الملفات الساخنة (احادیث الجمعه السابقه)

كيف نتعامل مع العاصين ؟

– نحن -مع الأسف- لكثرة تكرار شعار الصلوات والأدعية ، فإنه لا نعيش الحالة الشعورية ، وإنما نكتفي بالحالة الشعارية ، فالإنسان يصلي على النبي (ص) ، وهو لا يحمل حتى ذرة من المواجهة مع الله عزوجل !.. والحال أنه ينبغي للمؤمن أن يكون مستحضراً بفكره وبقلبه ، بأنه في حالة خطاب مع الله عزوجل ، وأنه يخاطب سميعاً بصيراً حكيماً ، وعليه أن يدرك أن عدم الالتفات في الدعاء ، يعد من سوء الأدب مع الله عزوجل.. ولهذا فإنه ينبغي عليه أن يتريث قليلاً ، إذا أراد أن يصلي على النبي (ص) ، قبل أن يقول : كلمة (اللهم).. لأنها من مصاديق الدعاء ، والدعاء لا يكون بمجرد لقلقة باللسان فحسب ، وإنما يستلزم الإقبال والتوجه القلبي.. فلو تحقق التوجه في الدعاء وإن دعا الإنسان بجملة واحدة ، فإن ذلك يكفي لقضاء حاجته وتيسير أمره ، كما ورد في الحديث أن من خاطب الله عزوجل بهذا الدعاء ، جاءه الجواب : وهو أن يقول : (اللهم سلِّم وتمم) أو (يا رب قد ترى ما أنا فيه ، ففرج عني ما أنا فيه).

– ومن المناسب للذي لا يمكنه التوجه في الصلاة على النبي (ص) ، أن يقول هذه الصيغة الواردة عن الإمام الصادق (ع) ، وقد ذكر ثواباً عظيماً بليغاً لمن يصلي على النبي (ص) بهذه الصيغة : (صلوات الله ، وصلوات ملائكته ، وأنبيائه ورسله ، وجميع خلقه ، على محمد وآل محمد ، والسلام عليه وعليهم ورحمة الله وبركاته).

– ما هي حقيقة الصلوات على النبي وآله (ص) ؟..

إننا نعتقد بأن كل من في هذا الوجود يسبح بحمد الله تعالى ، ويشكر تلك الموجودات المقدسة التي وصلت إلى حقيقة التسبيح والعبودية لله عزوجل ، ولكن ما هو جوهر هذه الحركة ومغزى هذا الأمر ؟..

لو نظرنا إلى مباركة الله عزوجل في عالم الطبيعة كيف صبغه بأحسن صبغة ، وفي عالم النبات كيف يبارك في تلك البذرة : {كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة} ، وكذلك في عالم الأرحام كيف يبارك في تلك النطفة خلقاً بعد خلق ، لوجدنا أن الله عزوجل إذا أراد أن يبارك في النطفة وفي البويضة وفي البذرة وفي عالم الأفلاك والمجرات ، فإنه هكذا يعمل ، فكيف به إذا راد أن يبارك في محبوب لديه ، وفي روح قريبة منه ؟!.. إن المباركة من الله عزوجل لا حد لها ولا نهاية ، وأنها إذا حلت بعبد عملت الأعاجيب !.. وقد رد في الحديث القدسي : (إذا أُطعت رضيت ، وإذا رضيت باركت ، وليس لبركتي نهاية).. إن حقيقة وجوهر هذه الصلوات ليست مقتصرة على المباركة في نعيم النبي (ص) في الجنة وعالم البرزخ ، بل هي أيضاً تتعدى لتشمل أمته ، وما دخول المؤمن في دائرة القرب الإلهي إلا مصداقاً لهذه الصلوات من الله عزوجل على نبيه.

– إن القرآن الكريم دعانا للتشبه بالنبي (ص) بأن قال : {ولكم في رسول الله أسوة حسنة} ، وهذا خطاب عام للرجال والنساء.. فإن كنا لا نستطيع بلوغ القمة ، فلماذا لا نحاول الصعود إلى ما يقرب منها ، ونخرج من هذه الوديان السحيقة : (وادي الشهوات ، والغضب ، والوهم ، والشك ، والتذبذب..) ؟.. لماذا لا نحاول التشبه بالنبي الأكرم (ص) في سلوكه اليومي ، وفي تعامله مع أصحابه ، ومع زوجاته ، ومع العاصين من أمته ؟.. فإنه في هذه الأيام لا يخلو أحد من معاشرة سلبية في المنزل ، أو في العمل ، أو مع الأهل والأقارب.. فهل هو يحسن التعامل مع هؤلاء ؟.. هل حاول مرة استنقاذ أحدهم من الوحل الذي هو فيه ، دون أن يتسبب له في أذى ؟.. إذ ترى البعض يريد أن يصلح ، ولكنه يزيد الأمر سوءاً !.. إذن، الأمر يحتاج إلى ثقافة وإلى فقه ، حتى نحسن التعامل مع العصاة في هذه الأمة.. ورد في حديث عن النبي (ص) لو أننا تدبرناه وفقهناه ووصلنا إلى غوره ؛ لكفانا في تعاملنا مع المنحرفين :

جاء شاب إلى النبي (ص) فسأله سؤالاً ، هذا السؤال لو أنه عرض على أي أحد منَّا لكان الجواب إما الزجر أو الضرب بل الطرد ، لقد كان سؤاله أن يجِّوز له الرسول (ص) الزنا ، قال -ما مضمونه-: (أتأذن لي يا رسول الله بالزنا) ؟.. ، والصحابة أغلظوا عليه ، بينما الرسول (ص) -وهو الأب الشفيق لهذه الأمة- أدناه منه ، ولو شاء أعطاه مالاً وزوجه ، إلا أنه حاول أن يدخل إلى أعماقه ، ليثير فيه روح اليقظة وروح المسؤولية والاهتمام بالمجتمع ، قال له : (أتحب أن يزنى بأمك ، أو أختك ، أو بنتك ، أو خالتك ، أو عمتك) ؟.. فكان الشاب في كل مرة يجيب -ما مضمونه-: (لا، يا رسول الله) ثم قال له النبي (ص) -ما مضمونه-: (كل الناس كذلك).. إن النبي (ص) أراد أن يفهمه بأن هذه الفتاة التي في الشارع جزء من المجتمع ، وإذا أنت هدمت عموداً ، وفعل الآخرون ما فعلت ، فإن هذا المجتمع لن تقوم له قائمة وسينهار..

ثم بعد ذلك وضع النبي (ص) يده على صدره وقال : (اللهم اغفر ذنبه) -فهو إما قد زنا ، أو نظر نظرة محرمة- ، (وطهر قلبه) -لأن القلب إذا صار طاهراً ، انصرف عن كل حرام ، وانطلق تلقائياً نحو الطاعة- ، ولم يكتف رسول الله (ص) بذلك ، بل دعا له بتحصين الفرج -أي بالزواج- بأن قال : (وحصِّن فرجه).

– إذن، إن علينا أن نتأسى بالرسول الأكرم (ص) في أسلوب إصلاح المنحرفين ونتقن هذه الخطوات :

* الأولى : الحلم والسكوت.

* الثانية : الدنو البدني وتحسيسه بالحنان الأبوي.

* الثالثة : التحريك العقلي والعاطفي والوجداني.

* الرابعة : التوسل بالله عزوجل.. فإن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن ، فالذي حول نار إبراهيم إلى برد وسلام ، كذلك يحول القلوب المشتعلة ناراً إلى برد وسلام ، ويربط على قلوبهم ويزيدهم هدى.. وقد ورد أن موسى (ع) أراد أن يعرف المقياس في الدعاء ، فسأل الله عزوجل هل ندعو في الأمور الكبيرة فحسب ، فجاءه النداء : (يا موسى !.. سلني كلّ ما تحتاج إليه حتّى علف شاتك ، وملح عجينك).. نعم، هكذا الرب يريد منا أن نتوسل به في كل صغيرة وكبيرة.

– أخيراً : إن المؤمن عليه أن يحذر في تعامله مع الآخرين ، ويجنب نفسه القيام بأي حركة كاسرة لنفس أي كان : أم أو زوجة أو أخت ، أو خادمة … ؛ وإلا فإن الرب له بالمرصاد ، وسيبتلى بقساوة في القلب ، أو حرمان في الرزق ، أو سقم في البدن..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى