الملفات الساخنة (احادیث الجمعه السابقه)

سوء العاقبة وموجباته

– قلنا أن الإنسان العاصي يمر بمراحل عديدة ، بدءاً من قساوة القلب ، ومروراً بالرغبة الخفية في الحرام ، ثم التمادي شيئاً فشيئاً حتى يصل إلى مرحلة الختم على القلب ، فيصبح مستهتراً بالحرام ، مجاهراً بالفسق ، مستهزئاً بما جاءت به الشريعة ، ويكفر بالله ورسوله ، وتسلب منه محبة أهل البيت(ع).. كما حصل للخوارج وغيرهم الذين لم تنفعهم صحبة الأئمة (ع)، ولم يمنعهم من الأئمة(ع) كونهم مسلمين ، أو كونهم يعبدون الله الليل والنهار..قال رسول الله (ص) : (يا عباد الله !..احذورا الانهماك في المعاصي والتهاون بها ، فإنّ المعاصي تستولي الخذلان على صاحبها ، حتّى توقعه في ردّ ولاية وصيّ رسول الله (ص) ودفع نبوّة نبي الله ، ولا تزال أيضاً بذلك حتى توقعه في دفع توحيد الله والإلحاد في دين الله).

– إن قابليات الناس بالنسبة لتلقي الوعظ والإرشاد مختلفة ، تبعاً للطف والتوفيق الإلهي ، فهي تارة تكون قابلية منفتحة متطلعة لكل ما يقال ، كما في قوله تعالى:{وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ }..وتارة أخرى معرضة منغلقة ، قال تعالى: {وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ}.. مما يؤكد أن الله تعالى إذا أحب عبداً فتح شهيته للعبادة ، وألهمه فعل الطاعات ، لأنه يحب تقرب هذا العبد.. والعكس صحيح ، فالذي يكون مبغوضاً عند الله تعالى ، فإنه يكره عمله ، حتى أنه -كما ورد في الروايات- يعجل له في الإجابة ، لأنه يكره سماع صوته !..أو يملي له بالنعم ، فيشغله بها عن ذكره والتقرب إليه..

وعليه ، فإن الذي تتحقق فيه آية تحبيب الإيمان وتزيينه في القلوب وتكريه الكفر والفسوق والعصيان ، فهل يصبح لديه ميل للحرام أو إعراض عن واجب أو مستحب؟!.. وأيضاً الذي كره الله انبعاثه ، فثبطه ، وجعله من القاعدين ، فهل يمكنه التقدم والعمل المرضي لله جل وعلا؟!.. نعم ، هذا اللطف والتسديد أو التقييد ، بمثابة المنّ والعقوبة الإلهية لمن له أهلية استحقاقية لأي منهما.

– وكم من الجميل أن يحسن المرء الاستماع والإتباع، فيلتقط ما يقوله الخطيب من الجواهر ، ومن ثم يطبقها في حياته العملية ..عن النبيّ (ص) : يقول الله تعالى : (مَن أحدث ولم يتوضّأ فقد جفاني ، ومن توضّأ ولم يصلّ ركعتين فقد جفاني ، ومن صلّى ركعتين ولم يدع فقد جفاني ، ومن دعا ولم أُجبه فيما سألني من أمور دينه ودنياه فقد جفوته ، ولست بربٍّ جاف).. إن مجرد الالتزام بهذه الحركة البسيطة ، تفتح لصاحبها أبواب البركات في عالم التقرب إلى الله تعالى. فيا لها من بركات عظيمة!.. فهل من مجرب ؟!.. فالتجربة خير برهان ..

– إن من الكواشف المهمة الدالة على شفافية القلب ، الذي يرجى منه الخير ، هو تفاعله مع ذكر الله تعالى ، وفي عزاء سيد الشهداء (ع) ، وتأثره في ذكر إمام زمانه صاحب الأمر (عج).. فلا شك أن تفاعله في هذه المواطن الثلاث ، ليس اعتباطياً ، بل كاشف على سنخية وارتباط بهذه المبادئ المقدسة.. ومن هنا فالذي لا يجد تفاعلاً ، فإن عليه أن يبحث عن العلة ؛ فإن كان العرض طارئاً نفسياً أو بدنياً أو ما شابه ذلك فلا ضير ، ولكن المشكلة إذا كان نتيجة تراكم الرين على القلوب.. قال أمير المؤمنين (ع) : (ما جفّت الدموع إلاّ لقسوة القلوب ، وما قست القلوب إلا لكثرة الذنوب)..

وفي رواية طريفة عن الإمام الصادق (ع) يبين فيها تأثير الذنوب على الإنسان ، ولو في أموره البسيطة ، تقول : دخل عليه رجل من البدو الرحل ، وكانت الريح قد طيرت عمامته ، فقال له الإمام(ع): هذا جزاء مَن أطعم الأعراب!.. أراد الإمام أن يشير إلى هذه الحقيقة : بأن هذه رسل الرب إليك ، أراد أن ينبهك من مغبة العيش في مواطن الأعراب.

فإذن، المؤمن يستقبل هذه العلامات ويحللها في نفسه ؛ فإذا رأى نفسه عندما يذنب في النهار ، يحرم صلاة الليل ، فيمنع الرزق ، وترتفع عنه الحماية الإلهية ، فينزل به البلاء .. إذا لاحظ هذه السلسلة المتعاقبة والتي قد تكون بسبب ذنب صغير مثلاً ، فإنه بلا شك يرتدع في المرة القادمة عن مقارفة مثل هذا الذنب ويحترس أكثر..

وعادة ما يتعامل الرب تعالى مع عباده بهذا الأسلوب ، فتراه قد ينبههم بعد الذنب مباشرة ببلية ما : سقطة أو غيرها ، وبحسب الذنب يكون حجم هذه البلية.. والبعض قد تتوالى عليه البلايا من كل حدب وصوب ، فعليه في هذه الحالة أن يراجع نفسه ، وينظر من أين أُكل ، وما سبب ذلك الانقلاب في حياته.. قال رسول الله (ص) : (ما اختلج عرق ولا عثرت قدم إلاّ بما قدّمت أيديكم ، وما يعفو الله عنه أكثر).

– إن البعض -مع الأسف- يرتكب الذنوب معولاً على شفاعة أهل البيت (ع) ، والحال أن المفروض للمؤمن أن لا يعول على الأمور الظنية ، وما لا يوجب اليقين.. فمن يضمن له أن مع تراكم هذه الذنوب سيكون مستحقاً للشفاعة؟!.. ومن يدري إلى أين تجره ؟!.. إلى حيث لا تنفع فيه الشفاعة ، إلى الكفر والعياذ بالله.. فلنعتبر بما يقوله أمير المؤمنين (ع): (لا تتّكلوا بشفاعتنا ، فإنّ شفاعتنا قد لا تلحق بأحدكم إلاّ بعد ثلاثمائة سنة )!.. وقال رسول الله (ص) : (إنّ الرجل ليجلس على باب الجنة مقدار عامٍ بذنبٍ واحد ، وإنه لينظر إلى أكوابه وأزواجه).. بربط الحديثين نحصل على هذه الحقيقة المخيفة : هذا لو كان عليه ثلاثمائة ذنب فقط فإنه يقيم عند باب الجنة ثلاثمائة سنة ، فماذا لو كان أكثر من ذلك ؟!.. ومن يدري كم تعدل السنة في ذلك العالم ؟!.. فشتان بين إنسان يخرج من القبر مسرعاً الدخول في الجنة بلا حساب ولا فضيحة على رؤوس الأشهاد ، وبين آخر يظل يعاني العقبات الواحدة تلو الأخرى إلى ما شاء الله .

– لا تقل هذه صغيرة ، فإن صاحب الصغائر هو صاحب الكبائر ، فلا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار .. إن البعض -مع الأسف- قد يتساهل في النظرة المحرمة ، ويقول أنه ما الضير ما دام النظر بلا شهوة وريبة !..لا أدري كيف يكون ذلك ؟!.. فيظن أن النظرة المريبة محاولة إيقاع الفريسة في الشباك ، وأن نظرته بريئة !.. والحال بأن كل ما فيه إثارة ويوجب الانجرار إلى المعصية فهو حرام ، حتى النظر إلى الأفلام التي قد تكون الممثلة فيها ميتة من عشرات السنيين.. إن علة التحريم هي الإثارة التي تؤدي إلى فقدان السيطرة ، ومن ثم الانجرار إلى المعصية الكبرى.. فإذن ، علينا أن ننتبه إلى هذا الأمر جيداً ، فإن الإصرار على الذنب الصغير يحوله إلى ذنب كبير.

– لا شك في أن أمنية الأماني أن يعمر الإنسان في هذه الحياة ولا سيما إن كانت في طاعة الله تعالى.. قال الإمام الصادق (ع) : (إنّ الله تعالى لم يجعل للمؤمن أجلاً في الموت ، يبقيه ما أحبّ البقاء ، فإذا علم منه أنّه سيأتي ما فيه بوار دينه قبضه إليه مكرماً).. أي إن الله تعالى إن علم بأن في عبده خيراً وأن في حياته مصلحة وخدمة للدين ، أبقاه إلى ما شاء تعالى ، ولكن إذا ما رأى أنه سيودي بنفسه إلى التهلكة ، قبضه إليه مكرماً رأفة به.. ومن هنا كثر موت الفجأة إزاء انتشار الفساد -هذه الأيام- بكل صوره.. ولهذا من المناسب أن يدعو المؤمن ربه أن يجعل بقاءه في كل خير يحبه ويرضاه ، وإلا فالموت خير من الحياة على المعصية ، كما كان يدعو الإمام السجاد (ع) : ( إلهي عمّرني ما كان عمري بذلة في طاعتك ، فإذا كان عمري مرتعاً للشيطان فاقبضني إليك).

– إن الإنسان الملتفت إلى نفسه ، قد لا يرى فيها عظمة أو فخراً ، بأنه استطاع أن يغلب هواه في موقف ما أثاره ، إذ هو يحمل في داخله الحياء من المحسن الرب تعالى ، الذي بدأه بالتفضل وأسبغ عليه بالنعم من دون طلب أو استحقاق منه ، فكيف يجازيه بالنكران والمعصية !.. قال الرضا (ع) : (الصغائر من الذنوب طرق إلى الكبائر ، ومَن لم يخف الله في القليل لم يخفه في الكثير ، ولو لم يخوّف الله الناس بجنة ونار ، لكان الواجب عليهم أن يطيعوه ولا يعصوه ، لتفضّله عليهم و إحسانه إليهم ، وما بدأهم به من أنعامه الذي ما استحقّوه).

– إن الاستغفار هو ورد المؤمن الدائم ، وهو الذي أغاظ إبليس وقض مضجعه وجعله يقيم هذا الاجتماع الدولي لعفاريته !..عن الإمام الصادق (ع) : لما نزلت هذه الآية : {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم}صعد إبليس جبلاً بمكة يقال له ثور ، فصرخ بأعلى صوته بعفاريته فاجتمعوا إليه ، فقالوا : يا سيدنا !.. لِمَ دعوتنا ؟.. قال : نزلت هذه الآية ، فمَن لها ؟.. فقام عفريتٌ من الشياطين ، فقال : أنا لها بكذا وكذا ، قال : لستَ لها ، فقام آخرٌ فقال مثل ذلك ، فقال : لستَ لها ، فقال الوسواس الخنّاس : أنا لها ، قال : بماذا ؟.. قال : أعدهم وأُمنّيهم حتى يواقعوا الخطيئة ، فإذا واقعوا الخطيئة أنسيتهم الاستغفار ، فقال : أنت لها ، فوكله بها إلى يوم القيامة .

بلا شك أن المواظبة على الاستغفار بتوجه في القنوت ، وعقيب الفرائض ، وبعد الذنب مباشرة ، كافٍ لأن يبطل مفعول هذه العفريت الذي اتفق مع الشيطان على إغواء بني آدم.. ومن المناسب للمؤمن أن يجمل في الاستغفار ، كما جاء في دعاء الرضا(ع) : (رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأجل الأكرم )، أو ما ورد في يوم الجمعة : (اللهم ما قلت في جمعتي هذه من قول أو حلفت فيها من حلف أو نذرت فيها من نذر فمشيئتك بين يدي ذلك كله اللهم أنت الغفار فاغفر ذنوبي ).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى