Search
Close this search box.
Layer-5-1.png
نص المحاضرة (النسخة الأولية)

– إن القرآن الكريم يعبر عن الأمور الباطلة التى تدفع الانسان الى طاعته بـ( الإله) .. فهو يعبر عن الهوى قائلا: { أفرأيت من أتخذ إلهه هواه}.. وعن الاحبار { إتخذوا أحبارهم ورهبانهم اربابا من دون الله } .. وعن الشيطان { إن لا تعبدوا الشيطان } .. والجامع بين كل ذلك :

– لا بد لكل انسان ان يكتشف الخارطة الداخلية لنفسه ، ليحدد موضع الهوى من وجوده .. فان المولود يولد على الفطرة الالهية ، وينمو مع نموه : العقل الذاتي والاكتسابي ، وبموازاة ذلك تنمو عنده الغريزة ، ويبلغ نضجها عند البلوغ ، وحينئذ يقع الصراع بين جنود العقل وجنود الغريزة.

– ان المرحلة الاولى في صراع الهوى مع العقل ، تتمثل في محاولة عزل العقل عن الشرع ، فيبدأ صاحب الهوى يبحث عن فلسفة كل حكم ليعمل به ، فإذا لم يقتنع بها عقله القاصر ، ترك العمل بدعوى العقلائية والتحرر الفكري . وفي المرحلة الثانية تحاول جنود الهوى محاصرة العقل ومنعه من ان يتحكم في الارادة – وبالتالي في السلوك – وفي هذه المرحلة تكون المعركة بين غالب ومغلوب .. وفي المرحلة الثالثة تحتل جنود الهوى مملكة العقل ، واذا بالعقل لا حاكمية له في تلك المملكة ، وحينها يرى صاحب الهوى الغالب: المنكر معروفاً والمعروف منكرا.. والإنسان في هذه المرحلة ، يصل الى درجة الختم على القلب ، فله عين لا يبصر بها ، وله سمع لا يسمع به ، وله قلب لا يفقه به.

– ان من مشاكل العصر الحديث هو اعطاء الاباحية بعدا فلسفيا.. فذهب بعضهم الى ان كل انسان حرّ ما لم يصطدم بحرية الآخرين ، وهي مقولة تساوي الغاء انسانية الانسان والحاقه بالبهائم التي لا تعرف قيداً في الحياة.. فبأي منطق جاز لنا ان نتيح للإنسان ان يفعل ما يشاء ، والحال ان الهوى – وهو امير وجوده – لا يعرف قبيحاً شرعياً ولا عرفياً ؟!..وهل يمكن ان ننكر وجود ممارسات في الحياة ، تضر بالانسان كفرد ، سواء في بعده النفسي أو البدني ؟..

– ان من مناشئ غلبة الهوى هو :عدم التحكم في الحرام الاول بعد البلوغ، فإن للحرام الاول قبحه عند المكلف ، ولكن بتكرار الممارسة ، يفقد الحرام قبحه الى ان يصل الانسان الى درجة يرى نفسه غير قادر على السيطرة على نفسه ، رغم قناعته التامة بقبح ما يرتكبه ..ومن هنا كانت مراقبة الوالدين ايام البلوغ ، ضرورية في هذه المرحلة.

– من الاسباب أيضا جهل الانسان بعاقبة اتباع الهوى ، فإن الربط الدائم بين المقدمات والنتائج من مقتضى التفكير السليم ، فإي عاقل يقدم على لذة فانية تعقبها حسرة دائمة سواء من جهة : الندامة النفسية ، والفضيحة الاجتماعية ، والعذاب الأخروي؟!.

– ان طبيعة الانسان تبحث عن اللذائذ ، فإذا اردنا ان نردعه عن بعض اللذائذ المحرمة ، فلا بد لنا من طرح البديل الصالح المتمثل باللذة الحسية المباحة .. ولكن هناك صنفان آخران من اللذائذ، يسدان فراغاً كبيرا في النفس .. فهناك التلذذ العلمي ، اذ ان لاكتشاف المجهول لذته التي لا تنكر ، وهنالك التلذذ الروحي بالحديث مع مصدر السعادة واللذائذ في الحياة ، الا وهو الاله الذي خلق اللذائذ كلها حسية ومعنوية.

– التلذذ عبارة عن :ارتياح باطني ، نتيجة للوصول الى المقصود .. فالذي بذل جهده في تحويل مقصوده الحسي الى مقصود معنوي ، فإنه سيلتذ ايضا عند الوصول الى مقصوده المعنوي .. ومن هنا كانت لذة اهل العبادة والفكر ليست بأقل من لذة اهل الهوى ، بل أكثر واكثر ، لان اللذائذ الحسية متقطعة ومكلفة ، والمعنوية باقية وبلا كلفة.

– ان للشهوات عاصفة فجائية ، فإذا قاومها الانسان متذكرا عاقية الصبر عليها ، ولذة الفوز بالتغلب عليها ، فإنها تتلاشى وخاصة مع التكرار . والامر في كثير من الاحيان لا يحتاج الا الى بضع دقائق من التحكم في الارادة ، لتخمد نار الشهوات بتسديد من الله تعالى ، الذي يتدخل في قلب عبده في مثل تلك اللحظات ، مصداقا لقوله تعالى { كذلك لنصرف عنه السوء} ..

– من نعم الله تعالى على عبده ان يريه ملكوت الحرام ، فإذا انكشف له ذلك ، كان من السهل عليه اجتناب الحرام الذي يشمئزمنه اشمئزازا ، كمن يرى بالمجهر الجراثيم القاتلة في الطعام الشهي ،فينصرف عنه من دون مجاهدة .. وكذلك من يرى بمجهر القلب السليم الجراثيم الخفية الباطنية في كل محرم ، فانه سيرتدع من دون مجاهدة مضنية .

– ان من سبل الحصانة في هذا المجال : هو عدم التعرض لمثيرات الهوى ، والتي انتشرت في زماننا هذا ، بما لم نعهد مثله في تاريخ البشرية.. فإن العاقل لا يشعل نار الفتنة ، بدلا من اطفائها بعدا اشتعالها

– ان مصاحبة اهل الهوى من سبل الوقوع في الهاوية ، فما الداعي لصرف الانسان عمره وماله في علاقات اجتماعية عريضة مع كل الفئات ، وفيهم من لا ينفعه في دنيا ولا آخرة ؟!..وقد ورد ان اقل ما يكون في آخر الزمان : درهم من حلال ، او اخ يوثق به.

Layer-5.png

ملاحظة: هذا النص تنزيل لصوت محاضرة الشيخ حبيب الكاظمي فقط، ولم يمر بمرحلة التنقيح واستخراج المصادر بعد.