Search
Close this search box.
Layer-5-1.png
نص المحاضرة (النسخة الأولية)

إن حياة البشرية اليوم، قائمة على أساس البرمجة والتخطيط.. ومن أهم الأسس في هذا المجال هي: دراسة الإمكانيات الموجودة، ثم البحث عن الإمكانيات الممكنة، ثم البحث عن نقاط الضعف والخلل، ثم التفكير في علاج تلك النقاط وتحويلها إلى نقاط قوة.. فإذا تمت هذه الدراسة فى جميع تلك الفروع، فقد تمت بذلك الهيكلية العامة للتخطيط الناجح.. ومن المعلوم أن السائر على طريق واضح، لا تهمه ساعة الوصول ما دام مطمئنا من صحة مسيرته.

إن الله تعالى خلق هذا الكون المحير وفق برنامجه الذي لا نحيط علما به، فهذه الجينات الوراثية في الخلية الحية، ما هي إلا برنامج مكتوب بتلك اليد البديعة، وهي التي تضع الخلية الأولى في مسار التكامل السريع، وإذا بها تتحول -وفق ذلك المخطط المرسوم- إلى أرقى موجود على وجه الأرض!.. وعليه، فإن برمجة حياتنا اليومية، صورة من صور التخلق بأخلاق الرب، وهل من ضير في أن نتشبه بأخلاق الحكيم المتعال؛ ولكن في حدود القدرات البشرية؟..

إن قصر الحياة في هذه الدنيا، يجعل أحدنا حريصا على اغتنام أية فرصة من فرص العمر، وخاصة أن حياة أحدنا يكتنفها جهل ما قبل البلوغ، وضعف ما قبل الممات؛ فلم يبق إلا أيام عنفوان الشباب بما فيه من نشاط وحيوية.. والذي يحز في النفس، ويثير بالغ الأسف: أن سكر الشباب يشغل البال عن كثير من الأمور، التي لا يمكن تعويضها لاحقا.. ومن المعلوم أن الندامة يوم القيامة من أشد صور التعذيب، عندما يرى الفرد تلك الفرص الذهبية التي مرت عليه مر السحاب من دون اغتنام!..

إن الشيطان يحاول في أول الأمر أن يشغل العبد بالقبيح، فإذا رأى العبد منشغلا بالحسن عن القبيح، حاول أن يشغله عن الأحسن بالحسن، بمعنى أنه يقنع في آخر المطاف، أن ينشغل العبد بطاعة من الطاعات؛ ولكنها ليست الأرقى في نظر المولى، كمن ينشغل ببعض المستحبات اللفظية، تاركا واجبه الاجتماعي تجاه الآخرين: صلة للأرحام، ونهيا عن الحرام، وتثبيتا لحاكمية الله تعالى في الأرض.

إن برمجة الحياة تحتاج إلى معونة خبير في هذا المجال، ليأخذ بيد العبد التائه، والمتخبط في مشيه.. ولكن لا نخفى سرا عندما نقول: إن قلة وجود المرشدين الصالحين، من آفات هذا العصر الذي طغت فيه المادة الملهية، على التفكير الجاد في برمجة الحياة الأبدية، والتي لا تعد الحياة الدنيا في قبالها إلا صورة من صور اللهو واللعب، كما عبر عنه القرآن الكريم.. ولكن فى مقابل ذلك فإن سهولة الوصول إلى سيرة الأولياء من المعصومين (ع) وغيرهم، تعين الفرد على استيعاب القواعد العامة لاكتشاف سر السعادة في الحياة!..

إن من المناسب -إذا أراد أحدنا أن يفكر في هندسة حياته من جديد، أو تصحيح مسيرة منحرفة فيها- أن يجعل مثل هذا التفكير المصيري، في ساعة خلوة مع ربه، وخاصة في الأوقات المباركة.. فلئن كان باب الوحي مسدودا على غير الأنبياء (ع)؛ فإن عالم الإلهام والإلقاء في الروع، أمر متعارف في حياة المؤمنين.. ومن الواضح أن الله تعالى شفيق بعباده إلى درجة لا تحتملها عقولنا، وهذا من مقتضيات علاقة الخالقية والمخلوقية، إذ الخالق يحب مخلوقه أكثر من حب المخلوق لنفسه.. أو ليس هو أقرب إلينا من حبل الوريد؟!..

إننا نؤكد على ضرورة التعامل مع النفس تعامل الشريك مع شريكه، بل أكثر من ذلك.. وعليه، فلا بد من تدوين نقاط الضعف التي يخشى الإنسان منها، والتعامل معها كحالة مرضية: فيراقب تاريخ المرض وسيره، وسرعة اشتداده، وساعات أوجه، والعلاج المحتمل، وملائمة العلاج لمزاجه، ومراحل القضاء على المرض، والبحث عن الطبيب المعالج، وتحمل الحمية اللازمة لعلاج ذلك المرض، وغير ذلك من المراقبات اللازمة في هذا المجال.. ومن العجيب أن أهل الدنيا يعملون بكل ذلك في علاج أمراض أبدانهم الفانية، ولا يفكرون في علاج آفات أرواحهم الباقية.. ولك أن تتصور فداحة الخطب من العذاب الذي لا نهاية له!..

إن من المناسب أن يلزم الإنسان نفسه في بعض مراحل حياته بعمل استحبابي: سواء كان ذكرا لفظيا، أو عملا عبادياًً، مع مراعاة الرفق والتدرج في ذلك؛ فإنه صورة من صور التدريب على الالتزام بقرارات النفس، فإن طبيعة النفس الإنسانية تتهرب من الالتزام بما يخالف المزاج والشهوة.. فهنيئا لمن ترقى بنفسه الأمارة بالسوء، إلى نفس لوامة لما يفوتها من الخير، لتتحقق أخيرا بفضل من الله ورحمة: المرحلة العليا من كمال الإنسان.. ألا وهي مرحلة النفس المطمئنة؛ لترجع إلى ربها راضية مرضية!.

Layer-5.png

ملاحظة: هذا النص تنزيل لصوت محاضرة الشيخ حبيب الكاظمي فقط، ولم يمر بمرحلة التنقيح واستخراج المصادر بعد.