الملفات الساخنة (احادیث الجمعه السابقه)

الحركة الدائرية والممتدة في الحياة

– هنالك حركتان في عالم الوجود في الطبيعة : حركة دائرية لا بداية ولا نهاية لها ، والأمثلة عليها كثيرة نذكر منها ثلاثة : في عالم المرح والألعاب : نلاحظ أنه في ألعاب الأطفال الدائرية بأن الطفل يركب سيارة تمشي به مشياً دائرياً ، ولعله يمشي ساعة ولا يصل إلى شيء !.. وفي عالم الزراعة : كان قديماً ما يسمى بحمار الطاحونة أو بقرة الطاحونة ، وكانوا يربطون عين هذه الدابة المسكينة ، وتدور حول الرحى حركة دائرية.. وفي عالم الأرواح.. وفي مقابل تلك الحركة الدائرية هنالك الحركة المستقيمة الممتدة : مثل إنسان يخرج من منزله ليذهب إلى بلد أخر ، فيمشي مشياً مستقيماً ، وينظر إلى الساعة ، وينظر إلى علامة قطع المسافة ، فيرى أنه قطع مسافة.

– الفرق بين الحركتين :

* الحركة الدائرية ليس لها مبدأ ولا منتهى ولا هدف فيها.. فهذا حمار الطاحونة يدور حول الرحى ولا هدف له ، ولولا العصا التي فوق ظهره لتوقف في مكانه ، وعندما يتعب يقف في مكانه ، ولا ينفع معه حتى الضرب بالعصا.. أي أن الإنسان الذي يمشي في حركة دائرية ، فإنه بعد فترة يبطئ في السير ، لأنه لا يصل إلى هدف ، ويرى أنه مخدوع أو مجبور فيتباطأ في سيره.. بينما الحركة الممتدة حركة فيها نشاط ، وهذا النشاط يتضاعف عند الاقتراب من الوصول إلى الهدف.. كما نلاحظ في سباق العدائين في الرياضة ، أنه في الأمتار الأخيرة يبالغ في الحركة ، لكي يأخذ الجائزة الكبرى.. وكذلك في أصحاب السفر ترى عينه على علامة الكيلومترات ، حتى إذا ما وصل إلى النهايات ، جد في السير..

* الحركة الدائرية ليس فيها شوق فيها ، بخلاف الحركة الممتدة.. وهذا ما نجده مثلاُ في إنسان له موعد مع عروس أو ما شابه ذلك ، حيث يعيش حالة الشوق للوصول إلى هدفه.

* الحركة الدائرية في معرض الإحباط والملل واليأس والتقاعس ، بينما الحركة الممتدة بخلاف ذلك.

– ينقسم الناس في الحركة الروحية إلى أقسام : هناك قسم من الناس يعيش الحركة الدائرية ، وقسم يعيش الحركة الممتدة ، وهناك قوم كالحيطان أو كما عبر عنهم القرآن الكريم كالخشب المسندة.. ومن المعلوم في بلاد الهند أن الذين صنعوا القنبلة الذرية ترى البعض منهم لعله من عباد الأبقار ، يخرج من المختبر بعد أن فلق الذرة ، ليتبرك ببول بقرة مثلاً !.. فهذا الإنسان إنسان لا معنى لإنسانيته ، وهو إنسان هو والخشبة سواء ، حجر لا يعقل ولا يفهم ، والقرآن الكريم يجعل هذا الحجارة حصب جهنم ، وقوداً لإحراق الآخرين في النار !.

– إن الإنسان المؤمن له حركة تكاملية ، فمنذ أن يخط عليه قلم التكليف إنسان ، فإنه بدأ الحركة في هذا الحياة ، فصلاته في اليوم حركة ، وذهابه إلى المسجد حركة ، والاستعداد لصلاة العيد ، وذهابه للحج حركة… فنحن -بحمد الله تعالى- صباحاً ومساءً في حركة.. ولولا أن الإسلام أوجب علينا الصلاة ، وأمرنا ببناء المساجد ، لكنا كالخشب المسندة ، فالإسلام -بما فيه- لو أخذنا منه فقط الصلاة جماعة والمساجد ، تحول إلى لا شيء ، فلا قيمة للإسلام الذي لا صلاة ولا مسجد له.. فنحن في حركة دائبة ، ولكن المشكلة أنه قد نبدأ الحركة الممتدة ، ولكن بعد فترة من الزمن نعيش حركة دائرية !.

– مواصفات الحركة الدائرية في عالم الأرواح :

أولاً : عدم الهدفية.. أن لا يعيش الهدفية من العبادة ، هو يعبد الله تعالى ، ويصلي ، ويأتي إلى المسجد أسبوعياً ، ولكن جوهر تلك العبادة هو العادة.. وعلامة ذلك ما نراه على وجوه البعض من التهلل والفرح ، إذا ثبت هلال العيد ، وفرحهم هذا لا لأنه يوم الفوز والمغفرة والرضوان ، بل لأنه سيتغذى غداً غذاء دسماً في أحد المطاعم مثلاُ !.. والحال بأنه ينبغي على المؤمن أن يعيش حالة الوجل والخوف ، لأنه لا يدري ما مصيره ، هل قبل عمله أم لا.

ثانياً : حركة رتيبة.. نحن في هذا اليوم نكون قد أكملنا سنة كاملة ، كان فيها حجة ، وعمرة ، وعزاء الإمام الحسين (ع) ، وصوم شهر رمضان ، والبعض صام رجب وشعبان ، والبعض قام الليل كله في هذه السنة ؛ أين الثمار ؟!.. أين الحركة الممتدة ؟!.. لو أن إنساناً أخذ شجرة وتعهدها بالرعاية : سقياً وطعاماً وسماداً ، سنة كاملة ، ثم بعد ذلك لم يجد تغيراً في حجمها أو ارتفاعها ؛ فإنه لن يتردد لحظة في إلقائها في سلة المهملات ، فكيف بها إذا ضمرت أو ذبلت أوراقها وأغصانها !.. الحركة لابد أن تكون حركة هادفة ، ولها أثر إيجابي مغير في حياة الإنسان ، وإلا فالحركة التي لا تغيير جوهري فيها ، التي ليس فيها خشية من الله عزوجل ، التي ليس فيها معرفة عميقة وحب عميق لرب العالمين ، التي ليس فيها استقذار للمعاصي – إذا كان هو ما زال يشتهي ويستذوق الحرام- ؛ فأين هي آثار هذه الحركة ؟!.. أين قطع المسافات ؟!.. إلى متى نصل إلى الهدف ، إذا كنا في حركتنا حول الطاحونة ؟!.

– وعليه، ينبغي علينا أن نستثمر طاقاتنا الباطنية وقدراتنا الخفية التي اكتشفناها في هذا الشهر ، ونحولها إلى وقوداً للمسير ، فالإنسان الذي روض نفس شهراً كاملاً ، ما المانع أن يستمر في هذه الحركة ؟.. ما المانع أن يبقي له أنسه بالقرآن الكريم ، وبصلاة الليل ؟.. ولنحذر انتقام الشياطين بعد شهر رمضان ، ولنحاول أن نرجو الله سبحانه وتعالى في الربع ساعة من اليوم الأخير ، أن لا يخرجنا من ضيافته إلى التيه والضلالة ، إلى الحيرة ، إلى الأعداء الواقفين على الباب ، ونطلب منه أن يضيفنا سنة كاملاً كما أضافنا شهراً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى