الملفات الساخنة (احادیث الجمعه السابقه)محاظرات أبوظبي

ما هو الإيمان الفصلي والثابت؟

– من الأمور التي تكثر فيها الشكاوى ، هي حالة التذبذب والمرحلية في العلاقة مع رب العالمين ، إذ أن البعض – مع الأسف- يكثف سعيه وجهده في مواسم معينة -كشهر رمضان مثلاً – وكأنه المطلوب منه التعبد في هذه الأشهر فقط!..إن من المفروض للمؤمن أن تكون علاقتة وطيدة مع ربه في كل الأحوال : في السراء وفي الضراء .. وفي كل الأزمنة ، فلا فرق في شهر رمضان أو شوال ..وفي كل المواطن تكون حالته واحدة ، فسواء كان في بيت من بيوتات الرحمن ، أو في أي من ديار الله الواسعة .

– إن حالات الإقبال المرحلي ، إنما تكون حجة يوم القيامة على كل من يختلق الأعذار ، لتبرير تقصيره في حق الله تعالى ، فمن المعلوم أن من أراد شيئاً ، بذل جهده سعياً لتحصيله مهما كانت الظروف ..ومن هنا فإن العتاب الإلهي بليغ يوم القيامة ، قال تعالى :{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}..إذ لا شك في قبح مثل هذه العلاقة التي لا يرتضيها الإنسان لنفسه ، فكيف برب العالمين؟!..

– من دوافع الإيمان الفصلي :

* نقصان الوعي والثقافة : إن عالم القرب الإلهي ، ليس مجرد قطرات من الدموع تذرف من خشية الله ، فإذا ما افتقد الإنسان إلى بصيرة تدفعه للمضي قدماً إلى الإمام ، فإن مآل هذه الحالة إلى زوال سريع ..فلابد إذن من إدراك بعض المفاهيم الإسلامية المهمة ، التي من شأنها توثيق علاقة الإنسان بربه ، فمنها :

علاقة الخالقية : بأن يتأمل في خالقه وكيف أوجده بعدما كان عدماً ، من نطفة قذرة ، ثم جعله في أحسن صورة ..

وعلاقة الربوبية : فذلك الرب الذي تولى رعايته منذ كان جنيناً في بطن أمه ، حيث كان ضعيفاً عاجزا ، وعلمه حيث ولد جاهلا لا يعلم شيئاً ..

وعلاقة الرازقية : فالله تعالى هو الخالق ، وهو الرب ، وكذلك هو الرازق ، الذي بيده كل شيء ، فهو مسبب الأسباب ومدبر الأمور ، وهذا ما تشير إليها هذه الاستفهامات الإلهية في سورة الواقعة عن الحرث ، والماء ، والنار ، إذ يقول تعالى : {أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ }، {أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ }، {أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ }..

* غلبة الهوى :من المعلوم أنه يلزم لتمامية الأثر أمران :

الأول : وجود المقتضي ، ما يعبر عنه هنا بالعزم على الاستمرارية التعبدية ..

والثاني : انتفاء المانع ، والذي يمثل بغلبة الأهواء والتثاقل إلى الأرض ..

ومن الغريب أن الإنسان في أمور الدنيا التافهة نرى بأن له عزما قويا ، تجاوز التحدي لكل العراقيل والصعوبات التي تعترض طريقه ، ولكنه من المؤسف هذا التخاذل والقعود ، عما من شأنه العروج بالإنسان إلى ملكوت السماوات والأرض ..ومن هنا ورد عن أهل البيت (ع) قولهم : (وإن أفضل زاد الراحل إليك عزم إرادة يختارك بها…) ، وهنا تحفيز وحث على بذل الجهد وشد الهمة في الطريق إلى الله ، حيث يقول تعالى:{وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ }.

* البيئة الغالبة : لا شك في أن للمحيط الذي يعيش فيه الإنسان ، الأثر الكبير على سلامة الروح والارتباط بعالم الغيب .. إن الإنسان تارة يكون معذوراً في التعامل والاحتكاك بالفئة الضالة من الناس ..وتارة هو برجله يذهب إلى حتفه ، إما بمرافقة أهل السوء ، أو بالسفر إلى بلاد الفسق ..ومن المسلم به بأن الذي يتعرب بعد الهجرة ، فإنه بين أمرين : فأما أن يبحر عكس التيار ، ويقاوم ليسمو بنفسه إلى أعلى عليين ..وأما أن يضعف ويسقط في أسفل سافلين .. وفي المقابل فإن الجو الإيماني نافع جداً للتأثير على الإقبال في العبادة ، ومن هنا نلاحظ أن أهل البيت (ع) يأمرون بأن تسدل الستار لحضور النساء في مجالس العزاء ، لحث الرجال على التأثر والبكاء .

– إن من الملفت عند البعض من المؤمنين ، هو انجرافهم وراء أباطيل القوم التي ما أنزل الله بها من سلطان ، ومثال ذلك : هي ظاهرة إحياء ذكرى المسيح (ع) ، وما يحدث في هذا اليوم من تفشٍ بالغ لكل صنوف الفساد ..ينبغي للمؤمن ألا يساهم في سن سنة ليست في شريعته ، إلا ذا كان الهدف هو ترويج الدين ، فعندئذ لا مانع من ذلك.

– من موجبات الإيمان الثابت :

* استشعار لذة العبادة : إن اللذائذ المعنوية لا تقاس بأي لذة في الوجود ، ومن هنا فإن أهل الجنة يوم القيامة ينشغلون بالنظر إلى وجه الله تعالى عن الحور والقصور .. ولقد كان بعض علمائنا الأبرار في جوف الليل ، عندما تنكشف لهم إحدى الحقائق الملكوتية يصيحون : (أين الملوك وأبناء الملوك من هذه اللذة!!..).. ورد في الحديث القدسي : (يا عبادي الصديقين !.. تنعّموا بعبادتي في الدنيا ، فإنكم تتنعمون بها في الآخرة ).

* خوف الخذلان : إن الذي يحضر المائدة الإلهية ثم يقابل ذلك بكفران النعمة ، فلا يأمن على نفسه هذا العذاب الذي هدد به حواري عيسى (ع)، إذ قال تعالى : {قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ}..فالذي تنزل عليه هذه المائدة في ليلة القدر مثلاً ، ثم في نهاره يبادر بالمعصية ، لا شك في أنه سيكون عرضة للعقوبة الشديدة من الإدبار وقسوة القلب ..

* المبادرة إلى التوبة النصوح : إن الإنسان الذي يستيقظ من غفلته ويبصر ، فإذا هو قابع في مزبلة نتنة ، لا شك في أنه سيتحرك للخروج مما هو فيه ..ومن المناسب هنا ذكر هذه القصة المعبرة في هذا المجال:

إنّ بني قريظة لما حُوصروا بعثوا إلى رسول الله (ص) أن ابعث إلينا أبا لبابة عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف – وكانوا حلفاء الأوس – نستشيره في أمورنا ، فأرسله (ص) إليهم فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش إليه الصبيان والنساء يبكون في وجهه ، فرقّ لهم ، فقالوا : يا أبا لبابة !.. أترى أن ننزل على حكم محمد ؟.. قال : نعم ، وأشار بيده إلى حلقه إنه الذبح .
قال أبو لبابة : فو الله ما زالت قدماي حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله ، ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله (ص) حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده ، قال : لا أبرح مكاني حتى يتوب الله عليّ مما صنعت ، وعاهد الله لا يطأ بني قريظة أبداً ، ولا يراني الله في بلد خنتُ الله ورسوله فيه أبداً .
فلما بلغ رسول الله (ص) خبره وأبطأ عليه ، قال : أما إنه لو جاءني لاستغفرتُ له ، فأما إذا فعل ما فعل ما أنا بالذي أطلقُه عن مكانه حتى يتوب الله عليه ، ثم إن الله أنزل توبة أبي لبابة على رسول الله (ص) وهو في بيت أم سلمة ، قالت أم سلمة : فسمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله يضحك ، فقلت :
ممّ تضحك يا رسول الله ، أضحك الله سنّك ، قال : تيب على أبي لبابة ، فقلت : ألا أبشّره بذلك يا رسول الله ؟!..
قال : بلى إن شئت ، فقامت على باب حجرتها وذلك قبل أن يضرب عليهنّ الحجاب ، فقالت :
يا أبا لبابة !.. أبشر فقد تاب الله عليك ، فثار الناس عليه ليُطلقوه ، قال :
لا والله حتى يكون رسول الله (ص) هو الذي يُطلقني بيده ، فلما مرّ عليه رسول الله (ص) خارجاً إلى الصبح أطلقه .

صوت المحاضرة: ما هو الإيمان الفصلي والثابت؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى