زاد البرزخ والقيامةكيف نتعامل مع البرزخ والقيامة ؟

شر الموت

المحاضرة | الثانية عشرة

– إن هنالك في روايات أهل البيت (ع) مجموعة من الأذكار والأوراد.. وهنالك ما يسمى بقاعدة التسامح في أدلة السنن.. أي لا نطالَب بالإثبات السندي، هذا أولاً.. وثانياً بالنسبة إلى حديث: (مَن بلغه شيءٌ من الثواب على شيء من الخير فعمله، كان له أجر ذلك، وإن كان رسول الله (ص) لم يقله).. فما الذي يضر رب العالمين أن يعطي الإنسان أجراً على عمل روي، ثم ثبت يوم القيامة أن الحديث لم يكن صحيحاً؟!.. فإن رب العالمين عطاؤه لا ينفذ!.. فرب العالمين إرادته عين نفاذ ما أراد، لا يحتاج إلى مرحلة.. إن الله –عز وجل- إرادته تلازم تحقق المراد.

– في الخبر: لو كانت الدنيا تبراً يفنى، والآخرة خزفاً يبقى.. لكان ينبغي للعاقل، إيثار الخزف الباقي على التبر الفاني.. فكيف والدنيا خزف فانٍ، والآخرة تبر باق!.. مثلا: لو قيل للإنسان: هل تريد قصراً في الدنيا لمدة ستين سنة، أو تريد بيتاً شعبياً في الآخرة، ولكن إلى أبد الآبدين.. من المؤكد أنه سيختار البيت الشعبي في الآخرة، لأنه خير من القصر في الدنيا.. {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}؛ أي هنالك حياة أبدية.

إن الإنسان المؤمن يستوعب هذه الحقيقة.. وعليه، فإن من قال: (لا إله إلا الله الملك الحق المبين)، ما المانع أن يعطيه الله في مقابل ذلك طابوقة في الجنة؟!.. ولكن هنالك بعض الأمور التي تحبط الأعمال، فليحذر المؤمن هذه المحبطات!.. فرب العالمين يقول: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا}.. فهذه الآية من أخوف الآيات في القرآن الكريم!..

– إن موضوع الأذكار والأوراد والأدعية، الباب فيه هو باب التفضل لا باب الأجور.. فرب العالمين يتفضل على الإنسان فيعطيه هذا الأمر.. فعندما يصلي الإنسان ركعتي الوحشة لمؤمن لا يعرفه، فكيف برب العالمين، ألا يقول: أنا أولى بعبدي؟.. أنت ذكرت الميت بركعتي وحشة، وأنا الرب العطوف الحليم لا أتفضل عليه بذلك، هذا ليس من شأن الربوبية!..

روى الشيخ الكفعمي عن الرسول الأكرم (ص): من قال هذه الكلمات في كل يوم عشراً، غفر الله –تعالى- له أربعة آلاف كبيرة، ووقاه من شر الموت، وضغطة القبر، والنشور، والحساب، والأهوال كلها وهو مئة هول أهونها الموت، ووقي من شر إبليس وجنوده، وقضي دينه، وكشف همه وغمه، وفرج كربه، وهي هذه: (أعددت لكل هول لا إله إلا الله، ولكل هم وغم ما شاء الله، ولكل نعمة الحمد لله، ولكل رخاء الشكر لله، ولكل أعجوبة سبحان الله، ولكل ذنب أستغفر الله، ولكل مصيبة إنا لله وإنا إليه راجعون، ولكل ضيق حسبي الله، ولكل قضاء وقدر توكلت على الله، ولكل عدو اعتصمت بالله، ولكل طاعة ومعصية لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).

شر الموت: أي من الممكن -والله العالم- أن يقي الإنسان موت الفجأة.. إذ أن من أصعب الأمور على المؤمن أن يفاجأ بالموت.. ولهذا فإن المرض الخبيث للبعض هو نعمة، حيث يجعله يستعد أيما استعداد للموت، فيزداد إيماناً وتقوى، ويتوب إلى الله، ويوصي بالثلث، ويصفي الحسابات المالية، وكل ما عليه من حقوق.. ولكن -للأسف- نحن ننظر إلى الأمور بمنظار بشري وبمنظار دنيوي.. أما موت الفجأة.. أي أن يموت الإنسان دون أن يكتب ما عليه من حقوق، ودون أن يوصي بالثلث.

ضغطة القبر: قد يتحول الإنسان إلى رماد، بل قد لا يبقى منه شيء، ولكن مع ذلك له ضغطة قبر.. فهذه كناية عن أمور أخرى، والقرآن الكريم علمنا على أسلوب الكناية من خلال بعض الآيات: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}، {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}.. فهذه تعابير كنائية.. فإذن، إن ضغطة القبر تعبير مجازي.

– عندما يقول الإنسان: {قل أعوذ برب الفلق}، و{قل أعوذ برب الناس}.. فهذه حالة استعاذة، والمستعيذ إنسان خائف.. فالإنسان المستعيذ، يهرب من شيء إلى شيء.. إذا كان هناك إنسان في صحراء فيها قلعة حصينة، وهنالك حيوان مفترس.. فإذا قال الإنسان بلسان الحال: أعوذ بهذا الحصن من هذا الوحش الكاسر مئة مرة، أو ألف مرة!.. دون أن يدخل هذا الحصن، هل يفيده ذلك شيء، إذا لم يتحرك ويدخل هذا الحصن؟.. وإذا كان هناك شاب مستضعف، عندما يعاديه أحد، فإنه يلجأ إلى أبيه.. فإذا لم يستطع أن يحميه، يلجأ إلى الشرطة.. وكذلك إذا لم تستطع الشرطة حمايته، لأن ذلك الشخص -مثلا- فوق القانون، فإنه عندئذ يلجأ إلى الله عز وجل.. فإذن، يلجأ أولاً للمربي، ثم للحاكم، وأخيراً يشكو أمره إلى الله عز وجل.. وهذه العناصر الثلاثة مذكورة في هذه السورة: فهو الرب، وهو الحاكم، وهو الإله.

إن نبي الله يونس (ع) كان في ظلمات ثلاث: بطن الحوت، وظلمة الليل، وقعر البحر.. فقال: {أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}، لم يقلها ألف مرة، ربما قالها مرة واحدة.. {وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}.. فإذن، إن القراءة يجب أن تكون واعية.

وعليه، فإن الذي يعتقد بأن (لا إله إلا الله) بمعنى لا مؤثر، ولا إله، ولا متحكم، ولا مسيطر إلا الله.. هل يخاف من الهول؟!.. هل موسى كان يخاف من فرعون؟.. ولماذا يخاف والنتيجة أن الله -تعالى- أغرق عدوه في البحر؟!.. هل يخاف الإنسان من الموت إذا أصيب بجلطة دماغية؟.. فالمؤمن إذا أصبح أنسه بالله عز وجل، يصل لهذه الدرجة.. يقول ابن سينا: كلما قرع سمعك من العجائب، فذره في بقعة الإمكان، حتى يذودك عنه قاطع البرهان.

(ولكل هم وغم ما شاء الله)!.. (ما شاء الله) جملة ناقصة في اللغة العربية، أي ما شاء الله كان.. فلماذا يكون الإنسان مهموما؟.. {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}.

(ولكل نعمة الحمد لله)!.. أي: يا رب!.. كل ما جاءني منك، فلك الحمد، وأنت المحمود.. فهذه العطية منك لا من غيرك.

(ولكل رخاء الشكر لله)!.. فبالشكر تدوم النعم، {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}..

(ولكل أعجوبة سبحان الله)!.. عندما يرى الإنسان شيئا عجيبا وغريبا، فإنه تلقائيا يقول: سبحان الله!..

(ولكل ذنب استغفر الله)!.. في اللغة العربية صيغة الاستغفار يعني طلب الشيء، أستفهم: أي أطلب الفهم.. أستطعم: أي أطلب الطعام.. واستغفر: أي أطلب المغفرة.. وعندما يستغفر الإنسان، فإنه يجب أن يجلس جلسة العبد أمام القبلة، ويسجد لله عز وجل، ويقول بتوجه مرة واحدة: استغفر الله!.. ولا يكون الاستغفار بحمل السبحة واللعب بها والتلفظ بألفاظ الاستغفار.

(ولكل مصيبة إنا لله وإنا إليه راجعون)!.. فنحن كلنا ملك لله -تعالى- فإذا ثكلنا بفقد ولد، فعلينا أن لا نتصرف أو نتفوه بكلمات تدل على أننا نحن من يملك هذا الولد، فنحن كلنا ملك لله، وكلنا نرجع إليه. ويوم القيامة هذا الولد يعود إلى أهله، حتى السقط يقف على باب الجنة، ويقول: يا ربي!.. لا أدخل الجنة حتى يدخل والداي.. لعل هذا السقط هو طفل معوق!.. فرب العالمين رفع عن الأهل تكليف تربية المعوق، وبعثه له سفيرا على باب الجنة.. فلو كشف الغطاء لكان الأمر مختلفاً.. ومن خصائص الجنة أن فيها لما للشمل.. قال رسول الله (ص): (ما من أهل بيت يدخل واحد منهم الجنة، إلا دخلوا أجمعين الجنة، قيل: وكيف ذلك؟.. قال: يشفع فيهم فيُشفّع حتى يبقى الخادم، فيقول: يارب!.. خويدمتي قد كانت تقيني الحرّ والقرّ ، فيُشفّع فيها).. نعم يشفع كربيعة ومضر، فلماذا الجزع والفزع إذن؟..

(ولكل ضيق حسبي الله)!.. نقول في تعقيبة الفجر: (أصبحت اللهم معتصماً بذمامك المنيع… إلى أن نقول: حسبي الرب من المربوبين، حسبي الخالق من المخلوقين، حسبي الرازق من المرزوقين، حسبي الله رب العالمين، حسبي من هو حسبي، حسبي من لم يزل حسبي، حسبي من كان مذ كنت لم يزل حسبي، حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم).. إذا كان لدى الإنسان عدو يخاف منه فليقل: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا}.. أي أن الله -عز وجل- هو المحامي، لذا على المؤمن أن يسلم أمره إلى الله تعالى، ويتوكل عليه في كل الأمور.

هذه عينة من روايات أهل البيت (ع)، لمن أراد أن يقيه الله –عز وجل- أهوال القيامة، وأهوال البرزخ ويجعله في جُنته.

– إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث:

صدقة جارية: فهناك من دخل الجنة ببيت شعر واحد:

ودي أوصل مصرعك وأنتشل وياك *** لكن إش بيدي ماسكة بأذيالي يتاماك..

والصدقة الجارية، ليست فقط في بناء مسجد أو مأتم، فمن أفضل الصدقات الجارية، فتح موقع هادف، يجيب على مشاكل الناس الفقهية والنفسية.. أو تأسيس مؤسسة لتزويج العزاب.

علم ينتفع به: ليس المراد أن يكون الإنسان مؤلفاً، بل من الممكن أن يكون ذلك من خلال الترويج للعلم، بطبع الكتب النافعة.. وهو كذلك يكون صدقة جارية.

ولد صالح يدعو له: هنيئاً لمن رزق الذرية الصالحة!.. قال النبي (ص): (مر عيسى بن مريم بقبر يعذّب صاحبه، ثم مر به من قابل فإذا هو ليس يعذّب، فقال: يا ربّ!.. مررت بهذا القبر عام أول، فكان صاحبه يعذّب، ثمّ مررت به العام فإذا هو ليس يعذّب، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: يا روح الله!.. إنه أدرك له ولد صالح، فأصلح طريقا، وآوى يتيماً، فغفرت له بما عمل ابنه).

وزيارة مشاهد أهل البيت (ع)، هي أيضاً ذخر للإنسان.. قال الرضا (ع) في خبر دعبل: (لا تنقضي الأيام والليالي، حتى تصير طوس مختلف شيعتي وزواّري، ألا فمن زارني في غربتي بطوس، كان معي في درجتي يوم القيامة مغفورا له).

– إن الجنة مضمونة للمؤمن، فالإنسان الذي يموت على الشهادتين، وعلى حب أهل البيت، ويكون له بعض الهفوات.. فإنه يمحص في نزع الروح، أو في القبر، أو في البرزخ، وأخيراً في نار جهنم.. ولكن في النهاية يدخل الجنة.

ولكن لماذا يقنع الإنسان بالطبقة الأولى في الجنة؟.. ولماذا لا يطمع أن يكون من رفقاء النبي وآله؟.. في روايات أهل البيت هنالك بشارة لمن يتكفل يتيما، بأنه سيكون مع النبي (ص)!.. إن يوم القيامة هو يوم الحسرة الكبرى؛ لأن الإنسان فوت الفرص الكثيرة في الدنيا، أمثال كفالة اليتيم، وزيارة الأئمة -أحدهم كان يكثر من زيارة الرضا (ع).. فعندما توفى الرجل، رد الإمام له الزيارة بعدد المرات التي زار فيها الرضا (ع).. ومن المؤكد أن الإمام عندما يزور المقبرة، فإن الخير يعم-.. وغيرها من الفرص الكثيرة التي تجعل الإنسان غنيا يوم القيامة!..

– فإذن، إن على المؤمن أن يزيل هذا الخوف والرعب من الموت، وذلك من خلال الاستعداد لذلك العالم، بما ورد عن النبي وآله (ص).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى