الملفات الساخنة (احادیث الجمعه السابقه)

هل تريد دروسا عملية لحياة سعيدة ؟

عندما نريد الحديث عن الشخصيات المميزة فى القرب الى الله تعالى ، فاننا نفضل – فى بعض الحالات – عرض النماذج الصالحة من غير الانبياء والاوصياء (ع) ليعلم الجميع ان الباب مفتوح على مصراعيه فى كل عصر، وذلك لمن اراد الوصول الى تلك الدرجات العليا.. فالمهم فى الامر هو الطلب والبحث عن النقص فى الباطن ـ فالانسان القانع بما هو فيه من اللهو والترف ، فانه لايصل الى شيئ من البلوغ الباطنى ، بل لا يستيقظ الا وراسه على لوحة القبر ، حيث انتهى كل شيء !! .

من المصاديق الملفتة فى القرآن الكريم هو لقمان الحكيم ، الذي استطاع بجهده وجهاده من تخليد ذكره فى التاريخ .. وهذا جواب عملي لمن يتذرع بعدم وجود من ياخذ بيده ، فان لله تعالى عبادا صالحين في كل بقاع الارض – حتى التى يغلب عليها الكفر والفساد – فيحتج بهم في مقابل من يتذرع بجبر الزمان والبيئة ، وما شابه من الاعذار .. فان الاساس في الامر هو السعى الدائب لتلقى الالطاف الالهية ، اذ ان الله تعالى نسب تلقى الحكمة الى نفسه ، فهو المؤتى للحكمة لمن رآه اهلا لذلك ، فلا قرابة بينه وبين احد من خلقه !! .

لخص القران الكريم الحكمة وفسرها بالشكر، لانه يستلزم معرفة المنعم اولا ، وما انعم به من النعم ثانيا ، ومعرفة كيفية التصرف بتلك النعم على ما يحب ويرضى ثالثا ..
فان مشكلتنا هى : اننا ما حاولنا التعرف على مصدر هذه النعم الغامرة في الوجود ، فعشنا هذه الحالة من اللاوزن، بحيث بات كل شيء يشغلنا ويقلقنا ، وصار مثلنا كمثل الغريق الذى يتشبث بكل حشيش !! .. وهذا جزاء من يحاول الخروج عن سلطان من له ، وبه ، واليه ، ومنه الوجود .

القرآن تحدث اثناء نقل وصايا لقمان عن حق الابوين ، وان المقصر في هذا المجال سوف يحرم من تلقى الفيض الالهي ، فان هذا درجة كبيرة من درجات كفران النعمة ، والملاحظ ان الغالب على هذا الجيل هو هذا التقصير فى هذا المجال لدواع مختلفة ، والحال ان ( الامام السجاد (ع) لخص العلاج النظري في كلمة واحدة – حينما عبر عن حق الاب بتعبير قل مثيله – واما حق ابيك فان تعلم انه اصلك ، فانه لولاه لم تكن !.. فما رايت من نفسك ما يعجبك ، فاعلم ان اباك اصل النعمة عليك فيه ) .. فاذا كان حق الاب كذلك – وهو دون الام – فكيف بالام ؟

اذا كان الابوان علمين من اعلام الكفر ، وكانا يجاهدان الولد ليكون ايضا فى زمرة الكفار ، فان القرآن يدعو الى برهما ومصاحبتهما بالمعروف ، فان الكفر غير مانع من عظيم حقهما ، فكيف اذا كانا مؤمنين ومن الداعين الى الايمان والاستقامة ؟! .. وياحبذا لو اطلع الكفار على سماحة الاسلام هذه ، وتقديره لحق الانسان على اخيه الانسان ، ولا عجب في ذلك ، فان صاحب الشريعة هو في اعلى درجات الرافة والشفقة .. افلا يحسن بنا ان نتخلق باخلاق الله تعالى في هذا المجال ، لنكون من الدعاة الى الله تعالى بغير السنتنا .

ان مسالة المحاسبة والمراقبة واردة فى ضمن وصايا لقمان ، كدأب جميع المرتبطين بالسماء ، وذلك ان العبد الذى لا مراقبة له لا يؤمن منه الزلل في يوم من الايام ، والعبادة الكثيرة والتايخ الطويل من التعبد ، كل ذلك لا يشفع للانسان الذي من الممكن ان يزل قدمه في موقع من مواقع الاختبار ، فيفقد به حاضره ، ويفسد بها مستقبله ، وقد يحبط بذلك ماضيه .. وما بعض صور الخذلان التي نراها عند البعض ، الا من وراء الغفلة في هذا المجال .. ويبدو ان زمان الغيبة مليء بالانتكاسات الروحية والعقائدية ، وخاصة كلما قرب من عصر الظهور .

يقرن لقمان في لفتة حكيمة بين امرين ، يكمل احدهما الاخر، الا وهو السلوك الفردي مع الله تعالى، متمثلا في اقامة الصلاة بحدودها ، اذ ان كل شيء تبعاً للصلاة – كما يفهم من النصوص الشريفة – ومن ناحية اخرى الاهتمام بالسلوك الاجتماعي متمثلا بمراقبة الوسط الذي يعيش فيه الانسان ، فلا يفقد حالة الحساسية من المنكر- وخاصة في دائرة القريبين منه – فان من ترك ذلك ، ارتفع قبح المنكر من عينه ، ومن هنا سهل عليه الدخول في المنكر يوما ما .. وهذه من دواعي النهي عن الهجرة الى البلاد التي يعم فيها الفساد ، خوفا من زوال قبح المنكر ولو خطوة فخطوة .

في كلمة جامعة يصف فيها لقمان تجربته في الحياة ، حينما قيل له الست عبد آل فلان فما بلغ بك ما نرى ؟.. فقال : ( صدق الحديث ، واداء الامانة ، وتركي ما لا يعنيني ، وغضي بصري وكفي لساني ، وعفتي فى طعمتي .. فمن نقص عن هذا فهو دوني ، ومن زاد عليه فهو فوقي ، ومن عمله فهو مثلي )..

فتامل اخيرا في القاعدة التي اعطاها هذا الحكيم ، وكيف ان قصة التكامل معادلة ثابتة في هذا الوجود .. ومسك الختام هذا الحديث القدسي الذي قل مثله في الروعة وبعث الامل في النفوس : ( فمن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملا ذكرته في ملا خير منه ، ومن تقرب الى شبرا تقربت اليه ذراعا ، ومن تقرب الى ذراعا تقربت اليه باعا ، ومن اتاني مشيا اتيته هرولة ) .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى