الملفات الساخنة (احادیث الجمعه السابقه)

حديث إستراتيجي حول الشيطان

– إن الإنسان منذ ولادته وهو في حركة تكاملية ، ينتقل من منزل إلى منزل ، فهو في سفر ، والسفر لابد له من زاد ، ويواجه العقبات ، وهو يحتاج في طريقه إلى الرائد – كما في المثل العربي الرائد لا يكذب أهله- ، الذي يدله الطريق ، ويؤمن له المخاوف ، ويكفيه شر الأعداء ، وعلى رأس هؤلاء الشيطان الرجيم.

– إن الشيطان حقيقة راهنة ، ولولا أن الله عزوجل ذكره في القرآن الكريم لما صدقنا بوجوده ، مثله كتلك الموجودات اللامرئية والتي نخافها ونتقيها لنأمن خطرها ، مثل : الجراثيم ، والإشعاعات النووية ، والأشعة الكونية الضارة.

– من المعلوم أن الشيطان هو من ألد أعداء الإنسان ، لأنه منذ خلق آدم بدأت شقاوته ، ولحقته اللعنة الأبدية من الله تعالى والملائكة والأنبياء والمرسلين والناس أجمعين ، بعد أن كان من أعبد العبَّاد.. فهو في مقابل هذا الحرمان العظيم ، توعد بالانتقام المروع من بني آدم ؛ أضف إلى أن هنالك عدم تكافؤ في المواجهة.. وعليه، لا شك في كونه عدو متميز ومتمكن.

– إن الله سبحانه وتعالى يذكرنا بخطورة الشيطان البالغة في قوله تعالى في سورة يس : {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين} ، فلننظر ونتأمل جيداً إلى عناصر قوته ما هي :

أولاً : الخفاء.. قال تعالى : {إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم} : إن العدو الذي لا يُرى تكون مواجهته مستحيلة ، فكيف إذا كان هو يجري في ابن آدم مجرى الدم في العروق ؟!.

ثانياً : طبيعة خلقته النارية.. فهو لا يغفل ولا ينام ، في حين أننا ننام ونغفل ونذهل.. وهو يترقبنا ويكيد لنا دون كلل ولا ملل.

ثالثاً : الخبرة العريقة.. له خبرة عريقة في الإغواء من لدن آدم إلى يومنا هذا ، وإن تفرغه في هذا المجال ومعرفته بأصل الإنسان وأصل أصله يجعله عدواً متمكناً.

رابعاً : أنصاره المبثوثة على وجه الأرض من الإنس والجن.. قال تعالى : {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا}.

– وبعد هذه المواجهة المخيفة ماذا علينا أن نعمل ، لتوخي الحذر ؟.. وما هي سبل مواجهته ؟..

أولاً : أن نعيش حالة العداء.. إن الملاحظ في إعلام اليوم إذا ما أراد أن ينفر من جهة أو دولة ما ، أنه يكثف جهوده في كل الاتجاهات ، ليصل إلى هدفه في تلقين وترسيخ العداوة في قلوب الناس ؛ ألا يكفي إعلام رب العالمين الذي أمرنا في كتابه قائلاً : {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا} ؟.. وكلمة (الاتخاذ) في اللغة ، تعني تلقين النفس عداوة الشيطان صباحاً ومساءً.. إن الحقيقة المرّة أن الشيطان أقسم بعزة الرحمن ، حيث قال : {فبعزتك لأغوينهم أجمعين} ، ومن المعلوم أنه قد يكون غافلاً عن الإنسان ، لكن بمجرد أن يميل لأي عمل صالح ، تراه يقف في وجه ليحول دون ذلك ، بل قد يكتفي حتى بعدم تمام هذا العمل.. ومن الملفت أنه لو كان هذا القسم جزافياً ، لوجدنا آية تنقض قوله في القرآن الكريم ، أو ليس هذا القسم مخيفاً ؟!.

ثانياً : أن نتعلم الاستعاذة الحقيقية.. فهي ليست مجرد ألفاظ وتمتمات ترد على اللسان وحسب ، بل إن عليه أن يتحرك ويهرول ويطرق باب الحصن ، ويصرخ ويصرخ ويستنجد ، حتى يلج الحصن ويأمن من الوحوش المفترسة ، وإلا فلو ظل يتمتم في محله لن يجد نفسه إلا في جوفها !.. إن إمامنا الرضا (ع) يشير إلى ذلك الحصن ، حيث يقول : (كلمة لا إله إلا الله حصني ، فمن دخل حصني أمن عذابي) ، وهذا لا يعني مجرد التلفظ بالكلمة ، فإذا كان الأمر مجرد لقلقة باللسان ، فهذا يعني أن الجميع في حصن الله تعالى لا ينالهم الشيطان ، وهذا خلاف الواقع ؛ إذ أن المراد هو العمل بمقتضى هذه الكلمة بكل ما تحتويه من معنى.

ثالثاً : أن نتعلم من الأخطاء السابقة.. (كل ابن آدم خطاء ، وخير الخطائين التوابون).. إن المؤمن -كما تشبه بعض الراويات- كالسنبلة ، تخر تارة وتستقيم أخرى ؛ بمعنى قد أنه تمر عليه عاصفة شيطانية ، فيميل يميناً وشمالاً ، ولكنه يعود مبصراً طريق الهدى ، كما قال تعالى : {إن اللذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون}.. إن هذه الآية تبعث على الأمل ، وتؤكد على أن الشيطان مع كل ما أوتي من القوى ، فإنه ضعيف ، قال تعالى: {إن كيد الشيطان كان ضعيفا}.

رابعاً : أن نبتعد عن أجواء الشيطان ومواطنه.. من الملاحظ أن البعض يجامل ويحضر مجالس اللهو والغناء ، على حساب دينه وسلامة روحه ، والحال من الذي يعوضه يوم القيامة إن هو تورط ووقع في الحرام !.

– أخيراً : هل فكرنا يوماً من هم المخلَصين ؟.. أو هل حاولنا الدخول إلى هذه الجامعة ؟.. من المعلوم أن الذي يأخذ شهادة الإخلاص -أي يكون مخلِصاً- ، فإنه على خطر عظيم : (الناس هلكى إلا العالمون ، والعالمون هلكى إلا العاملون ، والعاملون هلكى إلا المخلِصون ، والمخلِصون على خطر عظيم).. إذن، من هو المخلَص ، ليخرج من دائرة الخطر هذه ؟… إن المخلَص هو ذلك الذي مشى في درب الإخلاص ، وكدح وتعب ، وبكى في جوف الليل ، وعمل في النهار ، فإذا هو أثبت صدقه ، عندئذ يرشح لأن يكون في زمرة المخلَصين ، وبعدها فلتجتمع عليه وحوش الأرض ، بل شياطين الأنس والجن ، هيهات لهم أن يقتحموا قلعة رب العالمين ، من صنعه الله على عينه ، من اجتباه واصطنعه لنفسه ، من اتخذه خليلا.. وإن الإنسان إذا وصل إلى هذه الرتبة ، فإنه سيكون من أولياء الله تعالى الذين قال عنهم : {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.

– إن إمام الموحدين ولسان الذاكرين علي (ع) يخص – في دعاء كميل- الصادقين بأنهم هم أحباب الله تعالى ، إذ هو لم يقل : المشتاقين أو المحبين أو الذاكرين ، بل قال : (يا حبيب قلوب الصادقين…) ، وفي هذه التفاتة مهمة للسائرين ، بأنه ينبغي عليهم الصدق في هذا المجال ، ليكونوا من المرشحين في زمرة المخلَصين.

– من المعلوم أن الشيطان لحقته العنة الأبدية منذ الأزل ، وسقط من عين الرحمن ، لمجرد معصية واحدة ؛ فلنحذر هذا السقوط ، ولنضع نصب أعيننا هذا الشعار : (لا تنظر إلى ما عصيت ، بل انظر إلى من عصيت ) ، وقد ورد في الحديث : (إنّ الرجل يتكلّم بالكلمة يُضحك بها الناس ، يهوي بها أبعد من الثريا).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى