الملفات الساخنة (احادیث الجمعه السابقه)

عوامل النصر في حياة الفرد والأمة

إن البعض يحصرمفهوم النصر بالقضاء على الخصم عند المواجهة ، والحال أن للنصر مفهوما أوسع من ذلك بكثير .. فإن بقاء القيم التي من اجلها ضحى صاحبها ، لهو أكبر دليل على النصر.. وهذه هي رسالات الانبياء والأوصياء نابضة بشعار التوحيد ، رغم ما جرى عليهم من صنوف الأذى .. فها هو الحسين (ع) الذي تشابهت نهاية حياته الكريمة ، مع نهاية حياة يحيى بن زكريا يقول: ( من هوان الدنيا على الله عز وجل ، ان رأس يحي بن زكريا ، اهدي الى بغي من بغايا بني اسرائيل ) .. ولكن الله تعالى كرمه فى القران بتكريم منقطع النظير حينما قال : { وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا}.

إن من الطبيعي أن يبتلي الله تعالى عباده بحالات الانتكاس بعد النصر ، لئلا يركنوا الى قوتهم .. اذ لا ناصر في الوجود حقيقة الا الله تعالى ، فهو الذي بيده اسباب النصر ولا غير ، اليس له { جنود السموات والارض } كما عبر القرآن الكريم .. وهذا هو الامتحان الذي وقع في معركة احد ، حينما اقبل بعض المسلمين على عاجل الدني ا، فحبس الله تعالى عنهم النصر، مع ما وقع فيهم من القتل والجرح البليغ !! .. وليعلم هنا ان لله تعالى سننه الثابتة في الخلق ، ومنها: ان النصر الالهي للعباد ، متوقف على نصرة العباد له ، بمعنى اقامة حدوده ، وشرائع احكامه.

إن من موجبات النصر في حياة النبي (ص) واصحابه الميامين هى : تلك الحالة من الوضوح العقائدي ، والثبات الفكري الذي كان يبث فيهم روح الشجاعة والاستقامة.. فهذا أحد الصحابة ينادي قومه بعدما أشاع الكفار بان النبي (ص) قد قتل في معركة احد: ( يا قوم !.. ان كان محمد قد قتل ، فرب محمد لم يقتل! . .وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله (ص) ؟!.. فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله (ص) ، وموتوا على ما مات عليه ) ثم قاتل حتى قتل.. وهكذا عرف هؤلاء المسلمون نبيهم العظيم (ص) من خلال شريعته التي ضحى الرسول (ص) من اجلها بالنفس والنفيس ، وهكذا الاوصياء من عترته.

رغم ان الشريعة اعفت النساء من الجهاد في الظروف العادية ، ولكن لا يعنى ذلك اعفاؤها عن نصرة الدين فيما امكنها ذلك – وخاصة فى ظروف الضرورة – للقيام بدور مساند للرسالة الالهية ، بدلا من ان تكون عنصر اغراء للرجال فحسب !! .. فهذه نسيبة بنت كعب المازنية ، كانت تداوى الجرحى ، وكان ابنها معها في غزوة احد ، فاراد ان ينهزم فقالت : يا بني!.. الى اين تـفـر ؟!.. عن الله ورسوله؟!.. ، فرجع حتى قتل .. وكانت تقي رسول الله (ص) بصدرها حتى اصابتها جراحات كثيرة .. وقال لها الرسول (ص) : بارك الله عليك يا نسيبة !!.. بل صرح : ان منزلتها عند الله تعالى افضل من بعض الرجال !!.

تجلت تضحيات علي (ع) في مواطن كثيرة منها في هذه المعركة .. اذ كان سيفه يدفع الكروب عن وجه المصطفى (ص) ..وسمع المسلمون مناديا من السماء : لا سيف الا ذو الفقار ، ولا فتى الا علي .. فنزل جبرائيل على النبي (ص) قائلا : يا محمد !.. هذه والله المواساة ، فقال النبي (ص) لاني منه وهو مني ، فقال جبرائيل : وانا منكما.. ومن المعلوم ان كونه منه – كما كان الحسين (ع) كذلك – بمعنى ان قوة الشريعة وثباتها بعده ، انما هي بجهوده وجهاده ، كما يشهد التاريخ والوجدان المنصف بذلك.

لقد ضرب حنظلة ابن ابي عامر اروع المثل لشباب كل العصور ، وذلك حينما اصبح صباح ليلة زفافه ، ورأى أن ابواب الجنان مفتحة في الجهاد مع رسول الله (ص) .. فخرج الى القتال وهو جنب ، وقاتل حتى قتل.. وقد شاء الله عز وجل أن لا يدع وليه الشهيد يبقى على جنابته ، اذ قال النبي (ص) : ( رأيت الملائكة تغسل حنظلة بين السماء والارض ، بماء المزن في صحائف من ذهب ) .. فكان يسمى بغسيل الملائكة.

لم يمر على النبي (ص) موقفا في حياته اغيظ من ذلك الموقف الذي وقف فيه على جثة عمه حمزة سيد الشهداء (ع) ، وقد مثل به ذلك التمثيل الذي لا نطيق وصفه! .. حتى ورد في التأريخ : ان فاطمة (ع) قعدت بين يديه ، وكان اذا بكى رسول الله بكت ، واذا انتحب انتحبت .. وهذه من المواقف النادرة التى تعكس شدة تاثر رسول الله (ص) بما جرى يوم أحد .. ومع ذلك ، لم يرفض الرسول الاكرم إسلام قاتل عمه ، وهو ذلك الرجل المسمى بـ ( وحشي ) عندما اعلن الشهادتين .. فكيف يتحمل البعض مسؤولية تكفير المسلمين الملتزمين باصول الدين ، وفروعه؟!..

إن من الملفت حقا في حياة المعصومين (ع) هو استغلال كل موقف في سبيل دعوة الناس الى التقوى ، حتى لو كان ذلك في موقف القتال ، إذ أنهم لم يقاتلوا إلا من اجل اقامة عبودية الله تعالى في كل شؤون الحياة .. وهذه خطب علي (ع) ووولديه الحسن والحسين (ع) مسجلة في معاركهم المختلفة ، والتي تتركز حول التوحيد وربط الشؤون كلها بالله الواحدالاحد .. وذلك تأسيا بالمصطفى (ص) الذي عندما سوى صفوف المسلمين في معركة أحد ، خطب فيهم ودعاهم الى ترك المشتبهات ، قائلا : ( فمن تركها حفظ عرضه ودينه ، ومن وقع فيها كان كالراعي الى جنب الحمى ، أوشك أن يقع فيه .. وما من ملك إلا وله حمى ، ألا وان حمى الله : محارمه).

ان من الغريب حقا ان الكفار عندما رجعوا منتصرين من غزوة أحد ، استفاقوا على حقيقة غابت عن اذهانهم – وهم فى ضواحى المدينة – قائلين : انه لماذا لم نقتل محمدا ، ولم ناسر النساء ؟!.. وهذه نقطة ملفتة للنظر ، إذ تعكس التصرف الالهى فى القلوب حتى الكفار، عندما يريد ان يصرف الأذى عن المؤمنين فى كل عصر .. فلنتامل فى هذه المقولة ، لئلا ينتابنا الياس فى عصر كثرت فيه موجبات الياس!!.. ولكن الله تعالى يابى الا ان يتم نوره ولو كره المشركون .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى