الملفات الساخنة (احادیث الجمعه السابقه)

كفران النعم مقدمة لزوالها

قال تعالى :{ ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون }.. الكفر لغة : هو التغطية، يقال عن الزارع كافر ، لأنه يكفر البذرة في التراب , أما اصطلاحاًً: فيطلق على من يجحد نعم الله تعالى ويغطيها .

من سياق الآية الكريمة يتضح بأن كفران النعمة وعدم تأدية حقها ، يوجب العذاب الأليم من الله عز وجل، فما هي صور الكفران للنعمة ؟.

– صور كفران النعم الاعتقادي :

* كفران نعمة الفطرة : إن الإنسان خلق على الفطرة السليمة ، إلا إنه بارتكابه للمعاصي والذنوب يخالف تلك الفطرة ، وشيئاً فشيئاً تسلب منه هذه النعمة ، ليعيش بعدها في ظلمات التيه والضلال.

* كفران نعمة الإسلام : إن الإنسان عليه أن يعلم بأنه في أمة شرفت بنعمة الإسلام – أرقى الأديان السماوية المستجمع لكل موجبات الرقي والتكامل – ، والتي تحمل بين كفيها كتاباً يعكس وحي السماء ، وهو القرآن الكريم ، وبالتالي لا ينبغي أن يخرج عليه ويتردى في غيره ، بدعوى الحضارة المادية المزيفة التي تخلو من البلوغ الفكري والنفسي.

* كفران نعمة الإيمان (الولاية) : كما نعلم أن البعض يظل متحيراً ، يفتش في بطون الكتب عن المذهب الحق ، ولا يكاد يصل ، ونحن -بحمد الله -ولدنا في بيئة ولائية ، فعلينا أن نحاول من خلال المطالعة والتأمل والتدبر، تحويل هذا الإيمان الفطري إلى مسلك في الحياة عن قناعة ، وأن نبالغ في شكر هذه النعمة بالإتباع والعمل ، وإلا فسيكون مصيرنا الحسرة والندامة كما جاء في حيث إمامنا الباقر(ع) : (إن أشد الناس حسرة يوم القيامة ، عبد وصف عدلاً ثم خالفه إلى غيره).

– صور كفران النعم في الحياة العملية :

* كفران نعمة المال: إن الإنسان ما هو إلا مستخلَف على هذه الأمانة ، فلينظر كيف يؤدي حقها، ويخرج ما عليه من الوجوبات الشرعية، ويحافظ عليها.. والرسول الأكرم (ص) في قوله: ( واغتنم غناك قبل فقرك) ، يشير إلى أن المؤمن ينبغي له أن يكون دؤوباً في عمله ، مستغلاً لذلك المال في طرق الخير، والتي تكون زاداً له في الآخرة.

* كفران نعمة الصحة والفراغ : إن فترة الشباب هي فترة القوة والحيوية والنشاط ، وهي سرعان ما ستطوى ، فينبغي للمؤمن العاقل استغلالها في طاعة الله عزوجل، قبل أن تورثه تلك الفترة الندامة والأسى، كما قال الرسول(ص) : ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ ).

* كفران نعمة الأمان : من المعلوم أن هذه الأرض تزخر بالبلاءات والفتن ، ونحن بحمد الله تعالى تعيش حالة من الأمان والاستقرار ، فعلينا باغتنام الفرصة في تثبيت ما نحن عليه : اعتقاداً ، وعلماً ، وعملاً ، قبل أن تضج الأرض بمن عليها لطلب الفرج ، من الضيق والهرج والمرج .

* كفران نعمة الاستقرار العائلي : مع الأسف يعمد البعض إلى المثالية في السلوكيات، فلا يرضى بما لديه ويتمنى لو أنه تزوج بفلانة أو فلانة ، فيكدر صفو عيشه ويحرم نفسه من نعمة الاستقرار العائلي.

* كفران نعمة الذرية الصالحة : بعض الآباء بسوء تصرفاتهم يعطون صورة قاتمة للدين لهؤلاء الأبناء، الذين نشؤوا على الفطرة المستقيمة ، ولا يعرفون الحرام والانحراف.. والبعض الآخر للأسف تراه يزج بهم زجاً في الهاوية بأخذهم إلى دول الكفر ، وأماكن انتشار اللهو الفساد .

* كفران نعمة العزة في نفوس المؤمنين : إن العزة نعمة من الله عز وجل لعباده المؤمنين، فهو العزيز ، والذي { يعز من يشاء ويذل من يشاء}.. وكم من إنسان كان عزيزاً في مجتمعه وقومه ، وإذا به بسوء سلوكياته ، يسقط من الأعين فيفقد التأثير والقبول الاجتماعي .

* كفران نعمة رقة القلب والإقبال على الله سبحانه وتعالى : إن من أكبر صور الخسران فقدان نعمة شفافية القلب وسرعة الدمعة والتفاعل مع ذكر الله عز وجل ؛ بارتكاب المعاصي.. رحم الله العلامة الطباطبائي كان يقول : (الإقبال ضيف عليك ، فإذا أكرمت الضيف بقي ، وإلا ارتحل).

– وبعد كل تلك الصور ما هي الحلول المستلزمة لبقاء تلك النعم الإلهية ؟.. إن الحل يكون بشكر الله تعالى في صوره الثلاث :

* الشكر الاعتقادي: باعتقاد بأن مجمل هذه النعم إنما هي من الرب المتفضل المنعم على عباده.

* الشكر اللفظي: بالشكر اللفظي على كل حال من الأحوال.

* الشكر العملي: وهو الأسمى ، بشكر كل نعمة ، بتأدية حقها واستثمارها في طاعة الله عز وجل .

– في ختام الحديث نزين هذه المائدة بما ورد عن أهل البيت (ع) في هذا الشأن :

* قال الصادق (ع) : (ما أنعم الله عزّ وجلّ على عبد أجلّ من أن لا يكون في قلبه مع الله غيره).

* عن الإمام الرضا (ع) : ( أحسنوا جوار النعم فإنها وحشية ، ما نأت عن قوم فعادت إليهم).

* وأن في زبور داود (ع) : أن الله يقول : (يا بن آدم ، تسألني وأمنعك لعلمي بما ينفعك ، ثم تلح عليّ بالمسألة فأعطيك ما سألت فتستعين به على معصيتي ، فأهمّ بهتك سترك فتدعوني ، فأستر عليك ، فكم من جميل أصنع معك ، وكم من قبيح تصنع معي ، يوشك أن أغضب عليك غضبة لا أرضى بعدها أبداً ).

* وعن الإمام الصادق (ع) أنه سئل عن الاستدراج فقال : (إذا أحدث العبد ذنباً، جدد له نعمة ، فيدع الاستغفار ، فهو الاستدراج ، و كان من أيمانه لا و أستغفر الله).

* وقال رسول الله (ص) : (من أصبح وأمسى وعنده ثلاث، فقد تمت عليه النعمة في الدنيا: من أصبح وأمسى معافىً في بدنه، آمنا في سربه، عنده قوت يومه، فإن كانت عنده الرابعة، فقد تمت عليه النعمة في الدنيا والآخرة، وهو الإيمان).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى