نحو أسرة سعيدة

الابتعاد عن التوتر

القابلية لا الرصيد :

إن الإنسان مهما بلغ من درجات التفويض والتوكل على الله سبحانه وتعالى، إلا أن الزوجين يعيشان حالة الارتباك من المستقبل.. والجهة المادية والمعيشية من الجهات المقلقة حقاً في حياة الإنسان!.. ولهذا فإن من أسباب المشاكل في هذه الناحية، حالة القلق وحالة الاضطراب في هذا المجال.

ونلاحظ بعض الأوقات أن المؤمنة ترفض الكفء المؤمن من هذه الناحية: من ناحية قلة ذات اليد.. والمؤمنة التي تفوت على نفسها فرصة الاقتران برجل مؤمن، اعتماداً على هذا المانع، فإن الله عزوجل مما يمكن أن يبتليها ببعض أنواع البلاء؛ لأن رفض الكفء المؤمن فيه نوع من عدم الاكتراث بالصفة الإيمانية.. مثلاً: يتقدم رجلان للمؤمنة: أحدهما مستجمع لصفات الإيمان، ولكنه مبتل بذات يده؛ والآخر في وضع مادي متميز، وهي تقطع بأنه دون الآخر في الإيمان.. فالمرأة عندما تقدم هذا على ذاك، تكون قد استهزأت لا شعورياً، أو أنكرت لا شعورياً ذلك الجانب الإيماني في ذلك الرجل.. وهذا الأمر مما قد يؤدي إلى بعض العقوبات الإلهية في هذا المجال.

إن هذه الآية في القرآن الكريم الكثير من المؤمنين يقرؤونها، ولكن يقرؤونها من دون اعتقاد بمضمونها، وهي قوله تعالى: {إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}.. لم يقل: (إن كانوا من أهل الكفاف)، ولم يقل: (إن كانوا يخافون المستقبل)؛ وإنما قال: {إِن يَكُونُوا فُقَرَاء}؛ أي فقراء فعليين.. ومن المعلوم أن الفقير الفعلي أسوأ حالاً من الإنسان الغني الذي يخاف المستقبل.

ولكن كيف يعد القرآن الكريم الزوجين بالغنى من فضله؟.. لنلاحظ كلمة {مِن فَضْلِهِ}.. أي يا أيها الإنسان، لا تفكر تفكيراً مادياً بحتاً، ولا تقل: أنا بحسب العوامل الظاهرية لا أرزق.. فأين فضل الله عزوجل؟.. فإن كان كلامك معتمداً على المعادلات الظاهرية فالحق معك؛ أما الله عزوجل، فيقول: {يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}.. قد يقول قائل: فكيف نرى هذه الثروات الوثيرة في أيدي الكافرين؟..

الجواب: ينبغي التفريق بين الرزق الذي يأتي من قبل الله عزوجل -الله عزوجل أمضى ذلك الرزق-، وبين ذلك الرزق الذي يأتي جزافاً.. هنالك رزق يأتيك حسب الظروف المادية.. مثلاً: إنسان يودع مبلغاً من المال وديعة ربوية، ويأخذ الربح.. فهذا الإنسان مرزوق بحسب القواعد المادية.. وهنالك رزق يأتي من قبل الله عزوجل.. وهذا الرزق الذي يأتي من قبل الله عزوجل رزق متميز، بمعنى أنه إيجاب من دون سلب، بمعنى أنه مال جعلت فيه البركات الكثيرة.. ومن هنا نرى بعض الناس يعيش حالة الكفاف، وهو يعيش حالة الاستقرار النفسي، والسعادة النفسية، والذرية الصالحة، والتوفيق للعبادات.

لو كان المال الوثير يشغلك عن ذكر الله عزوجل؛ فما نفعه؟!.. كذلك الذي كان في زمان النبي (ص)، وأعطي مالاً -ذلك المال الذي لا بركة فيه-، وكثرت أغنامه، فخرج خارج المدينة، لأن المدينة لم تكن لتحتمل أغنامه، فذهب إلى الصحراء، وإذا به يحرم بركات جوار النبي (ص)!.. بحسب الظاهر هذا الإنسان رزق، ولكن بحسب الواقع افتقر أيما افتقار!.. فإذن، من المناسب أن يسأل الإنسان الله عزوجل أن يغنيه من فضله كيفما شاء، وبما يشاء، وحيثما يشاء؛ فهو الأعلم بعبده المؤمن، وما هو الذي يحفظ إيمانه.

الابتعاد عن مصادر التوتر :

الزوجان الكُفُوان هما الزوجان اللذان يدرسان الساحة الاجتماعية المحيطة بهما.. ومن مصادر التوتر المعروفة: أهالي الزوجين.. الرجل عندما يتزوج فهو لا ينسلخ عن بيئته، وكذلك المرأة لا تنسلخ عن بيئتها، فمن الطبيعي أن يكون هناك حنين للبيت الذي نشأ فيه كل واحد منهما، ولهذا أبوان، ولهذه أبوان.. ومن هنا نلاحظ أنه من منافذ الشيطان هي هذه الحالة.

لابد من وجود تنسيق تام بين الزوجين في التعامل مع العائلتين، وخاصة مع تحكيم هذه الآية في القرآن الكريم: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.. إذا الرجل أحس بأن أهل الزوجة أقرب للتقوى، فمن المفروض أن يكون الميل القلبي إلى أهل الزوجة؛ نظرياً، واعتقادياً، ومذهبياً، أكثر من ميله إلى أهله؛ لأن هذا هو المقياس الشرعي في هذا المجال.. ولا يعني ذلك أن يترك جانب المداراة والمجاملة وإظهار الود.. فلو اكتشف الأبوان أن الزوج يميل إلى أهل زوجته أكثر، لتفوقهم في الإيمان، فقد يوجب ذلك شيئاً من العقوق.. هناك أحاسيس باطنية، وهناك تحركات في الخارج.. فالأحاسيس الباطنية ينبغي أن تكون مطابقة لما أراده الله عزوجل.. ومن هنا فإن الإنسان المؤمن يحب الآخرين بمقدار ما لهم من نصيب عند الله عزوجل، كما يقول دعبل الخزاعي (رحمه الله) في تائيته الخالدة :

أحب قصي الرحم من أجل حبكم *** وأهجر فيكم زوجتي وبناتي

إن البعض يشتكي من الساحة الاجتماعية، وأنه لا يمكنه تحمل المجتمع؛ لأن الناس بعيدون عن الله عزوجل، ولا يراقبون الله تعالى في قولهم.. والجواب: أنه ينبغي أن نعيش الواقعية.. نحن نعيش مع أناس تغلب عليهم الغفلة، ويغلب عليهم الجهل.. أنت لا تعيش في وسط متميز، بل تعيش في وسط فيه كل أنواع الثقافات.. فمن الخطأ الفادح أن يتوقع الإنسان وسطاً مثالياً، حتى يكون هو أيضاً متجاوباً مع هذا الوسط!.. فهذه الأوساط التي نعيشها في العمل أو في المدرسة أو في البيوت أو مع الأرحام…؛ أوساط غير مثالية.. وخاصة في جانب النساء، حيث نلاحظ الكلام الكثير، والغيبة الكثيرة، والنميمة الكثيرة.. فلا تتوقع مجتمعاً مثالياً، لتكون أنت مثالياً.. وعليه، فإن المؤمن يدرس مع زوجته منافذ دخول الشيطان في العائلة، لئلا يقع في فخ الشيطان، ويقع في التناحر والعصبية.

تحاشي ساعة الغضب :

إننا نلاحظ هذه الأيام وجود أرضية الحدة في أغلب الناس.. هو في ساعة الطرب وفي ساعة الالتهاء بالمتع، يعيش حالة نفسية جيدة وأخلاق عالية، ولكن بمجرد أن تنقطع عنه المتع، وإذا به يميل إلى الحدة!.. ومن المعلوم أن الطفل الرضيع عندما يخرج من بطن أمه، يغلب عليه البكاء، ومادام هو يشرب الحليب وعلى صدر أمه تراه هادئاً، وبمجرد أن ينقطع عن عالم حنان الأم، يعود إلى حالته التي لا يرتاح لها الأبوان.. إن بعض الناس مثله كمثل الطفل الرضيع تماماً!.. فمادام يرتضع من ثدي المتع المادية، أو مشغول بدراسته، أو مشغول بسياحته مع أصدقائه؛ فإنه يعيش حالة جيدة، وتراه إنساناً طبيعياً.. وبمجرد أن تنقطع عنه هذه المشغلات، فإنه يميل إلى الحدة في المزاج!.. وهنا امتحان الإنسان!.. إذا أردت أن تعرف الإنسان السوي أخلاقياً وروحياً ونفسياً، فانظر إلى ساعة انقطاع هذه الموجبات عنه، لترى أنه في أي درجة من درجات الاستقرار النفسي!..

إن الحياة الزوجية لا تخلو من موجبات للتوتر.. ولكن الشعار الذي ينبغي أن يرفعه المؤمن دائماً في حال الغضب: أنه لا قرار، ولا قول، ولا عمل؛ في حال الغضب.. فإن الإنسان في حال الغضب وفي حال الحدة، يصير ألعوبة بيد الشيطان، كما هو مجرب.. وإذا أراد الإنسان أن يعرف باطنه في حال الغضب، فلينظر إلى ظاهره من خلال مرآة؛ ليرى وجهاً بشعاً، وجهاً لا يمكن أن يطاق، حتى من قبل نفسه!.. ومن المعلوم بأن الإنسان يحب ذاته أكثر من كل شيء.. حتى لو أدعى أنه يحب الوطن، ويحب الزوجة، ويحب الأبوين…؛ كل هذا كلام شاعري فلو كان الإنسان غريقاً، وهنالك حلقة نجاة واحدة؛ فإنه يقدم نفسه على كل البشر، وهذا أمر بديهي.. فإذا كان الإنسان لا يطيق نفسه في حال الغضب، فكيف يتوقع أن يتحمله الآخرون في هذه الساعة؟!..

وإذا كان الإنسان فيه هذه الملكة -الحدة والغضب-، وإذا لم يمكنه الحلم، فإن عليه بالتحلم.. أي يحاول الإنسان أن يكظم غيظه، وإن كان باطنه يغلي.. علما بأن الإنسان المؤمن باطنه لا يغلي، وإنما باطنه مطمئن بذكر الله عزوجل في أسوأ الظروف؛ ولكن إذا لم يمكنه أن يطفئ هذا الغيظ الباطني، فعلى الأقل لا يظهر هذا الغيظ على صفحات وجهه، وعلى تحركاته الظاهرية، لئلا يزداد حدة وغضباً.

آثار الطلاق :

إن من الأمور التي تعكس حالة قلة التدبر والتأمل: أن المرأة عندما تريد أن تثبت شخصيتها، تطرح أمام الزوج هذا الكلام أنه: أنا مستعدة لأن أكون طرفاً في الطلاق!.. وكذلك الزوج، إذا أراد أن يثير حفيظة زوجته، فإنه يهددها بهذا الشعار المتعارف!..

والحال أن هذه الحركة سليية!.. نحن لا ينبغي أن نكون مثاليين ونقول: بأن هذه الحركة سلبية على طول الخط.. فإذا كان هنالك ما يوجب، فالأمر إليهما.. ومن المعلوم بأن قطع الخسائر هو نوع من أنواع الربح.. فإذا كان الإنسان يرى أن إدامة هذه الحياة تزيده معصية وتوتراً، فلا خلاف بأن العدم خير من وجود مثل هذه الحياة!.. ومن هنا ورد في عن الصادق (ع): (أصناف لا يستجاب دعاؤهم: رجل تؤذيه امرأته بكل ما تقدر عليه، وهو في ذلك يدعو الله عليها، ويقول: اللهم!.. أرحني منها، فهذا يقول الله له: عبدي!.. أو ما قلدتك أمرها، فإن شئت خليتها، وإن شئت أمسكتها).. فرب العالمين لا يستجيب دعوته، لأنه جعل له مخرجا، فلماذا يعيش حالة التوتر والأذى؟..

ويمكن القول بأن الطلاق بمثابة بتر العضو.. يتفق أن الإنسان بعض الأوقات يدفع مبلغاً كبيراً، ويذهب إلى بلاد بعيدة، ويلتمس من الطبيب أن يقطع عضوه؛ إذا وجد أن بقاء هذا العضو لا يزيده إلا فساداً، واقتراباً من النهاية المهلكة.. فإذا كان الأمر كذلك بهذه المثابة، ليجعل الزوجة قطعة منه، فإذا أراد أن ينفصل عنها، فليكن شعوره شعور إنسان يذهب إلى الطبيب ليقطع عضواً منه، مع ما فيه من الألم، ومع ما فيه من حالة التعويق؛ لأن الإنسان عندما تقطع رجله، يعيش نقصاً في حركته اليومية.. وكذلك المرأة عندما تطلق، فإنه من الطبيعي أن يكون هناك بعض الآثار في الحياة، وخاصة مع وجود ذرية للإنسان.. هناك حالة من حالات الارتباك القهري، فلابد للإنسان أن يدرس هذه الأمور.. وبشكل عام، ليفتح الإنسان لنفسه ملفاً هنا، وملفاً هناك، ويسجل في ذلك الملف الإيجابيات، وفي هذا الملف السلبيات، ثم يأخذ قراره بحكمة ودراسة.

تحاشي الخلاف العلني :

لا شك أن الخلاف الزوجي إذا كان داخل الغرف المغلقة، وخلف الأبواب المغلقة؛ فإنه لا يخشى من ذلك كثيراً.. لأن العلاقة بين الزوج والزوجة علاقة حميمة جداً، بحيث أن بادرة استعطاف واعتذار من أحدهما تجاه الآخر، كفيلة بإعادة المياه إلى مجاريها.. ولكن المشكلة أن يفضح الإنسان نفسه، ويكشف عيوبه أمام الآخرين، ومن هنا فإنه حتى لو اصطلحا، فإن الإنسان يظل يعيش ويتصور عن نفسه صورة مهزوزة صارت في المجتمع، وخاصة أمام الأعداء.. إن الأعداء كثيرون، والإنسان مهما حاول أن يصفي علاقته مع الخلق، فإنه تبقى هنالك عداوات، وقد ورد في الحديث أن موسى (ع) قال: (يا ربِّ!.. احبس عني ألسنة بني آدم، فإنهم يذمّوني -وقد أُوذي كما قال الله جلّ جلاله عنهم: {لا تكونوا كالذين آذوا موسى}-؛ فأوحى الله جلّ جلاله إليه: يا موسى!.. هذا شيء ما فعلته مع نفسي، أفتريد أن أعمله معك؟.. فقال: قد رضيت أن تكون لي أسوة بك).

ومما يستفاد من هذا الحديث: أنه من اللازم أن يعوّد الإنسان نفسه على عدم المبالاة بأذى الآخرين، وهذه من الأمور التي تكشف درجة راقية في الإنسان.. إن موسى سأل الله عزوجل أن يكف ألسنة الناس عنه، فجاءه النداء: إن رب العالمين لم يقطع ألسنة الناس عن نفسه، حيث يتهمونه بعدم العدالة، ويتهمونه بالقضاء والقدر الذي لا ينسجم مع أمزجتهم، ومع ذلك فإن الله سبحانه وتعالى يتحمل هذا الخلق المنكوس.. فعلينا أن نتأسى بهذه الصفة الإلهية، ونرضى بها كما رضي بها موسى (ع).

وعليه، فليحاول الإنسان ألا ينقل أسراره الزوجية حتى إلى العالِم، وحتى إلى قاضي المحاكم، وحتى إلى أقرب الناس.. وهذه قاعدة معروفة: أن الإنسان صاحب سره، فإذا كشف سره صار أسيراً لسره.. وكما في المثل: (كل سر جاوز الاثنين شاع).. فينبغي محاولة الكتمان، وخاصة أمام الأولاد.. فمن الملاحظ هذه الأيام أنه نظراً لطبيعة المناهج الدراسية، ووسائل الإعلام المختلفة؛ أن المستوى الذكائي والاستيعابي للولد هذا اليوم لا يقاس بنظيره قبل خمسين أو ستين سنة.. قد يكون الولد ساكتاً وهادئاً، ولكنه يلتقط أيما التقاط!.. الحركات النزاعية والخلافية بين الزوجين تلتقط، ولابد أن يُحكم عليهما.. هنالك حدود بين الأبيض والأسود.. قد يموه الإنسان، فيبين الأبيض رمادياً، والأسود رمادياً، فيجتمعان.. ولكن بشكل عام، فإن الطبيعة الإنسانية تميل إلى الحسم.. فإذا رأى نزاعاً بين الأبوين، لا يقول الولد بأن كليهما على الحق، لابد وأن يحكم في نفسه بأن الحق مع أحدهما؛ فإذا حكم بذلك، فإنه من الطبيعي أن يعيش نفوراً من هذا، وميلاً إلى هذا.. إن المسألة كالقضية بين الزوجتين؛ فالإنسان مهما حرص، فإنه يميل إلى إحدى الزوجتين.. كما أنه لن يعدل بين النساء ولو حرص، كذلك الولد سوف لن يعدل بين الأبوين ولو حرص، لابد وأن يميل إلى أحدهما ميلاً قلبياً.. فإذا مال إلى أحدهما ميلاً شديداً على حساب الآخر، رأى ظالماً ومظلوماً، عندئذ هذه أرضية خطيرة جداً للعقوق.. فالأمر يحتاج إلى نفس مهذبة، وإلى مؤمن صالح، يحكم في باطنه بحكم، ولكن في مقام العمل لا يرتب الآثار على حكمه الباطني.

ومن هنا نلاحظ كيف أن الأبوين بسوء تصرفهما، يعينان الأولاد على العقوق!.. ورد في الحديث: (رحم الله من أعان ولده على بره)!.. إذا لم تعن ولدك على البر، فعلى الأقل لا تفتح له أبواب العقوق؛ لأن عقوق الوالدين من الأمور المدمرة لحركة الإنسان إلى الله عزوجل، لا بتراً في العمر فحسب!.. وإنما عقوق الوالدين من السدود العظيمة والحواجز الكبيرة في وصول الإنسان إلى ربه؛ لأن الأبوين يمثلان السبب الظاهري لوجود الإنسان.. الله عزوجل هو الفاطر، وهو البديع، ولكن من خلال نطفة من الأب، وبويضة من الأم.. فهما بحسب الظاهر، هما الخالقان بإذن الله عزوجل.. وإن كان التعبير فيه مجازية، ولكن بنحو من الأنحاء هما سببان ظاهريان لنشوء الولد، ويا له من حق عظيم!..

س1/ ما هو حكم الشرع في حالة المرأة المطلقة، إذا كانت تعيش مع طليقها ومع الأولاد في بيت واحد؟..

مع الأسف نلاحظ أن في حياتنا اليومية هنالك صورا من المَحَرمية العُرفية الباطلة.. فأخت الزوجة تعامل معاملة المَحَرم!.. والحال بأن أخت الزوجة لا صلة لها بالإنسان أبداً، وإن كانت هي مُحرمة على الإنسان من حيث الزواج، إذ لا يجوز الجمع بين الأختين، كما في القرآن الكريم.. ولكن عدم جواز الزواج منها، لا يعني ارتفاع الحجب والقواعد في هذا المجال.. كما نلاحظ -مع الأسف- حالة من حالات الارتياح بين الزوج وبين زوجة أخيه!.. وكذلك في التعامل مع الطبيب زيادة عن المقدار اللازم.. امرأة تذهب إلى الطبيب لمشورة طبيبة، وإذا بها تتمادى مع الطبيب زيادة عن الحد اللازم!.. وصور كثيرة عند المصورين في الأعراس، وما شابه ذلك!..

وعليه، فإن جواب هذا السؤال هو: أنه مادام هنالك حالة طلاق وانفصال، وبعد انتهاء العدة، فالرجل والمرأة أجنبيان تماماًَ، فلابد من الحذر في هذا المجال.. لأن الولد عنصر مشترك، وعلاقتهما علاقة دائمية، فمادام الولد موجود، فهما في حال أخذ وعطاء ورد…؛ فلابد من مراعاة الحدود.. ويا حبذا لو كانت هذا الحالة من أسباب العودة، مادام هنالك قاسم مشترك.. وإذا رأى الزوجان المطلقان بأنه لا يمكن التعامل مع هذا الجو من عدم المَحَرمية، فلعل ذلك من أسباب العودة إلى رشدهما، وإرجاع الحياة الزوجية مرة أخرى.

س2/ نعلم بأن علاقات الزوجة مع أهله متداخلة، وينتقل من خلالها بعض المفاهيم الخاطئة والمؤثرة على استقرار العائلة.. فهل يجوز استخدام الشدة لإرجاع الزوجة لوضعها الطبيعي؟..

إن استخدام الشدة نرى بأنها تنفع في حالتين:

أولاً: مع البهائم.. نحن نعلم بأن البهيمة إذا لم تطع صاحبها، فإن الضرب يحركها للأمام.

وثانياً: إلى حد ما قد يؤثر مع الأطفال؛ لأنه ليس هنالك مجال للتفاهم العقلي، لعدم استيعاب الولد.. فالإنسان قد يضطر بعض الأوقات ضربه تأديبياً، والشارع المقدس أذن بذلك.

ولكن الزوجة هي إنسان ذات شعور، وذات فهم.. ليسأل الإنسان نفسه أنه بحركته هذه ماذا يقصد؟.. من الواضح أن التحريك البدني ليس هو المقصود.. فالبهيمة يراد منها أن تتحرك خارجياً وميكانيكياً، ولتكن الدابة غير راضية، فليس المهم هو رضا الدابة، إنما المهم هو حركة الدابة.. ولكن المرأة إنسانة!.. هب إنك دفعتها للأمام، وسقطت على الأرض، ومنعتها من أن تخرج إلى المنزل.. أنت حققت الهدف بهذا الدفع، أو بهذا الضرب، ومنعتها من الخروج، ولكنها تميل إلى الخروج، وما منعتها باطنياً.

إن الزوج العاقل هو الذي يدخل بلطائف الحيل إلى قلب الزوجة، ويجعلها لا تريد الخروج.. لا أن يقف أمام الباب سداً أمامها، وبالدفع يمنعها من الخروج، فإن هذه حركة فاشلة!.. أنت لست بواباً لتمنعها من الخروج!.. نحن رأينا هذه الحركات في العلن، وأما في السر من الذي يتحكم في الناس في جميع ساعات ليلهم ونهارهم؟!..

فإذن، إن استخدام الشدة في الحياة الزوجية، هو خلاف الأصل الأولي.. ومن المعلوم أن هنالك آية في القرآن الكريم ذكرت مسألة الضرب: {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ}، ولكن ينبغي أن نعلم أن مزاج الشارع ليس مع ذلك، وعندما أباحه جعل ذلك كما يقول المثل العربي: (آخر الدواء الكي).. فليس هذا هو بالأسلوب المحبذ، إلا إذا ضاقت السبل.. ونحن نعلم أن بعض الفتاوى تجيز استعمال اليد في مقام النهي عن المنكر.

س3/ هل الزواج للسالكين نحو الله تعالى يزيد من قابليتهم الروحية، أم يحافظون على ما هم فيه؛ علماً بأن الزواج له مشاغله؟..

لاشك أن الزواج له دور في تسريع عملية السير إلى الله عزوجل من زوايا:

أولاً: أنه عنصر تحكم في الغرائز :

إن الغريزة للسالك لا تخرج عن كونها أمراً هرمونياً.. إن نبي الله يوسف (ع) لم تكن هرموناته متوقفة، وإلا لا فخر له في عمله.. فالإنسان المؤمن حتى لو كان سالكاً، فإن له إفرازاته الباطنية، وهذه الإفرازات تؤثر على السلوك، وعلى التفكير، وعلى الخيال، وفي المنام، وفي اليقظة.. فكون الإنسان سالكاً، لا يعني أنه أصبح غير ذي رغبة في النساء.. فعندما تكون له زوجة، كما في حديث أمير المؤمنين (ع): (إذا رأى أحدكم امرأةً تعجبه فليأت أهله، فإنّ عند أهله مثل ما رأى).. إذن، تنتهي العملية بهذا الشكل.. فالزواج من موجبات الهدوء النفسي بلا شك.

ثانياً : وسيلة للتقرب إلى الله عزوجل :

وأيضاً الإنسان السالك إلى الله عزوجل، يتقرب إلى الله تعالى من خلال زوجته.. ولكن بشرط أن ينظر إلى الزوجة بوصفها الإيماني، لا بوصفها أنها بنت فلان.. كونها بنت فلان قد لا يكون أمراً مغرياً، قد لا يكون لها أب أصلاً، أو لها أب ولكنه بعيد، أو لها أب قريب، ولكن لا وزن له بحيث يخاف منه.. فمن اللازم أن ينظر إلى الزوجة على أنها من عيال الله تعالى، وقد ورد في الحديث عن رسول الله (ص): (الخلق كلهم عيال الله، فأحبّهم إلى الله عزّوجلّ أنفقهم لعياله)!.. وأن ينظر إلى الزوجة على أنها أمة الله، وعلى أنها مخلوقة لله.. وفي حديث آخر عن رسول الله (ص) يقول: (من دخل السوق فاشترى تحفةً فحملها إلى عياله، كان كحامل صدقة إلى قومٍ محاويج).. وهذا فيه إشارة إلى أن سعيه في معاش أسرته، هو في حكم الصدقة.. فعندما يأخذ طعاماً إلى المنزل، ويتكلف في شرائه وفي حمله، فإنه مثاب على هذه الحركة الإنسانية.

فإذن، إن السالك يزداد قرباً إلى الله عزوجل، ولكن بشرطها وشروطها!.. وقد رأينا بعض السالكين أنهم عندما تزوجوا انتكسوا؛ والسبب لأنه عاش عالم الغرام البشري، اتخذ من امرأته قبلةً -وخاصة إذا كانت المرأة ذات مواصفات جمالية وكمالية متميزة-؛ فأخذ ينظر إليها، بدلاً من أن ينظر بها.. وهنا الفارق بين المؤمن وغير المؤمن!.. فالمؤمن ينظر بالدنيا للآخرة، وأما غير المؤمن فينظر إلى الدنيا.. المؤمن يتزود منها، والكافر أو المنافق يتمتع بها.

س4/ أنا شاب كانت لي تجربة منذ فترة، وكنت متعلقاً بالله تعالى حباً، وكانت صلاتي تصلى بالخشوع، وتمسكت بتلك الأحكام الشرعية، وأحسست بحلاوة الإيمان.. ولكن الآن قد أزيل حب الله من قلبي، ولا أعرف كيف أعوض تلك الخسارة؟..

إن كلام هذا الأخ مما يثير الأسف، أو الأسى، والتألم؛ لأنه يقول: (كنت متعلقاً بالله حباً…)!.. فإن الذي يفقد الحب الإلهي؛ فإنه كما يقول الإمام الحسين (ع) في دعاء عرفة: (ماذا وجد من فقدك، وما الذي فقد من وجدك؟!).. لا شك أنه ليس هنالك شخص أدرى منك بنفسك: {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ}.. حاول أن تكتشف الزوايا المظلمة من نفسك، لتتعرف على السبب.. ومن الملاحظ أن الانتكاسات الإيمانية -كسؤال الأخ-، تنتج بعد كفران النعمة كفراناً بليغاً.. فإذا كانت النعمة الإلهية كبيرة، وكان الكفران أيضاً كبيراً، ووقع الكفران بعد النعمة؛ فإنه ينكسر الإنسان أيما انكسار!.. مثلاً: إنسان في شهر رمضان عاش نفحات إلهية جيدة، من خلال ليالي شهر رمضان، وليالي القدر؛ ولكنه في أول أيام شهر شوال -في الأسبوع الأول- ارتكب خطيئة كبيرة؛ فلا شك إن هذا من موجبات الانتكاسة الذريعة.

ومن المؤسف أن نقول هذه الحقيقة: إن شهر شوال من أسوأ شهور السنة الهجرية على قلوبنا!.. إذ نلاحظ جفافاً واضحاً في القلوب.. بخلاف ما يرى في شهري رجب وشعبان، وهما شهران قبل شهر رمضان، ولكن تلاحظ النفوس تعيش حالة من الإقبال على الله عزوجل.

والسبب في ذلك: أن أغلب الصائمين يكفرون بنعمة شهر رمضان.. ولهذا ترى جفاءً واضحاً للقرآن الكريم، ولإحياء الليل، وجفاءً واضحاً للأجواء العبادية التي منحهم الله عزوجل في شهر شوال.. وخاصةً مع انتقام الشياطين التي أُغلقت أبوابها وقُيدت في شهر رمضان، ولهذا ففي شهر شوال تريد أن تنتقم من كل من صام في شهر رمضان، وعلى الخصوص من صامه صوماً مقبولاً!..

س 5/ ما رأيكم في الاستنساخ البشري في الحالات الضرورية من العقم عند النساء والرجال؟..

إن هذه المسألة من المسائل التي ينبغي أن تدرس من زاوية فقهية دقيقة، في أنه ما هي ماهية هذه الحركة.. فإلى الآن لم تُوضَّح لنا الصورة الحقيقة، بأن ما هو ربط الخلية المستنسخة بشرياً، بكلٍ من الزوجين!.. فالتلقيح الصناعي في الأنابيب لا شك أنه حركة طبيعية، ولا غبار عليه.. إذ هناك مادة منوية من الرجل، وهناك بويضة من المرأة، وبدلاً من أن تلقح هذا بذلك داخل الرحم، تلقح خارج الرحم، وهذا لا إشكال فيه.. أما موضوع الاستنساخ البشري، لابد من أن ندرس خلفيات هذه الحركة وهذه العملية، وعندئذ يمكن أن يعطى فيه الرأي الحاسم.

س6/ كيف أستطيع إخراج حب الدنيا من قلبي، وكيف أستطيع أن أعرف أنني أسير على الخط المستقيم الذي رسمه الله سبحانه وتعالى؟..

إن هذه عناوين عريضة: كيف أحب الله؟.. وكيف أخرج حب الدنيا من قلبي؟.. والإنسان لا يمكنه أن يجيب على هذه الأسئلة العريضة بكلمة واحدة، إذ أن هنالك خطوات كثيرة.. إن الإنسان الذي لم يعظم الله تعالى في نفسه، فإنه من الطبيعي أن الدنيا تكبر في عينه.. فإذا كبرت الدنيا في عينه، كيف يُخرجها من قلبه؟!.. فالحل: أن يتعرف على عالم ما وراء الطبيعة!.. فإذا ازداد حباً لله عزوجل، وتعلق بالله سبحانه وتعالى، وعظم الخالق في نفسه، فإن الدنيا تصغر في عينه، فإذا صغرت الدنيا لا يتعلق بذلك.. للتقريب نضرب هذا المثال:

إذا أردت أن تزهد طفلة في دميتها -ومن المعلوم بأن البنات الصغار يعاملن الدمى، وخاصة إذا كانت الدمية جميلة، كمعاملة الأمهات لأولادهن-؛ فالحل الأول: التلقين بأن هذه دمية، وهذه قطعة جماد لا تسمع ولا تعقل.. ولكن البنت قد تتكلم معها من الصباح إلى الليل، وقد تظهر تأثراً وتجاوباً معك؛ ولكنها إذا رأت الدمية في محل بيع الدمى تهجم على هذه الدمية!.. وأما هذا الكلام فهو كلام الليل يمحوه النهار!..

ولكن الحل الطبيعي: أن تصبر على هذه البنت إلى أن تصبح بالغة رشيدة، وإذا بها هي بنفسها ترمي هذه الدمى خارجاً، وتستحي أن تحملها بيدها، لأنه لا يليق بشأنها.. ومن هنا نلاحظ أن العوائل بعد فترة يتصرفون في ألعاب أولادهم ودماهم بطيب خاطر عنهم، لأن هذا لا قيمة له في المنزل.. فإذن، نلاحظ أن استغناء البنت عن الدمية، إنما صار بعد البلوغ، لا بالتلقين والكلام الكثير.

نحن بمثابة هذه الطفلة، والدنيا بالنسبة لنا بمثابة الدمية.. فلو تكلمنا صباحاً ومساءً بأحاديث أمير المؤمنين (ع) في وصف الدنيا، وأنه طلقها ثلاثاً، وكذا كذا…؛ فإن هذا الكلام يشبه كلامنا مع هذه الطفلة.. لابد من البلوغ، فإذا بلغ أحدنا بلوغاً نفسياً، وعقلياً، وفطرياً، وشرعياً؛ عندئذ يرى الدنيا أصغر بكثير مما يظنه الناس، ويصبح هو يحتقر الدنيا.. وعندئذ يتعلق بشكل طبيعي مع البديل الآخر، وهو ذلك العالم الذي يعد في روايات أهل البيت بأن مثله كالضرة.. إذا الزوج غضب على زوجته ورآها دون مستوى المعاشرة، من الطبيعي أن يتوجه إلى الزوجة الأخرى التي هي لا تقاس بالأولى، التي انكشف له خبث طينتها أو ما شابه ذلك.. فإذن، هذا هو الحل!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى