الملفات الساخنة (احادیث الجمعه السابقه)محاظرات أبوظبي

تفسير مطلع سورة المؤمنون – 2

– يفتتح الله عزوجل سورة المؤمنين بإغراء جميل حيث يقول تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ .. }..فهنا (قد) للتحقيق و(أفلح) فعل ماضي محقق الوقوع .. ومن الملفت أن الخشوع في الصلاة هي أول سمة تذكر من سمات المؤمنين مع أنها سمة مستحبة ، إلا أننًا نلاحظ بأنها قدمت على مسألة الحفاظ على الصلاة وأدائها في أوقاتها.

– وقد يكون السبب : في كون أن الخشوع في الصلاة كاشف عن حالة راقية في الإنسان ، وعلامة على حالة من الارتباط والانسجام بين الخالق والمخلوق ..وعليه ، فإن من يريد أن يعلم درجته عند الله تعالى ، ويعلم مدى سلامة قلبه وروحه العالية ، فلينظر إلى مستواه في صلاته .. ولا شك بأن عدم الإقبال في الصلاة والتفاعل في مجالس الذكر الإلهي ، دليل نقص في العلاقة مع رب العالمين .. عن علي (ع) أنه قال لواليه على مصر : (واعلم أنّ كل شيء من عملك تبع لصلاتك فمَن ضيّع الصلاة فإنّه لغيرها أضيع )…

– لا يختلف اثنان في أننا في عصر قلت فيه موجبات التكامل ، من حيث كثرة المغريات والمفاسد المواكبة لحركة التطور..ولو أن إنسان ترك نفسه بدون أي عوامل ، فإنه تراه يرجع القهقرى.. ومن هنا لزم حمل هم النفس وترقيتها .. لزم التفكير الجاد فيما بعد الموت : حياة البرزخ ، وعرصات القيامة ، والوقوف بين يدي رب العالمين ، قبل أن يفوت الفوت ، ويغزوه الشيب .. لزم إتقان الصلاة.. فلو أن أحدنا مارس عملاً ما ، فإننا نجده بعد مدة بسيطة يتقن هذا العمل ، فما بال صلواتنا هي هي لا تتغير عن سن البلوغ !!. ألا يستدعي هذا الأمر إلى قليل تفكير لمعرفة الأسباب ؟..

– إن نقطة البدء كما قال علي (ع) هي الصلاة.. علينا بإتقانها بقالبها الظاهري والباطني ، والإتيان بها في أوقاتها ؛ لا التهاون في معرفة مسائل الطهور ، ولا التكاسل في تأديتها عن أول الوقت ، وبالخصوص صلاة الفجر الضائعة بين الفرائض .. فلماذا هذا التكاسل عن صلاة الفجر ، ومن المعلوم أن الجلوس بين الطلوعين أبلغ في طلب الرزق من الضرب في الأرض !!.

– إن من مصاديق التهاون في الصلاة : تركها عمداً بعضها أو كلها ، أو تأخيرها عن أول الوقت بغير علة ، أو تأديتها في حالة سهو ولهو ..وقد ورد في حديث عن الرسول الأكرم (ص) أن المتهاون في الصلاة يبتلى بخمسة عشر خصلة : ست منها في الدنيا ، وثلاث عند الموت ، وثلاث في القبر ، وثلاث في يوم القيامة .. ومن المناسب هنا أن نقف وقفة تأملية حول هذه الخصال ، لنلتمس منها العظة والعبرة :

* ففي الدنيا : (يرفع الله البركة من عمره ): فلاشك بأن الذي يتهاون في صلاته ، أن الأيام والليالي تمر عليه ، والسنون تجر وراءها السنون ، وينقضي عمره ، وإذا هو صفر اليدين مفلسٌ ، يقلب كفيه حسرة على ما فرط في جنب الله ، وحينئذ لا ينفع الندم ولات حين مناص .

(ويرفع الله البركة من رزقه) : فلا يوفق للإنفاق في وجوه الخير – ولو كان يملك ما يملك من الأموال والثروات الطائلة- وبالتالي فإنه يحرم مما يعود عليه بالنفع دنيا وآخرة .

(ويمحو الله عز وجل سيماء الصالحين من وجهه) : فتغمره الظلمة من وجه إلى قلبه ، فلا يكاد يطاق لا شكلاً ولا حديثا ، ولئن كان حسن الوجه بحسب المقاييس الظاهرية .. سئل عليّ بن الحسين (ع) ما بال المتهجّدين باللّيل من أحسن الناس وجهاً ؟.. فقال 🙁 لأنّهم خلوا بربّهم فكساهم الله من نوره ).

(وكلُ عمل يعمله لا يؤجر عليه): روي عن الإمام الباقر (ع) أنه قال : (أول ما يحاسب به العبد الصلاة ، فإن قُبلت قُبل ما سواها)..فإذن ماذا عن قوله تعالى :{فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ }؟.. قد يكون المقصود من ذلك الأجر التفضلي لا الاستحقاقي ، إذ أن الله سبحانه وتعالى – بلا شك – المتفضل دوماً على عباده تحنناَ منه ورحمة.

(لا يرفع دعاؤه إلى السماء) : لا خلاف في أن الحبيب مستجيب لحبيبه ، والإنسان المتهاون في صلاته ، يفتقد إلى العلاقة الحميمة مع رب العالمين ، إذ لا توجد بينه وبين الله تعالى ألفة ومودة توجب استجابة الدعاء ؛ مثله كمثل إنسان وفد على وزير وبينهما عداء ، فيا ترى هل يقضي حاجته مهما كانت بسيطة؟..

(ليس له حظ في دعاء الصالحين) : إن الإنسان الذي يتهاون في صلاته يخرج من دائرة المؤمنين ، وإن انطبقت عليه بعض العناوين العامة من ولاية علي وذريته (ع) ، وبالتالي فإنه لا حظ له في دعاء الصالحين ، وفي رواية جميلة عن الإمام الصادق (ع) أن أحدهم سأله : جُعلت فداك !.. علّمني دعاء جامعاً ، فقال له : (احمد الله ، فإنّه لا يبقى أحدٌ يصلّي إلا دعا لك يقول : ” سمع الله لمن حمده ” ).

* وفي الموت : (يموت ذليلاً ، جائعاً ، و عطشانا) : من المعلوم أن من أصعب الحالات على الإنسان ، ساعة فراقه الدنيا ونزع روحه ، حيث يعيش عوالم كثيرة وشديدة لا يعلمها إلا الله عزوجل ، وهي بلا شك أشد على المبتلين بالمعاصي ، فالحذر الحذر !!..فإن الله تعالى على كل شيء حسيبا .

* وفي القبر : (يوكّل الله به ملَكَا يزعجه في قبره ، ويُضيّق عليه قبره ، وتكون الظلمة في قبره) : وهذا خلاف لطبيعة الملك الذي من المعلوم أن دأبه إدخال البشرى والراحة والسرور على الإنسان ، فما باله هكذا مع المتهاونين في الصلاة ؟!.

* وفي يوم القيامة : (يوكل الله به ملَكا يسحبه على وجهه والخلائق ينظرون إليه ، ويحاسب حساباً شديدا ، ولا ينظر الله إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم ) .

– إن الكثير من الناس قد تأخذهم الغفلة في هذه الدنيا ، ولكنه عندما يستيقظ يوماً على واقعه المرير ، ويجد نفسه على مزبلة نتنة قذرة ، ترى الشيطان يعرض له ويكون له بالمرصاد ليحول دون المبتغى ، قائلاً : أنه مالك أنت وهذا الطريق ، فهذا شأن العلماء وأصحاب الحوزات !!.. أبَعَد هذا العمر وبعد أن اشتعل الرأس شيبا تنشد تغييراً أو حضوراً للدرس !!.. الفرصة قد ضاعت عليك ، فدع الأمر للشباب ممن هم دونك !.. والحال بأن العمل على إيقاف الخسارة في أسرع ما يمكن ، ربح في حد ذاته ، كما هو الملحوظ عند بعض التجار الأذكياء.. فينبغي الحذر الشديد من الشيطان الذي همه تثبيط الهمم والتثاقل إلى الأرض ، فما أشد حرصه على الغواية والحول دون الخروج من سلطان الهوى !!..

إن الأمر لا يحتاج إلى كثير تعقيد أو جهد مخيف ، فإن الالتزام بصلاة أول الوقت هو مفتاح لكل البركات.. ومما ينقل عن أحد العلماء الكبار أنه قبيل وفاته أراد أن يلخص تجاربه في الحياة فأوصى تلاميذه قائلاً : (عليكم بصلاة أول الوقت)..وما أجمل أن يتوج ذلك بالالتزام بالصلاة جماعة في المسجد ، إذ لا يخفى أهمية ارتياد المساجد من ناحية تعلم معالم الدين أحكاماً وثقافة.

صوت المحاضرة: تفسير مطلع سورة المؤمنون – 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى