتة لوجود ولإشراف صاحب الأمر (ص) في هذا العصر.. المراد بالمعرفة هنا ليست المعرفة الدقيقة التفصيلية البرهانية العلمية، بل المعرفة الإجمالية: أن يعلم الإنسان أن لكل عصر إمام.. فلولا الحجة لساخت الأرض بأهلها.. نحن نقرأ في سورة القدر: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ}.. {تَنَزَّلُ} فعل مضارع أي يفيد معنى الاستمرارية، ما قال تنزلت على النبي (ص) وانتهى الأمر، وإنما في كل عصر الملائكة تتنزل.. ولكل تنزل لابد من وجود من تتنزل عليه المقدرات، ألا وهو الإمام في كل عصر.

– الأسلوب الأمثل في ترغيب الأبناء في الواجبات والمستحبات: يقول أحد العلماء: (حببوا أولادكم بالطاعات، ولا تفرضوها عليهم).. إن الملاحظ أن بعض الآباء والأمهات يعاملون المكروه معاملة الحرام، ويعاملون المستحب معاملة الواجب؛ وبالتالي تضيع الأمور.. فالصلاة في أول الوقت أمر مستحب، ولكن الآن هذه البنت المكلفة الصغيرة أو الولد، ما عنده مزاج، أو عنده واجبات منزلية، فينبغي أن يراعي الأبوين ذلك.. نعم، الأفضل أن يصلي في أول الوقت، ولكن الأب، أو الأم التي لها حالة من حالات التقوى مثلاً، تبالغ في الأمر والنهي والغضب والصياح، وقد تضرب البنت، وتصيح: لماذا لا تصلي في أول الوقت؟.. لماذا لا تحضر المأتم أو المسجد أو ما شابه ذلك؟.. لابد من الحث، ولكن لا ينبغي أن ننهى عن المكروه كما ننهى عن الحرام.. وإلا إذن فما الفرق بين الحرام وبين المكروه؟!.. أو بعض الآباء إذا رأى الولد على التلفزيون يشاهد أفلام الكرتون أو يتصل بأصدقائه، وكأنه ارتكب كبيرة من الكبائر!.. حاول أن تميز بين المكروه والحرام، قل له: هذا الأمر جائز، ولكنه لا يحسن يا بني.. أما إذا وصل الأمر إلى ارتكاب الحرام، فهنا ينبغي أن يكون الموقف قوياً، ليكون ذلك ردعاً وزجراً لهم عن معاودته ثانية.

وينبغي أن نلتفت إلى أن الغضب الكثير لا يؤثر الأثر المطلوب.. فالأب والأم لهم مئة طلقة -مئة مرة- غضب مؤثرة.. فإذا استعمل هذا الغضب في محله، فإنه يؤثر.. وإلا فالأب الذي يصيح على كل صغيرة وكبيرة، فما قيمة كلام هذا الأب؟.. بل يقال أن والدنا متعود على الصياح.. وحتى لو كان الحق معه، لا يعمل بأمره.. لهذا نلاحظ بعض الأبناء يُضرب وهو يضحك على أبيه.. وهذه حالة جداً سيئة، أن يأخذ الولد صورة أن مزاج والده العصبية على كل صغيرة وكبيرة، وهذه حالة جداً خطيرة في هذا المجال!..

ثم إن من الأساليب المؤثرة في تربية الأبناء التشجيع والتحفيز.. لقد كان بعض علمائنا الأبرار رغم فقرهم، يعطون شيئاً من المال، ومن التشجيع.. ولكن نلاحظ أن هذا الأمر مغفول عنه بل منسي عند الآباء!.. الولد اليوم جاء المسجد، أو صلى صلاة الليل مثلاً، أو جاء إلى المأتم، أو قام بحركة جميلة، ولا نحاول أن نشجعه بمكافئة بشيء، ولا بكلمة من كلمات الترحيب والتشويق.. فطبيعة الإنسان أنه يحتاج إلى تشجيع ليمضي قدماً إلى الإمام.. وهنيئاً لمن كان له دور ولو بكلمة في صنع إنسان وتقويم طريقه!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى