الملفات الساخنة (احادیث الجمعه السابقه)

كيف نتحكم فى ضوابط الضيق والإنشراح ؟

إن من الموضوعات الشاغلة للكثيرين، موضوع الفرح والحزن.. ومن التساؤلات التي تطرح حول هذا الموضوع أنه: متى نفرح، ومتى نحزن؟.. وإذا ابتلينا بالحزن الدائم والكآبة المتصلة، فما هو علاج ذلك؟.. وهل أن الفرح أو الكآبة في كل حالاته يعد حالة سلبية، أو أنهما حالة إيجابية؟.. إن البعض لا يعلم متى يفرح ومتى يحزن، ولا يعلم أن فرحه هو مطلوب ليستمر عليه، أو أنه غير مطلوب ليقطع فرحه.. ونحاول هنا أن نناقش هذه المسائل..

إن هنالك مجموعة قواعد حول هذا الموضوع، وعلماء الأخلاق وعلماء السير والتربية بحثوا مسألة القبض والبسط في كتبهم كثيراً؛ لأن الإنسان المؤمن وغير المؤمن، يحب أن يكون مبسوطاً دائماً.. فالقبض والكآبة والقلق والهمّ والغم، خلاف مزاج أغلب الناس، بل جميع الناس.. فالإنسان لا يحب أن يكون في حالة من حالات الضيق والكآبة، وطبيعة النفس تميل إلى الفرح وإلى السرور.

قاعدة اتهام النفس:

إن المؤمن إذا رأى في نفسه ميلاً إلى شيء، فليتهم نفسه.. فإن طبيعة الإنسان ميالة إلى اللعب واللهو، وأمارة بالسوء، لا تميل إلى الباقيات المجردة، بل تميل دائماً إلى الحاليات المادية.. فإن وجد ذلك مطابقاً للعقل والشرع، مضى فيه، وإلا توقف عنه.. فالإنسان لو تمنيه بمكاسب أخروية مؤجلة معنوية، وهناك مكاسب دنيوية معجلة ومادية؛ فإن طبيعة النفس تميل إلى الثاني.. ولهذا في الحديث الجميل يقول: (طوبي لمن ترك شهوة حاضرة، لموعودٍ لم يره)!.. كما فعل يوسف (ع)، حيث تجاوز عن شهوة حاضرة مع زليخا، لموعود لم يره.. وها نحن إلى يومنا هذا نرى هذا التخليد الذي حظي به يوسف (ع) في القرآن الكريم، الذي لعله لم يحظ به نبي كما حظي به يوسف (ع).. فمن أول السورة إلى آخر السورة -تقريباً-، وهي تحوم حول نبي الله يوسف (ع)، من صغره، إلى غيابات الجب، إلى السجن، إلى أن أصبح عزيزاً.

قاعدة الفرح المذموم والفرح المطلوب:

القاعدة العامة أن الإنسان يفرح بالحياة الدنيا، غير أن الإسلام حارب هذا النوع من الفرح الذي يوصل الإنسان إلى حالة البطر.. إن البعض قد لا يفهم الحديث، ويقول بأنك تدعو إلى أن لا نكون مستبشرين في هذه الدنيا، فأنت بهذا الكلام تريد أن تسلب منا حالة الاسترخاء وحالة الارتياح والأنس بهذه الحياة!..

ولكن نحن لا نعني ذلك.. القرآن الكريم يرينا نموذجاً من الذين فرحوا بلا وجه، قال تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ}.. فهل رأيتم في هذه الأيام ثرياً من أثرياء الدنيا، مفاتيح خزائنه تحتاج إلى حمالين مثلاً؟!.. وما فائدة هذه الكنوز التي توجب لصاحبها حالة البطر، والتي أصبحت وبالاً عليه؟!.. ونلاحظ أنه رغم أن هذه الكنوز صارت وبالاً عليه إلا أن الله عزوجل يقول: {وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ}.. وفي هذا إشارة إلى نوع من أنواع الاستدراج للإنسان، حيث يملي الله عزوجل عليه بالنعم مع ما هو عليه من عدم الاستحقاق، ثم يأخذه فجأة بالعذاب الأليم.. فينبغي للإنسان أن يجأر إلى الله عزوجل ألا يستدرجه بالنعم.. قال تعالى مشيرا إلى عاقبة هذا الإنسان: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ}.. ومن المعلوم -كما يستفاد من بعض النصوص- أن قارون لازالت الأرض تسيخ به.. فنعوذ بالله تعالى من هذا الفرح الذي يوصل لمثل هذه العاقبة!..

ثم لنلاحظ نصيحة قومه له: {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}:

أولاً: من الواضح أن هؤلاء الذين قالوا لقارون: {لَا تَفْرَحْ}، أنهم جماعة مؤمنة متفهمة، والدليل على ذلك أنهم قالوا: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}، فهذه المقولة لا تصدر إلا من الإنسان الواعي المتوجه، ومن ذلك يفهم أن قارون كان ضمن جماعة المؤمنين.

ثانياً: نحن نفرح في كثير من ساعات حياتنا: فعندما نجلس مع الأهل نفرح، وعندما نرى أرحامنا نفرح بهم، فما معنى هذه الآية: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}؟.. هنا علينا أن نلتفت أن المراد بالفرح في هذه الآية، هو الفرح المشغل المذهل عن الله عزوجل، كفرح قارون.. وإلا فمن المعلوم أن للصائم فرحتين: فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقاء ربه.. فسعادة معجلة للصائم عند الإفطار، أنه أنهى يوماً كاملاً.. وفرحة عند لقاء ربه بالموت، أو في عرصات القيامة، وفي الجنة؛ لما يرى من الأجر العظيم.

فإذن، ينبغي للإنسان أن يختبر حالة الفرح لديه: فإذا رأى أن الفرح له منشأ وجيه، مثلاً: أحسنت إلى مؤمن، أو وصلت رحماً، أو جاءتك نفحة من نفحات القدس في ليلة من ليالي القدر، أو تلاوة للقرآن بتدبر وبتلذذ، أو قمت لصلاة الليل من بعد إرهاق، وكنت لا تتوقع من نفسك ذلك.. فهذه الأمور من الطبيعي أنها توجب الفرح، بل نحن مأمورون أن نفرح مثل هذا الفرح، لقوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}.. ولنلاحظ: هنالك قال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}، وهنا قال: {فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}، وبذلك يتضح لنا الفرح المذموم والفرح المطلوب.

قاعدة الموازنة: الجمع بين العالمين:

ثم يقول تعالى في الآية التالية: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}.. وفيها إشارة إلى الموازنة بين الدنيا والآخرة.. ولكن ليس المطلوب أن نوازن بينهما بالتعادل؛ أي نعطي لكل منهما خمسين.. فإن الأساس والخطة العامة في الحياة هو أن نصل إلى رضوان الله عزوجل، وأن نعمر الآخرة.. فإذا كان متاع من متاع الدنيا صادم أو نافس الدار الآخرة، فإن هذا الأمر ليس بمطلوب أبداً.. ولهذا نحن نلاحظ أن القرآن الكريم عندما يصل الأمر للآخرة يقول: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ}، ولكن عندما يصل إلى الدنيا يقول: {وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}.. أي أن الاهتمام بأمر الآخرة هو الهدف الأصلي، ولكن لا بأس- تخفيفاً على الإنسان- بالانشغال بشيء من متاع الدنيا.. فله أن يدخر مبلغاً من المال، ويهتم بمستقبل أولاده، وبصحته وعافيته.. {وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ}: أي هذه الدنيا حولها إلى طاقة للآخرة بالإحسان إلى الغير.. {وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}.

الفرق بين الفرح الدنيوي والفرح الأخروي:

إن البعض يعيش حالة الاغترار بمتاع الدنيا، فلا يرى أبعد من ذلك، مع أننا نلاحظ أن القرآن الكريم يذم هؤلاء ذماً شديداً، ويشبههم بالأنعام: {يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ}.. ولهذا البعض يذهب إلى بلاد يخاف فيها على الدين، طلباً لما في المتاع الزائل هناك.. ومن هنا من المناسب أن نعقد مقارنة بين الفرح الدنيوي والفرح الأخروي، فلعل هذا الحديث ينفع البعض من أهل الدنيا.

إن الفرح المادي يحتاج إلى مقدمات معقدة ومكلفة ومرهقة، فمثلاً: إنسان يريد أن يأكل وجبةً شهية، فلابد وأن يجعل في جيبه مالاً، ولابد وأن يقصد ذلك المكان، فيأخذ جهداً من عمره ومن وقته إلى أن يصل إلى المبتغى.. أو إنسان يريد فتاة، ودون الوصول إلى تلك الفتاة هنالك عشرات الموانع الاجتماعية والقانونية وغير ذلك.. ولهذا نلاحظ أن أهل الدنيا يترددون بين فرح وضيق، وساعات الضيق عندهم أكثر من ساعات الفرح، لأن أهل الدنيا لهم مبتغيات كثيرة، وطموحات وآمال، وآمالهم بالعشرات.. ومن المعلوم أن هذه الدنيا دار ضيقة ومواردها محدودة، ومن الطبيعي ألا يحقق الإنسان كل ما يريد.. فكما في مضمون حديث قدسي: إن الناس يطلبون الراحة في الدنيا، والله عزوجل جعلها في الآخرة.. (… ووضعت الراحة في الجنة، وهم يطلبونها في الدنيا فلا يجدونها).. ومن هنا أهل الدنيا كثيراً ما يصابون بالانتكاسات؛ لأن مطالبهم كثيرة، ومهما حاول الإنسان فإنه لا يحقق نصف مآربه، ودائماً يعيش عملية الإخفاق، فحاله كما يقول الشاعر:

ما كل ما يتمناه المرء يدركه *** تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

بينما المؤمن همومه الكبرى في متناول اليد.. فهمّه الأعظم هو رضا رب العالمين، وتحقيق هدف الخلقة والوجود، كما يقول تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}.. ولهذا فهو إما محسن، وإما مسيء.. فإذا كان محسناً، فهو يعيش الفرح الأعظم؛ لأنه يعيش حالة القرب والود والاتصال بمبدأ الغيب.. وإذا كان مسيئاً، فالأمر لا يكلفه إلا انتظار جوف الليل، فيفرش سجادته ويقف بين يدي الله عزوجل، ليصلي ركعتين خفيفتين بتوجه -مع غسل التوبة قبل ذلك، زيادةً في الاحتياط-، ثم يسجد ويقول سبعين مرة: يا ربي، أستغفرك وأتوب إليك!.. ويقول: مني ما يليق بجرمي، ومنك ما يليق بكرمك!.. إلهي، قبح الذنب من عبدك، فليحسن العفو من عندك!.. وإذا به يرى المياه، قد عادت إلى مجاريها.. ولهذا نحن نرى بعض الصالحين الابتسامة دائماً على وجوههم، ويعيشون حالة الارتياح.. وسمعنا أن بعضهم حتى في ساعة الاحتضار يمزح كالأيام الأخرى، بل يزداد ارتياحاً ومزاحاً؛ لأنه على وشك استقبال الحور العين بعد لحظات قليلة.

فإذن، إن الفارق بين الفرح المادي والفرح المعنوي هو: أن الفرح المادي مقدماته جداً مختصرة ومطوية.. ولهذا لم نسمع يوماً من الأيام أن مؤمناً متكاملاً -المؤمن لا يطلق على المصلي والصائم، بل المؤمن يطلق على الشخصية المتكاملة في كل أبعاد الحياة- انتحر، أو انهار عصبياً، أو سلب عقله، أو راجع عيادةً نفسية.. فهذا الأمر غير متعارف في حياة المؤمنين؛ لأن دواءه هو ما ذكره القرآن الكريم: {أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.. فها هو سيد الشهداء -هذا الإمام الذي لم يغفل عن الله تعالى طرفة عين، حتى في ساعاته الأخيرة- يوصف في المقاتل: أنه كلما اشتد عليه البلاء، أشرق لونه الشريف.. وكان بعض أصحابه يمزح ليلة أو نهار عاشوراء، فاسُتنكر منه ذلك، أن هذه ليست بساعة مزاح، وإذا بالجواب: أنه لمَ لا نفرح، ونحن بعد قليل ننتقل إلى ذلك العالم الجميل؟!..

الحكمة الإلهية من الابتلاء بالضيق:

يقول الإمام الصادق (ع): (ما من قبض ولا بسط، إلا ولله فيه مشيئة وقضاء وابتلاء).. إن قلب المؤمن عرش الرحمن، فلا يمكن الادعاء أن الإنسان المؤمن لا يبتلى بالضيق، بل أنه في بعض الأوقات تنحبس أنفاسه.. ولهذا نلاحظ أن الله تعالى يخاطب نبيه المصطفى (ص): {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ}.. إن الضيق للمؤمن قد يكون أمراً لابد منه، قضاءً محضاً، هبة من الله عزوجل، يدفعه إليه؛ ليكفّر عن سيئاته، وليعلم أن المتصرف هو رب العالمين.. وإلا فإذا عاش البسط دائماً، وإذا عاش الفرح دائماً؛ فإنه قد يركن إلى ما هو فيه.. ولكن تأتيه وجبة ضيق، فتضيق به الأرض، وتضيق أنفاسه، ليتكلم مع رب العالمين.

إن شرح الصدر من النعم الكبرى التي يتمناها كل مؤمن، ولهذا فإن الله تعالى يذكر نبيه (ص) في قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} بهذه النعمة.. وليس المراد بشرح الصدر ذلك المعنى الساذج الذي يراه البعض، وهو بمعنى الارتياح والابتسامة، وأن يكون الإنسان ضحوكاً.. وإنما شرح الصدر عبارة عن تحقق القابلية، لاستقبال الفيوضات الإلهية.. ومن هنا نلاحظ في قوله تعالى: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} أنه جعل شرح الصدر مقدمة لتلقي الدين، ومقدمة لتلقي الإسلام بكل شرائعه.. فإذن، من محطات التأمل في مسألة القبض والبسط، أن يكون الإنسان منشرح الصدر بهذا المعنى العقائدي.

من روافد الحزن: تذكر الموت:

إن تذكر الموت من روافد الحزن عند عامة أهل الدنيا، وهذا الرافد يزداد اتساعاً مع تقدم العمر، فالشاب المراهق لا يفكر في شيء اسمه الموت، ولكن كلما تقدم في العمر، يزداد ضيقاً.. فلما يبلغ الثلاثين أو الأربعين -الأربعون تقريباً في أفضل التقادير منتصف العمر، إن لم يكن الثلاثين.. ومن المعلوم أن متوسط أعمار النبي (ص) وأمير المؤمنين والأئمة (ع) هو الستين-، وبدأ العد التنازلي؛ فإنه يرى أنه اقترب من نهاية الحياة، فيزداد ضيقاً وتبرماً.

إننا نلاحظ في بلاد الغرب، كيف أن كبار السن والعجزة والمسنين الذين كان يرقصون يوماً من الأيام، وكانوا أبطالاً للأفلام وما شابه ذلك، يعيشون حياة تعيسة.. لو تفتح قلب أحدهم وتتكلم معه، تراه يتحول إلى كتلة من اللحم، ينتظر الموت في كل ساعة، لا أمل ولا إشراقة ولا ابتسامة في حياته.. هؤلاء لو سمح لهم أن يطلبوا الموت، لأذنوا للمستشفى الذي هم فيه أن يعجل في وفاتهم.

بينما المؤمن ليس كذلك، فالإسلام حل هذه المشكلة وجعل هذا التصور لا يوجب الضيق فحسب، بل يوجب الفرح والسرور، كما في قوله تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.. إن المؤمن الذي يرى أن الدنيا سجنه والآخرة جنته، المؤمن الذي على يقين بأن عند وفاته تستقبله ملائكة الرحمة، وتحضره الأرواح المقدسة من النبي وآله (ص)، المؤمن الذي يعلم بأن الله عزوجل يشتاق إلى لقائه؛ فإنه لا يخاف من الموت.. وفي بعض النصوص: أن المؤمن في ساعة الموت يريه رب العالمين درجاته في الجنة، ثم يخيره بين حب البقاء أو حب الموت ولقاء الله تعالى؛ فلا يرى مجالاً للقياس، وهكذا يُصعد بروحه إلى السموات.. ومن هنا نلاحظ في حياة علمائنا الأبرار وفي الصلحاء من غير علمائنا أنه كلما أحدهم زاد سنه، زاد نشاطه.. لأنه من ناحية ادخر مخزوناً لذلك العالم.. ومن ناحية، أنه يعلم بقرب الفرج، وأن النهاية نهاية سعيدة.

الهم المقدس:

إن هناك هماً واحداً، من المعتقد بأن هذا الهم لا يفارق المؤمن ليلاً ونهاراً، وهو هم جميل، وإن كان اجتماع الهم والجمال اجتماع غير متناسق.. ولكن هذا الهم هم لا يفارق المؤمن أبداً منذ أن يُكلف.. فإذا كُلف وكان على مستوى من الوعي والبصيرة، فإنه يأتيه هذا الهم ولا يغادره إلا عند الوفاة.. فما هو ذلك الهم؟.. ذلك الهم هو ما نقرأه في دعاء الافتتاح: (اَللّـهُمَّ إِنّا نَشْكُو إِلَيْكَ فَقْدَ نَبِيِّنا صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَغَيْبَةَ وَلِيِّنا، وَكَثْرَةَ عَدُوِّنا، وَقِلَّةَ عَدَدِنا، وَشِدّةَ الْفِتَنِ بِنا، وَتَظاهُرَ الزَّمانِ عَلَيْنا).. هو همّ الأمة، همّ زمان الغيبة.. ولهذا نحن في زيارة يوم السبت في يوم رسول الله (ص) نقول: (أصبنا بك يا حبيب قلوبنا!.. فما أعظم المصيبة بك!.. حيث انقطع عنا الوحي، وحيث فقدناك، فإنا لله وإنا إليه راجعون!).. فإن ما أصابنا في زمان فقد النبي (ص)، وغيبة الوصي (ع)، ليس بالأمر الهين، إذ أننا بلينا بمشكلة فقد اليقين، فمشكلتنا أنه لا يقين لنا في هذه الحياة، فكل شيء تضع يدك عليه في الموضوعات اليومية، لا تتيقن به يقيناً.. ولو وجد المعصوم لما بقيت مشكلة، حيث تتصل به عبر وكلائه أو بنفسه، فيرفع لك المشكلة.. كما كان الأمر في زمان النبي (ص)، حيث كان أحدهم إذا أهمه أمر، يجأر ويذهب إلى بيت الرسول (ص)، ويطرق عليه الباب قائلاً: يا رسول الله!.. أهمني كذا وكذا.. فإذن، هذا الهم هم مقدس.

ومن أفضل سبل الوصول إلى قلب صاحب الأمر (ع) -والذي قد يكون أكثر تأثيراً، من الأذكار والأوراد، والزيارات وما شابه ذلك- أن يحمل الإنسان هم غيبة إمام زمانه (ص).. فالذي حمل هذا الهم، سيسعى لرفع موجبات تكدر إمامنا (ص)، ويبالغ في الإحسان، ويبالغ في الثقافة، ويبالغ في العبادة، ويبالغ في الجهاد إن وجد المجال؛ لكي يخفف الهم والغم عن قلب وليه (ص).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى