الملفات الساخنة (احادیث الجمعه السابقه)

الطاقة الكونية بين : النظرة المادية والإلهية

ان الحديث عن الطاقة الكونية ، اغرى الكثير بالبحث عنها ، لما استنتجوا من أن :الكون برمته مزود بطاقات متصلة بعضها ببعض ، ويؤثر كل جزء بالاخر ، وبان: طاقة النفس الانسانية ، شأنها شأن طاقة الذرة الكامنة ، التي لو امكن فلقها واخراجها الى مرحلة الفعلية ، لاحدث انفجارا هائلا ، يمكن ان يستغل في جانب البناء ، كما يمكن ان يستغل في جانب الهدم ..

– يعتقد اصحاب هذا الاتجاه – وهم في حال انتشار واسع – ان معظم الامراض المستعصية في هذه الايام ، تنتهي بشكل مباشر أو غير مباشر الى الاضطراب الباطني ، والذي يؤثر بدوره على الاخلال بوظائف الاعضاء الظاهرية ، ومن هنا رأوا بأن سلامة الروافد متوقفة على سلامة المنابع ، ومن دون السيطرة على النفس بقواها الخفية ، لا يمكن السيطرة على اثار التفاعلات السلبية الصادرة منها ، والمنعكسة على البدن كـ: الكآبة، والقلق ، والتوتر وما شابه ذلك..

– اننا نرحب بكل حركة من شأنها الغور في اعماق النفس، بدلا من الالتهاء بالشهوات البهيمية التي لا تعد مزية لبني آدم ، بل هي من سمات كل دابة تدب على وجه الارض !.. ولكن لنا ان نتسآءل ونقول: انه ما دامت النفس من مصاديق الغيب ، وما هو مرتبط بما وراء الطبيعة ، فكيف يمكن بالادوات المادية ، الوصول الى المجاهيل العميقة لما وراء المادة؟!.

– إن الذي يعتقد بمبدأ لهذا الوجود ، لا بد له من أن يطلب هذه الطاقة السحرية ، من خلال الالتجاء الى منهج رسمه خالق تلك الطاقات ، ومخرجها من العدم .. فهو الادرى بأسرار خلقه ، وخاصة مع الالتفات الى انه لم يخلق شيئا في عالم الوجود ، اشرف من هذه اللطيفة الربانية المودعة في القالب البشري ( اتزعم انك جرم صغير ، وفيك انطوى العالم الاكبر ).. ويكفي بني آدم فخرا ما نسب الى المولى في حديث قدسي : ( يا ابن ادم !.. خلقت الاشياء من اجلك ، وخلقتك لاجلي! ).. وما نسب الى الامام الصادق (ع) من هذه المقولة المعبرة : (الصورة الانسانية هي اكبر حجة الله على خلقه ، وهي الكتاب الذي كتبه الله بيده ).. ولكن كم ضيع الانسان هذه المزية ، حتى شبهه القرآن بالخشب المسندة؟!..

– إننا نلخص نظرتنا في النجاح للارتباط بالطاقة الكونية – بمعناه الصحيح لا الادعائي – في اتباع مراحل ثلاث ، مستعينين في ذلك بمثال مادي يتمثل فيمن يريد ان يرى صورة الشمس في مرآة عاكسة : فالخطوة الاولى تتمثل في امتلاك مرآة صقيلة .. ومن ثم ازالة العوائق المانعة من ذلك الانعكاس .. ومن ثم توجيه المرآة نحو مصدر النور ، توجيها مباشرا .

– فالخطوة الاولى لمن اراد الخروج عن مألوف الحياة – الذي طالما اوجب الملل والفتور – هي : ان يصقل مرآة نفسه ، بازالة كل ملكة خبيثة يمنع توجه النظرة الالهية اليه ، كـ: الحقد ، والحسد ، وحب الاستعلاء ، والشغف بعاجل المتاع وغير ذلك .. والله تعالى عندما يمدح خليله يصفه بانه جاء ربه بقلب سليم ، مما يدل على ان رتبة اصلاح الجوانح هي الخطوة الاولى ، للاقتراب من مصدر الفيض في هذا الوجود.

– الخطوة الثانية لمن يروم الاتصال بمصدر كل طاقة في هذا الوجود هي :ازالة الحجب والعوالق الطارئة على القلب السليم .. فإن القرآن يعبر عن المؤمنين بأنهم يمسهم طائف من الشيطان ، إلا انهم سرعان ما يعودون الى رشدهم، فإذا هم مبصرون .. فليس من الغريب ان يعثر الانسان ، وإنما العجيب ان لا يقوم من عثرته ، حتى ولو تكرر منه ذلك !.. ومن هنا وصف القرآن الكريم التوابين، بانهم محبوبون عند الله تعالى .

– الخطوة الثالثة : هي توجيه وجه الباطن دائما الى ذلك الوجه الذي يمثل اعلى درجات الجمال في هذا الوجود ، بما لا تحتمله عقول الممكنات.. فتأمل في هذا الحديث النبوي الذي يصف السماء قائلا : ( ما فيها موضع قدم ، الا وفيه ملك راكع او ساجد ).. والعجب من هذا العدد الغفير من الخلق الدائب في العبادة ، ولكن لنعلم مع ذلك انها مجبولة على الطاعة! .. فهنيئا لبني آدم الذي حاز شرف الطاعة بالمجاهدة والمعاناة ، ومن هنا صار اشرف الطائعين.

– اذا اتصل الانسان بمصدر الطاقة الكونية بعد الخطوات الثلاث ، فإنه من الطبيعي ان تسخر لها الطبيعة ، بل كل ما سوى المولى ليصل الى هدفه المنشود .. فهذا الكليم نراه يتقلب من يد الى يد ، مشفوعا بالعناية الخاصة في كل مراحل حياته .. وذلك من بركات الاوسمة الثلاث التي تلقاها من الحق المتعال : { ولتصنع على عيني } و { القيت عليك محبة مني } و { واصطنعتك لنفسي } .. بالاضافة الى الوسام العام لجميع المؤمنين { الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، سيجعل لهم الرحمن ودا }

– ان الانجذاب المتبادل بين مصدر الطاقة والمتلقي لها ، يشبه التجاذب الكوني ، الذي نراه متجليا في المجرة والذرة على حد سواء !.. وهو الذي يمثل العروة الوثقى التي تمنع الوجود من الانفصام .. ومع كل ذلك ، فإن لهذا الانجذاب حالات مد وجزر ، بحسب الزمان ( الاشهر والليالي المباركة ) .. والمكان ( الامكنة المنسوبة اليه كالحرمين والمساجد والمشاهد المشرفة ) .. والحالات ( ساعات التضرع والانقطاع ).. فطوبى لمن كان مده اكثر من جزره!!.. بل طوبى لمن لا جزر له !!.. أوهل نطمح الى ذلك في خضم لعبة الحياة ؟!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى