الملفات الساخنة (احادیث الجمعه السابقه)

أثر الخشونة في التراجع النفسي

إن من الأمراض الروحية وأوبئة النفس المريضة، مرض التبرم والخشونة في التعامل مع الآخرين.. ويعد هذا التصرف الشنيع وبالاً على من قام به، حيث يذهب بأعمال الدنيا هباء، وتبقى تبعاته في الآخرة.. فالتبرم والخشونة والضيق في التعامل مع عبيد المولى عز وجل، ما هي إلا صراع واحتدام للخواطر النفسية، والرغبات الروحية، بإعادة طريق الإرادة والعزيمة.. وكأن قوة الإرادة أمر صعب مستصعب، خارج عن يدي المنتكسين والمتبرمين.. وكأن النفس الأمارة هي من تسوق الروح الطاهرة، والنفس الراقية، في طريق التعامل مع الخلق؛ لتكون عقبة تعوق الوصول إلى الحق.

غير أن الإيمان المتكامل الرصين، لا يحد بكثرة التعبد والتقشف عن طلب الدنيا بشتى صورها.. ولا تعد مسألة الكفاف عن التملق في السؤال والعطية، أمراً إيمانياً بحد ذاته.. إلا إذا ما صوحب بحسن الأدب والخلق؛ ليكون المؤمن مؤمناً صالحا، ويتقرب إلى رضى الله، ويطرق بابه من حيث يحب.. وأما عن الحالات الإيمانية السامية، والتي لا تدرك بالحواس، ولا تدرك بظواهر الأمور، فهي شتى وكثيرة.. لكن إذا أردنا أن نبحث عن المؤمنين، نجدهم قد هذبوا أنفسهم، وألزموها بحسن الأدب والخلق، والكف عن أذية الغير، والابتعاد عن التصرفات المنحرفة التي نزّه الله عباده عنها.

فنجد أنه من باب الوحشية والهمجية في التصرف البهيمي لدى البعض، أن يحذو حذو من يقول: (الصراع من أجل البقاء).. فالكل يسعى لأن يبقى في هذه الدنيا؛ ليحظى بالمقدار الأكبر من أيامها، وليغترف بالحد الأقصى من لياليها: بالعز والإباء، وينهش القوي الضعيف، ويتسلط العزيز على الذليل.. فمن لطف الباري على عباده، ومحبته لهم، أراد انتشالهم من مهاوي الرذيلة، ومن حضيض الوحشية؛ ليحثنا ويرغبنا لأن نتشبه به عز وجل، وليرقى بأرواحنا من ساحة الملك إلى دائرة الملكوت، فتبارك الله رب العالمين!..

وحيث أن الخشونة من الظواهر الشائعة في الأوساط هذه الأيام، وخاصة مع الذين لا يجدون لهم ناصرا إلا الله تعالى.. فمن الملاحظ أن الإنسان؛ نتيجة لطول الصحبة مع من حوله -كالأهل والأولاد- يستسهل شيئا من الخشونة معهم في التعامل، مما قد يوقعه بالمآل في غضب المولى القوي.

إن الخشونة في التعامل تبدأ كحالة طارئة، لتتحول إلى ملكة في النفس يصعب اقتلاعها، وإن كان ممكنا بصعوبة.. لأن الملكة حصيلة الأفعال، سواء في جانب الخير أو الشر.. ومن وجه آخر نحاول اكتشاف أسرار اللين، ونعائم اللطف والرفق.. سنجد شطراً واسعاً من حياة الإسلام الأولى، وكيف أخذ بالاتساع، وأخذت سيرته تعزف ألحان الخلود على أوتار الحياة؛ لتسمع الأمة صدى الإسلام، وحياة الإيمان، متجسداً في شتى صور الإنسان المتكامل!.. وكيف بقي الإسلام بالرغم من كل هذه الصراعات، شامخاً على مر التأريخ.. فهذه (أُحد) تحكي عن نقائص المؤمنين، وكيف حولت الهزيمة الفادحة إلى موجودات ثائرة متسلطة!.. ولولا لطف النبي الأمين ورحمته، وكما قال اللطيف في القرآن الكريم: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ).. لما عاشت الأمة بالأمل، وحولت تلك الهزيمة إلى نصر وعزة.. فإن الله تعالى يحذر نبيه (ص) من الغلظة والخشونة في التعامل؛ لأنها تؤدي إلى تفرق الناس عنه، مع ما له من الملكات الأخرى.. فكيف إذا صدرت الخشونة ممن لا يقاس به في الملكات؟!..

غير أن التبرم والخشونة، قد تكون أمراً شنيعاً ومريعا إذا تجسد بـ(المؤمنين الرساليين) على الرغم من كل تلك العلوم الجمة التي امتازوا بها.. فإن الإنسان الخشن يتحول بالتدرج إلى إنسان ممقوت في الوسط الذي يعيش فيه، مما يفقده حالة التأثير الإيجابي.. فمن الممكن أن يتعمد الطرف المقابل مخالفة المعروف، نكاية بالأمر به، وذلك للخطأ في أسلوب التعامل.

ومن الجميل جداً بعد استعرضنا للخشونة، وتأثيرها السلبي في الوجود.. أن نتطرق إلى أسباب هذا المرض؛ لنجد له حلاً جذرياً لعلاجه، ولنعيش حالات القرب من المولى عز وجل.. ولنبتعد عن أسباب سخطه، ولنلتمس رضاه ومحبته، للتوفيق الإلهي الأبدي.

أسباب الخشونة:

أولاً: عدم وجود رادع خارجي: إن الانقياد لأوامر المولى عز وجل، تعد من الأمور التكاملية.. والإنسان بطبعه مفطور على حب الكمال، وينشد بسرعة للكمال وللتكامل، ويرى أنه من المؤسف جداً أن يكون منقاداً لأهواء نفسه ولشهواتها.. لذا فهو دائماً ما يظهر خلاف الواقع والحقيقة، متظاهراً ارتباطه الوثيق بالله عز وجل.. غير أنه من الحالات الشاذة يكون الإنسان مظهراً لنقائصه، ولعيوبه، شاهراً أثواب المعصية والخذلان أمام خلق الله أجمعين؛ ليقول وبصوت الخيبة: (أنا الغريق فما خوفي من البلل) مظهراً شتى أنواع المعصية والخطايا، على غير الجبلة والعادة التي أودعها الله في نفسه.. وغالباً ما تكون هذه المعاصي، ومنها معصية الخشونة في التعامل والحدة في التفاهم مع الطرف المقابل، لا يوقفها إلا إذا ما اصطدمت مع الحقيقة المرة، والرادع المؤثر، والذي يخشى من أن يلحقه ضرره وخطره.

ثانياً: الإخفاقات المتوالية: إن الله عز وجل قد أودع سننه في الكون بنظام دقيق، تعطي لكل حق حقه، وتفرض لكل منا نصيبه في الدنيا: من الشقاوة والسعادة، والفرح والتعاسة.. ومن شفقة المولى ورحمته بنا، أنه جعل هذه الانتكاسات تنصب في جانب واحد من جوانب حياتنا، إلا أن البعض من الذين انتهجوا سبل الخشونة والغلاظة، قد مزجوا تلك الآهات والأحزان بقريناتها من جوانب الحياة المختلفة من المرح والسعادة؛ لتغدو حياتهم بأسرها مزيجا من التعاسة والأسى، رافعين أعلام الحزن، ناشرين رايات الكآبة.

ثالثاً: حالة المثالية: وكما قد ذكرنا آنفاً أن الإنسان مفطور بطبعه على حب الكمال والتكامل، وانتهاج سبل الكمال بشتى صوره؛ ليعيش نوعا من حالات راحة الضمير، وطمأنينة النفس.. إلا أن البعض من المنتكسين، الذين يصورون الخيال واقعاً؛ ليصحوا على واقع أشبه بالحلم وبالسراب، يصطدمون مع الواقع المرير بآهات اللوعة والحزن، وكأنما سلبت حياتهم ما بين أرواحهم.. يندبون أنفسهم على التفريط من الوصول إلى درجات المثالية، يحاولون الفرار من تلك النقائص في حياتهم؛ بإظهار نوع من التسلط والجبروت للآخرين، ليزيفوا الواقع إلى خيال، وكأنما قد وصلوا إلى درجات القرب والكمال.

وبعد مرور عابر على أسباب الخشونة والحدة في التعامل مع خلق الله، نتطرق بشيء من الإيضاح والتفصيل للحلول المؤثرة، والتي تعوق من حدة التعامل مع خلق الله.. ولنعاهد أنفسنا باللطف واللين في التعامل مع خلق الله وعياله.

بعض الحلول لعلاج التبرم والخشونة:

أولاً: عدم أخذ القرار: إن الإنسان حينما يغضب يكون قلبه مرتعاً للشيطان، ويكون وسيلة طيعة في يديه -عليه اللعنة- يحاول وبشتى الطرق أن يسلب الإنسان جوهر إيمانه من لبه؛ ليتمثل به، وليصبح شيطاناً أنسياً يسير على وجه هذه البسيطة.. لذا فإن أخذ المؤمن لبعض القرارات المصيرية حال الغضب، قد تعرضه لكثير من البلاءات، والتي هو في غنى عنها ما التزم الحنكة والفطانة.

ثانياً: الدراسة الواعية: إن دراسة الأمور دراسة واعية، لأسباب بعض الأعراض الروحية، والأمراض الوجدانية.. تجعل كل منا يفهم ما أصيب به من ابتلاء، وما تعرض له من خطر، وما سيلحقه من ضرر.. فيهمّ الإنسان وبفطرته الناضجة؛ لأن يصحح ما قد فسد، ولأن يقوّم أمر نفسه، ولأن يبنيها بالآمال بعدما بنيت بالآلام.

ثالثاً: النظر إلى الرحمة الإلهية: إن الله عز وجل وبحكم ربوبيته ووحدانيته، قد فرض على نفسه الرحمة والعطف.. فحينما نهرب منه عز وجل، نعود إليه مسرعين؛ لنرتمي بأحضان حبه، ولننال كرم عطفه.. مقرّين بالذنوب، وبثقلها على ظهورنا، طالبين الصفح الجميل بدموع التوبة والاستغفار، ملّحين عليه بالصفح والتسامح.. فمن باب أولى بالمحب أن ينتهج نهج الحبيب سبحانه وتعالى، وأن يصفح وقت العذر، ويسامح عند المقدرة.

رابعاً: الالتفات إلى سلبيات الخشونة: إن الأمراض الروحية، وبحكم كونها أوبئة فتاكة وقاتلة لرونق الأرواح، ومغايرة لشذى عبيرها، تلحق الأضرار الجسيمة على هذه الأرواح.. لتصيّرها آلة طيّعة بيد الأهواء والصراعات الباطنية؛ ولتجعل من المحتدم مع عبيد الله عز وجل جسداً منفراً، وروحاً فارغة.

خامساً: تراكم الذنوب: إن تراكب المعاصي وتراكمها على القلب، لتغطيه بالحجب، وتتستر عليه بالأكنة.. تجعل الإنسان موجوداً ثائراً، يغاير خلاف الواقع، خادعاً نفسه بالتكامل، بعيداً عن التخاذل والتسافل.. فمن باب أولى بنا أن نغسل قلوبنا من زيغ الأهواء والتبعات، ولنتمثل بالله عز وجل؛ لننال توفيقه ورضاه.. حيث أن الذي يفقد الشفقة في التعامل مع الخلق، عليه أن يتذكر حاجته إلى شفقة مولاه.. فلنرحم من في الأرض؛ ليرحمنا من في السماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى