الملفات الساخنة (احادیث الجمعه السابقه)

عوامل التشتت الفكرى والقلبي

إن مما يعاني منه قطاع كبير من مجتمعاتنا اليوم : هي حالة التشتت الفكري ، بمعنى عدم القدرة على التركيز فيما يجب ان يركز عليه الانسان.. فهو يجد مجموعة من الافكار والهواجس تسيطر عليه ، وتحتل مساحة اجبارية من فكره ، وهذه هي احدى صور التعذيب النفسي الذي يعيشه المبتلون بالوسواس القهري .. و من منا لا يخلو في حياته من بعض الافكار والهواجس التي لا تفارقه ، سواء من رواسب الماضي ، أو مخاوف المستقبل ؟..

إن السيطرة على البدن امر ميسور من خلال العضلات التي يتحكم فيها الانسان ، ولكن السيطرة على الفكر والخيال ليس بالميسور لكل أحد ، وذلك لان الفكر من عالم المعانى .. ومن المعلوم ان الانسان اذا لم يجد وسيلة للتحكم في عالم المعاني ، فإن قواه المادية لا تكفي لان تكون مؤثرة في ضبط الخيال الذي يسرح ويمرح في كيان الانسان : مخوفاً إياه باعداء موهومة ، ومزينا له بعض صور الهوى الذي قد لا يصل اليه ، وحابسا له في سجون ذكريات الماضي السحيق .. والحال ان الانسان عليه ان يعيش يومه ، ويخطط لمستقبله ، من دون ان يكون اسيرا للماضي الذي لا يمكن ارجاعه.

من آثار التشتت العاطفي : هو الحب القهري – رغم قناعة الشخص بعدم جدوى هذا الحب – فترى الانسان يميل بشكل قاهر ، الى بعض الامور أو الاشخاص ، رغم قناعته الداخلية والعقلية بان ذلك لا يستحق هذا الميل القلبي الجامح !.. فترى المتورط بهذه المشكلة يسير في حركة منافية حتى للعرف والقانون ، معرضا نفسه لسخط الاخرين ، كل ذلك من اجل الصور الوهمية المضخمة التي تعشش في خياله .. ومن المعلوم ان هذه الصور – رغم انها خيالية – إلا انها تؤثر في حركة الانسان في حياته ، وتصل المشكلة ذروتها عندما توجب له الختم بالشقاوة ، كما نلاحظه في اسرى العشق البشري في هذه الايام!.

من اسباب التشتت الفكري : هو اكثار الفرد من الواردات والصادرات القولية ، بمعنى : الخوض فيما لا يعنيه ، والاستماع الى الامور التى لا ينفع من علمها ، ولا يضر من جهلها.. فإن هذا الكم المتناثر والرخيص من المعلومات التي ترد مخزون الفكر الانساني ، يوجب له حالة من الازدحام الفكري ، وبالتالي تفقده التركيز في الموضوعات الحياتية.. وهذا ما نلاحظه جليا ، عندما يقف الانسان للصلاة بين يدي ربه ، فيرى بأن ما كان مشتغلا به من الاباطيل قبل الصلاة تحتل فكره ، لتتحول عبادته الى صلاة بحسب الظاهر بين يدي الرب ، وتجول بحسب الباطن في الاسواق ، ليستعرض شريطا من الصور المحرمة ، وهو في أقدس الحالات !

إن هذا التعبير الوارد عن المعصومين (ع) لهي كلمة الفصل في اعطاء القانون الذي يسيرعليه الانسان فى حياته ، وذلك عندما يريد ان يتوجه بانتباهه الى أمر من الامور ، وهو ما روي عن الجواد (ع) : ( من أصغى إلى ناطق فقد عبده ، فإن كان الناطق عن الله فقد عبد الله ، وإن كان الناطق ينطق عن لسان إبليس فقد عبد إبليس) .. أولا يكفي هذا الحديث ليكون محذرا عندما نريد ان نفتح عقولنا وقلوبنا على كلام الغير ، في أي وسيلة من وسائل الاعلام الحديثة في هذه الايام ؟!..

إن الغناء من الامور التي تسلب الروح استقامتها ، وجديتها في الحياة .. فإن كيفياته الملهية ، ومضامينه المهيجة للمشاعر الشهوية والخيالية ، تجعل الانسان يعيش في دائرة من تمني الموهومات ، وعشق الفانيات ، التي لا وجود لها في كثير من الاحيان في الواقع ، سوى سراب احلام اليقظة !.. ومن الواضح ان النفوس التي تأنس بمزامير الشيطان ، كيف يمكنها ان تأنس بآيات الرحمن ، التي هي حقائق عالية ، لا تمسها الا القلوب المطهرة ؟!..

إن من موجبات فقدان الاصالة الفكرية عند المسلمين : هى التبعية العمياء لكل مظاهر وتقاليد بلاد الكفر .. فهاهم قد اعتادوا في كل سنة على دعوى اقامة ذكرى ميلاد المسيح (ع) بما هو المسيح بريء منه !.. وذلك بالمبالغة في ارتكاب المنكرات والجرائم التي ترتفع نسبتها، بما لا مثيل له طوال العام! .. فأي مباركة وسعادة في ذلك ؟!.. ولو اراد المسلم ان يكون له دور في إحياء ذكر المسيح (ع) فعليه بالترويج لما رسمه القرآن الكريم له ، من أعلى صور العبودية لرب العالمين ، ولما ذكر من غرر كلماته الواردة على لسان المعصومين (ع).

إن من موجبات اجتماع الفكر وتركيزه هو : توحيد الهموم في الحياة ، وجعل محور القلب هو الاهتمام بالقضايا التي خلقنا لاجلها .. ومن المعلوم ان الفكرة تابعة لما يتردد في جوانب القلب من الحب والبغض ، فالذهن يشتغل دائما بما يحبه القلب ، ومن هنا نعلم عظمة هذا التعبير الوارد عن علي (ع) في وصف المؤمن : ( وتخلى من الهموم إلاهما واحدا انفرد به ، فخرج من صفة العمى ومشاركة أهل الهوى ، وصار من مفاتيح أبواب الهدى ، ومغاليق أبواب الردى ، قد أبصر طريقه ، وسلك سبيله ، وعرف مناره ، وقطع غماره ، واستمسك من العرى بأوثقها ، ومن الحبال بأمتنها ، فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس) ، فهل فكرنا يوما ما في سر ذلك الهم الاوحد ؟..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى