الملفات الساخنة (احادیث الجمعه السابقه)

كيف ظلم المحبون عليا عليه السلام ؟

– بمناسبة ميلاد أمير المؤمنين علي (ع) ، سيكون الحديث حول هذه الشخصية العظيمة التي ما عرفها إلا الله ورسوله (ص) ، وسنحاول أن نلتمس شيئاً من خط علي (ع).. وقد يكون عنوان الحديث يثير شيئاً من الغرابة – ظلامة علي (ع) عند المحبين !- ؛ فإن علياً (ع) لم يقتصر ظلمه على أيدي الخوارج ، أو على الذين حاربوه وناصبوه العداء ، بل أيضاً نحن المحبون قد ظلمناه بمعنى من معاني الظلم.

– إن في قوله تعالى : {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} ، إشارة إلى أن الظلم قد لا يلازم العداء دوماً ، بل إن الإنسان قد يظلم حتى نفسه التي بين جنبيه.. ومن المعلوم أن الظلم هو التنقيص في إعطاء الشيء حقه ، فالأب عندما لا يعطي ولده حقه – وهو يحبه- ، فإنه يعد ظالماً له.. فإذن، نحن من هذه الجهة قد ظلمنا علياً (ع) ، حيث قطّعناه إلى قطع تلائم أمزجتنا ، فمثله كمثل منظر جمالي اجتمعت فيه صور متداخلة في غاية الجمال ، غير أن كل ناظر إلى هذا المنظر يستوقفه ما يستهويه ويناسب مذاقه.

– فمن صور الظلم لعلي (ع) : أن ينظر له بذلك الرجل الذي لم يعلم له نظير في الشجاعة ، والذي كان يكر في الحروب ويروّع الأعداء بسيفه ذي الفقار.. ومن المعلوم أن التاريخ قد حفظ صوراً متعددة من الشجعان ، إلا أن لعلي (ع) ميزته في ارتباطه بعالم الغيب ، وقد أشار (ع) إلى ذلك في مقولته الخالدة يوم خيبر : (والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ، ولا بحركة غذائية.. ولكني أُيّدت بقوة ملكية ، ونفس بنور بارئها مضيئة).. إن الإسلام ما قام إلا بسيف علي (ع) ، وعندما برز يوم الأحزاب ، قال عنه الرسول (ص) : (لقد برز الإسلام كله إلى الشرك كله) ، (وضربة علي يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين ).. والرسول الأكرم (ص) أراد أن يشير بقوله ذلك إلى الدور العظيم الذي قام به علي (ع) ، لأن الإسلام كان في منعطف خطير ، ولولا سيف علي (ع) ، لقضي على الإسلام ، وقتل الرسول (ص) واستبيحت المدينة.. وبلا شك أن إكمال مسيرة الرسالة ، أهم ممن يسير في المسيرة بأفعاله وأقواله.. فإذن، علي (ع) كان له دور – بتوجيه الرسول (ص)- في إكمال حركة الإسلام ، فما من حرب من الحروب المهمة ، إلا وسيف علي يجلو الكروب عن وجه الرسول (ص) ، وعن وجه المسلمين.

– أيضاً من صور الظلم لعلي (ع) : أن يرى فيه صورة ذلك الزاهد العابد ، الذي لا يعلم منه إلا الدعاء والبكاء والأنين ، وذلك العارف الذي حير العقول ، وأذهل الزهاد عبر العصور.. إذ لا توجد فرقة من فرقة المتصوفة أو العرفاء ، أو ممن يدعون السير إلى الله تعالى ، إلا ويجلون ويقدسون علياً (ع) ، الذي بلغ من العبادة ما لا تحتمله العقول ، وقد كانت تعتريه الغشوة من خشية الله تعالى ، حتى يظن أنه فارق الحياة (ص).. وللشريف الرضي (قده) التفاتة جميلة حول هذه الظلامة حيث يقول : (الذي يسمع كلام علي في الزهد وفي الوعظ وفي الزجر، لم يعترضه الشك في أنه كلام من لا حظّ له في غير الزهادة ، ولا شغل له بغير العبادة.. ولا يكاد يؤمن بأنه كلام من ينغمس في الحرب ، مسلّطا سيفه ، فيقط الرقاب، ويجدّل الأبطال).

– إن من صور الظلم لعلي (ع) : أن يؤخذ من جانب الكرامات والمعجزات ، فإن تحقق المطلب ، وإلا لكان العتب والملام على هذا الإمام !.. إن كرامات الأئمة (ع) أمر لا ينكر ومشهود لهم إلى قيام الساعة ، إلا أن ذلك محكوم تحت مشيئة الله عزوجل لحكمة ما ، أو لإمضاء هدف مقدس : كنشر لرسالة ، أو تبليغ لدعوة ، ونحن نفتخر بما صدر من علي (ع) من كرامات ، إلا أن هذا ليس بعد علي (ع).

– إن من ظلامة علي (ع) : أن يجعل وسيلة لقضاء الحوائج عند الشدائد والأزمات.. فترى البعض – مع الأسف- يبالغ في التوجه والتفاعل إذا ما كانت له حاجة فقط ، أما إذا كانت حاله طيبة وكان في سعة ورخاء ، نلاحظ أن زيارته تخلو من أدنى تفاعل ، يكشف عن لواعج المحبة والشوق والأسى لظلامته (ع).

– كذلك من صور الظلم للإمام (ع) : أن لا نكون على مستوى الادعاء بالولاية والمشايعة له (ع) ، بأن نسير على خلاف النهج الذي سار عليه.. والحال بأن الإيمان ملزم بأمور ثلاث : اعتقاد في القلب ، وإقرار باللسان ، وعمل بالأركان.. إذ أن الولاية معنى جامع ، وليس فقط مجرد مسمى يعلق وساماً للافتخار به فحسب !.. كما أن المشايعة تعني المتابعة للمشايَع في كل خطواته.. روي عن الإمام الباقر (ع) أنه قال : يا جابر !.. أيكتفي من ينتحل التشيّع أن يقول بحبنا أهل البيت ؟!.. فوالله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه ، وما كانوا يُعرفون يا جابر إلا بالتواضع والتخشع و الأمانة ، وكثرة ذكر الله ، والصوم ، والصلاة ، والبرّ بالوالدين ، والتعهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة ، والغارمين ، والأيتام ، وصدق الحديث ، وتلاوة القرآن ، وكفّ الألسن عن الناس ، إلا من خير ، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء.. قال جابر : فقلت : يا بن رسول الله!.. ما نعرف اليوم أحداً بهذه الصفة ، فقال (ع) : يا جابر!.. لا تذهبنّ بك المذاهب ، حَسْب الرجل أن يقول : أحب علياً وأتولاه ، ثم لا يكون مع ذلك فعّالاً ؟.. فلو قال : إني أحب رسول الله (ص) – فرسول الله (ص) خير من علي (ع) – ثم لا يتبع سيرته ، ولا يعمل بسنته ما نفعه حبه إياه شيئاً ، فاتقوا الله واعملوا لما عند الله ، ليس بين الله وبين أحد قرابة ، أحب العباد إلى الله عزّ وجلّ وأكرمهم عليه أتقاهم وأعملهم بطاعته.. يا جابر!.. فوالله ما يُتقرّب إلى الله تبارك وتعالى إلا بالطاعة ، وما معنا براءة من النار ، ولا على الله لأحد من حجة ، من كان لله مطيعاً فهو لنا وليُّ ، ومن كان لله عاصيا فهو لنا عدوّ ، ولا تنال ولايتنا إلاّ بالعمل والورع.

– إن البعض قد يعول على مسألة الشفاعة ، فيتمادى في التوغل في المعاصي والمحرمات.. والحال بأنه على المؤمن أن يسعى سعيه ، ويبذل جهده في مجاهدة نفسه والرقي بها عما يغضب الله تعالى ، ثم في يوم القيامة إذا ما رجحت سيئاته على حسناته ، فعندئذ تدركه شفاعة علي وأولاد علي (ع) ، حيث الرحمة الإلهية الغامرة.. فإذن، لا مانع أبداً من أن يجعل الله تعالى شفعاء بينه وبين عباده ، تحقيقاً لمشيئته -سبحانه وتعالى- في الرحمة ، وتكريماً لأوليائه المقربين ، كالملك أو الأمير الذي يوزع الجوائز على أيدي وزرائه.

– والبعض قد يرى في الإمام (ع) شخصية الحاكم العادل الفذ ، الذي برع في كل قواعد السياسة.. ولهذا الرجل المسيحي شهادة في حق علي (ع) ، إذ يقول : (إن الذين قالوا إن علياً لا يعرف السياسة ، يريدون أن يكون كغيره ، ويأبى علي إلا أن يكون علي بن أبي طالب).

– ماذا بعد كل هذه الصور الجميلة لعلي (ع) ؟.. فهو الشجاع ، العارف ، صاحب الكرامات ، قاضي الحوائج ، وحلال المشاكل ، يعسوب المؤمنين ، الشفيع عند الله ، الحاكم الفذ.. فمن هو علي (ع) ؟.. وكيف لنا أن نفهم هذه الشخصية الفذة ؟.. وما هي الصورة الصحيحة التي تجنب محبيه الوقوع في هذه الظلامة (ع) ؟..

– إن علي (ع) هو الشخصية التي حيرت العقول وأذهلت الألباب والجامعة للأضداد ، ومن الظلم أن ينظر إليه من زاوية من الزوايا.. فإذن، علينا أن ننظر إليه نظرة شاملة ، على أنه خليفة الله في أرضه ، الذي حقق هدف الخلقة ، الذي رفع استغراب الملائكة عند خلق آدم حتى قالوا : {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}.. وبعبارة مختصرة جامعة : علي (ع) هو التجلي البشري الأرضي لأسماء الله الحسنى ، بمقدار ما يأذن الله عزوجل بتجلي صفاته في عبد مخلوق.. فلنكن في جامعية علي (ع) في عبوديته ، في خُلقه ، في علمه ، في سعيه وجهاده ، في كل صوره الجمالية التي أعجبتنا فأخذنا نقتطف منها حسبما نريد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى