محاضرات تربوية

الآداب المعنويّـة للعمل الإسلامي – 3

– شتان بين جلسة في إحدى الشركات الاستثمارية الكبرى، وبين جماعة يجتمعون من أجل هداية الناس، ومن أجل إرشاد الناس، ومن أجل إقامة الصلاة.. {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ}.. فالوظيفة الأولى للحكومة الإسلامية، وللإمام –عليه السلام– هي إقامة الصلاة في الأرض.. فنحن عندما نزور الإمام الحسين –عليه السلام– نشهد بأنه أقام الصلاة.. ولكن إقامة الصلاة بمعناها الشامل، تلك الصلاة المؤثرة في حياة الأمة، والمؤدية إلى النهي عن الفحشاء والمنكر!.. فلو أقمنا الصلاة بهذا المعنى، لما بقي منكر في هذا الوجود!.. فالجلسات المنعقدة من أجل مناقشة ما يهم أمر الأمة، وشباب الأمة، ونساء الأمة، هي من أبرك الجلسات.. ومن هنا، يفضل ختم هذه المجالس والاجتماعات في هذا الإطار بشيء من الدعاء والذكر، فإن الله –عز وجل– سوف لن يرد لهم حاجة، لأنهم مجتمعون على ذكره!..

– إن إطعام الطعام من موجبات المغفرة ومن المنجيات؛ لأن هنالك عطية إلهية.. فإذا كان الاجتماع على رزق مادي من موجبات المغفرة، فكيف بالاجتماع على رزق معنوي؟!.. عن أبي عبد الله (ع) قال: (المنجيات: إطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام)، وعن أبي الحسن -عليه السلام- قال: (من موجبات مغفرة الله -تبارك وتعالى- إطعام الطعام).. فالإنسان الذي يأكل، يقوم بحركة مادية.. ولكن الذي يُطعم الآخرين، فهذه حركة روحية إلهية!.. قال تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ}، هكذا كانت صفة إبراهيم الخليل (ع).. إذا كان تقديم الطعام المادي للغير، هذه نتيجته، فما هي النتيجة عندما تكون المقدمة إطعام الطعام المعنوي؟!..

بعض قواعد العمل الديني وخدمة الغير:
أولاً: الانطلاق من عالم المحبة.. إن بعض علماء الأخلاق، يرون أن من أقرب السبل إلى المحبة الإلهية، هو تحبيب الخلق بالله -عز وجل– وسلوك طريق المحبة.. فهذا أشرف ما يمكن أن يقع في هذا الوجود!.. لو أمكننا أن نحول الشاب إلى شاب محب لله –عز وجل–، وذلك من خلال تحبيبه برموز الشريعة: أئمة أهل البيت (ع)، ومن فوق ذلك المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم–.. فالإنسان إذا أحب الإسلام، أو أحب رب الإسلام الذي أرسل الرسالة، فإن هذه المحبة تكون من أفضل الدوافع للعمل!.. وفي علم البرمجة اللغوية العصبية، وبشكل عام: من المعروف أن الذي أحب أمراً من الأمور، أبدع فيه، ولو كان أمراً سخيفاً أو تافهاً، مثل أولئك الذين يتسلقون الجبال الشاهقة، أو أولئك الذين يخاطرون بأنفسهم لاكتشاف أبرد نقطة في القطب الجنوبي مثلا!.. أو لا يفترض بالمؤمن أن تكون همته أكبر من هؤلاء الذين يبحثون عن أمور لا تسمن ولا تغني من جوع؟!..

ثانيا: استمرار نية القربة.. إن مشكلة العمل الجماعي، هو أنه بعد فترة يتحول لا شعورياً إلى عمل تحزبي إن صح التعبير؛ أي نُصبح نعشق هذا العنوان.. نحن اجتمعنا بلا عناوين، ولكن بعد فترة اكتسبنا وجاهة في المجتمع بعنوان معين، فكلما انتشر هذا العنوان كلما زدنا سروراً.. قد تكون الجماعة لا تعمل شيئاً جديداً، ولكن عندما يسمعون صيتاً لهذا العنوان، يدخل عليهم السرور والفرح.. وحينئذٍ يتحول العمل من عنصر مثالي إلى عنصر ذاتي، ومن هنا آفة الأعمال الاجتماعية، والأعمال الرسالية، هو هذه الحركة الشيطانية الذكية!.. أي أن المحور الإلهي وبلباقة تامة يُخرج أو يأخذ هذا المحور، ليضع مكانه هذه المحاور الوهمية الباطلة.. فإذاً، لابد أن نستحضر قصد القربة إلى الله –عز وجل– في كل حركة.. فالعلماء يقولون: إن هنالك عوامل محدثة، وعوامل مبقية: العلة المحدثة، تحتاج إلى علة مبقية.. مثلا: في موانئ تفريغ الحديد: تأتي رافعة كهربائية، فيها مغناطيس قوي جداً، يقترب من هذا الحديد ويمسكه.. إذا انقطع التيار الكهربائي لحظة واحدة، سقطت هذه الكتلة على رؤوس أصحابها!.. ولذا فإنه لابد أن يعطى هذا الجهاز في كل لحظةٍ الطاقة اللازمة لحفظ هذه الكتلة!.. إن العمل القربي بمثابة هذه الكتلة الحديدية، يحتاج إلى مدد مستمر.. لو غفل الإنسان طرفة عين عن النية، سوف ينحرف عن مسيرته.

– إن الإمام زين العابدين (ع) روي عنه أنه (كان قائما يصلي حتى وقف ابنه محمد (ع) -وهو طفل- إلى بئر في داره بالمدينة بعيدة القعر، فسقط فيها.. فنظرتْ إليه أمّه فصرختْ وأقبلتْ نحو البئر، تضرب بنفسها حذاء البئر وتستغيث وتقول: يا بن رسول الله!.. غرق ولدك محمد، وهو لا ينثني عن صلاته، وهو يسمع اضطراب ابنه في قعر البئر، فلما طال عليها ذلك قالت -حزنا على ولدها-: ما أقسى قلوبكم يا أهل بيت رسول الله؟.. فأقبل على صلاته ولم يخرج عنها إلا عن كمالها وإتمامها، ثم أقبل عليها وجلس على أرجاء البئر ومد يده إلى قعرها، وكانت لا تنُال إلا برشاء (أي حبل) طويل، فأخرج ابنه محمدا (ع) على يديه يناغي ويضحك، لم يبتل له ثوب ولا جسد بالماء، فقال: هاكِ يا ضعيفة اليقين بالله!.. فضحكت لسلامة ولدها، وبكت لقوله (ع): يا ضعيفة اليقين بالله.. فقال (ع): لا تثريب عليك اليوم!.. لو علمتِ أني كنت بين يديّ جبار، لو ملتُ بوجهي عنه لمال بوجهه عني.. أفمن يُرى راحما بعده)!.. فالقضية قضية آنية، متواصلة، ومستمرة.. أي مادمتَ متوجهاً إلى الله –عز وجل- هو متوجه إليك!.. وبمجرد أن تُعرض بوجهك عنه، هو أيضاً يميل بوجهه عنك!.. {فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ}!.. وإذا مال بوجهه عنك: فإن الشياطين بالمرصاد، قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: (إن الشيطان واضع خرطومه على قلب ابن آدم، فإن هو ذكر الله –تعالى- خنس، وإن نسي الله –تعالى- التقم قلبه).. خرطومه على قلب بني آدم يمده بالفساد، وما يوجب الانحراف.. إنه منظرٌ مخيفٌ!..

ثالثا: الاحتراس من الشيطان: إن الإنسان لم يحسب حساب الشيطان، فالمشكلة في {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ}، وهذه معركة غير متكافئة!.. أحدنا يدخل عملاً جديداً، ويبقى فيه لسنوات فيصبح خبيراً في عمله، فكيف بذلك الموجود الذي حاول أن يُغري بني آدم من زمانِ آدم إلى يومنا هذا؟.. تصوروا كم من الخبرة لدى هذا الموجود العنيد؟!.. فكيف إذا أُضيف إلى ذلك الانتقام الشخصي حالة من العداء، {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا}.. إن اليقين بعض الأوقات يأتي من المقدمات غير الحسية، بالإخبار الصادق المصدق، {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}.. لذا على النساء الذين يخافون من الجن القرين، أن يخافوا من الشيطان القرين؛ لأن هذه حقيقة قرآنية!.. وقد يصل الأمر بالإنسان أن يصبح الشيطان له قريناً ومصاحباً!.. ويوم القيامة تُرفع دعوةٌ على الشيطانِ من قبل جميع البشرية: أن هذا الذي أغوانا يا رب!.. وهذا الشيطان لا يحتاج لمحامٍ، إنه يدافع عن نفسه أيما دفاع، ويقول: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ}.. هذا الشيطان القرين الذي ينبغي أن نحسبُ حسابه!..

– إن الشيطان له هم وهو أن يضع يده على الحوزات العلمية، وعلى البلاد المقدسة!.. ومن هنا فإن الذي يتصدى للعمل الاجتماعي، لابد أن يحسب حساب أن الشيطان يخصه بالكيد. هنالك قصة في زمان الشيخ الأنصاري قيل: إنّ رجلاً رأى إبليس في المنام، وهو مغضب، وفي يديه مجموعة حبال غلاظ ورقاق، وسلاسل مختلفة، من بينها سلسلة غليظة قد تقطّعت في سبعة مواضع منها، فسألـــه عن الحبال والسلاسل التي يحملها في يديه، وعن السلسلة المتقطّعة ما هي، وما هو سبب تقطيعها؟..
فقال إبليس: الحبال والسلاسل آلاتي ووسائلي، أغلّ بها الناس وأسحبهم إليّ.
فقال الرجل: إني أراك غضبان، فما هو سبب غضبك؟..
فقال إبليس: أردت في هذه الليلة أن أغلّ الشيخ الأنصاري، بأعظم ما عندي من السلاسل وأسحبه إليّ، غير أني لم أقدر عليه، وكلّ مرّة حاولت ذلك قطع السلسلة وانفلت من شباكي.. فكرّرت العملية إلى سبع مرّات، حتّى يئست منه ورجعت خائباً خاسراً.. وهذه السلسلة التي تراها مقطوعة، هي التي كنت قد أعددتها لأسحب بها الشيخ إليّ، وانّ ما ترى عليّ من غضب فهو من ذلك.
قال له الرجل حينئذ: وهل لك أن تريني السلسلة أو الحبل الذي تغلّني به، لتسحبني بواسطته إليك؟..
قال له إبليس شامتاً: إنّ أمثالك يأتون نحوي بمجرّد إشارة منّي إليهم، ولا يحتاجون إلى الحبل، فكيف بالسلسلة؟..
فانتبه الرجل من نومه مذعوراً، وذهب إلى الشيخ الأنصاري، ونقل له الرؤيا.. فلما سمع الشيخ ذلك استوى جالساً، وأخذ يحمد اللّه –تعالى- على سلامته من مكائد إبليس ووساوسه، وقال: نع، لقد أصيبت زوجتي في الليلة البارحة بحالة الطلق والولادة، واحتجتُ إلى مال أتمكّن من أن أشتري به ما تحتاج إليه المرأة في هذه الحالة، فلم يكن عندي شيء سوى وديعة استودعها عندي بعض المؤمنين كأمانة، ففكّرت في نفسي وقلت: إنّ صاحبها يرضى بأن أتصرّف فيها، وخاصّة في مثل هذا الوقت الذي أنا بأشدّ الحاجة إليها، ثمّ إذا وسّع اللّه -تعالى- عليّ أرجعتها مكانها، فذهبت إلى الرف الموجود فيه الأمانة لأخذها، لكنّي احتطت ورجعت.. وهكذا إلى سبع مرات، حتى عزمت على عدم الأخذ، وبالفعل تركتها ولم آخذ منها شيئاً، وسهّل اللّه الأمر على زوجتي ووضعت بسلامة.. ولعلّ هذا هو تفسير الرؤيا التي رأيتها.

نعم، هكذا يحاول إبليس أن ينفذ إلى القلوب ويوسوس فيها، غير أنّ أولياء اللّه قد عرفوا ذلك، فقاموا بتأييد من اللّه -تعالى- بسدّ الطريق عليه، ليكونوا مصداقاً للحديث الشريف: (من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلّدوه).. فلكل إنسان مستواه الإيماني، وله صيده، وله فخه.

رابعا: عدم الحسد.. إن الشيطان له طريقتان: تارة يقضي على كلِ فردٍ بطلقة مناسبة له، ومرة يبحث عن مصادر التغذية: من الذي يُغذي الناس؟.. ومن الذي تصدى لهداية الناس؟.. أيّ جماعة، وأيّ فئة، أو أيّ جمعية، أو أيّ مسجد.. فيذهب ليسمم هذا المركب، فعن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: (لكل شيء آفة، وآفة العلماء الحسد)!..

خامسا: طلب المدد من الله -عز وجل-.. إن صعود القمم على طريقتين: الطريقة الأولى: إنسان يريد أن يصل إلى مدارج الكمال بالزحف، وصعود الجبال!.. كما يتسلق أولئك الرواد، بألف حيلة ليصل إلى قمة جبال الهيمالايا: منهم من يسقط، ومنهم من يموت جوعاً، ومنهم من يموت برداً، إلى أن يصل أو لا يصل القمة!.. ويضرب علم بلده على تلك القمة!..
والطريقة الثانية: إنسان يذهب إلى القاعدة الجوية، ويتفق مع رئيس القاعدة، ويقول له: خذني بطائرة مروحية، وضعني على قمة هذا الجبل، فيضع علم بلاده على القمة!.. وبهذه الطريقة، يكون قد قام بنفس المهمة، ولكن دون أن يرى ثلجاً، أو يتسلق جبلاً!..
فإذن، إن صعود القمم على طريقتين: هذه طريقة، وهذه طريقة.. فالذي لديه الهمة فليتسلق!.. ولكن من الذي يصل مع هذه الرياح الهوجاء، ومع هذه المنزلقات الخطيرة، ومع هذه الصخور الحادة!.. وعليه، فإن من خير السبل أن نذهب إلى القاعدة الجوية، ونقول لقائد القاعدة: خذوني إلى القمة أنا لا يمكنني ذلك؟!.. {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}، {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}..

سادسا: الإخلاص والصدق في الطاعة.. إن البعض يشتغل بالعمل الرسالي إلى حد الذهول!.. فيؤذن للصلاة وهو في اجتماع رسالي!.. كيف يمكن ذلك؟.. إذا كان الإنسان عاشقا لله، ولخدمة الدين، فلم يهمل نداء رب العالمين؟!.. والبعض في موسم الحج كذلك!.. فالذي لا يبادر إلى الصلاة في أول وقتها، هذا إنسان غير صادق!.. في مناجاة الإمام زين العابدين (ع) يقول: (أو لعلّك وجدتني في مقام الكاذبين، فرفضتني)!.. لابد من أن نكون على هذا المستوى من الاستحضار الدائم لهذه النية.. البعض يريد أن يحقق هدفه الرسالي في الحياة، بأي طريقة: بتزييف الحقائق، أو بهتك المؤمنين، أو بالصعود على أكتاف الغير، أو بإصدار البيانات المزورة، والكاذبة.. بـهذه الأساليب المتعارف عليها هذه الأيام!.. والحال أن هنالك طريقا أفضل من هذا الطريق.. يقول الله –عز وجل– في حديث قدسي: (إذا أطعت، رضيت.. وإذا رضيت، باركت.. وليس لبركتي نهاية)؛ أي أنا رب هدفي أن الناس يعبدونني {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}.. (إذا أطعت رضيت)؛ فمن عبدني أرضاني، وأرضى الهدف.. وإذا رضي الله -عز وجل- أعطى الحور العين يوم القيامة؟!.. والحور العين والقصور بالنسبة للبعض لا تُعد شيئاً!..

– إن الله -عز وجل- وحده يعلم متى يصل الإنسان إلى الحور والقصور!.. حيث أن هناك عالم البرزخ، {وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون}، ثم عقبات القيامة، وبعد آلاف من سنين الانتظار، بعدها يصل للحور العين!.. والجنة فيها نعيمان: الحور، والقصور، وأنهار الخمر، واللبن.. وهنالك في المقابل، ما هو أكبر {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ}.. وهذا ليس محله الجنة، الحور محلها الجنة.. ولكن الإنسان يمكن أن يعيش هذا الرضوان الإلهي في الحياة الدنيا!.. {رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ}، الذي يعيش برد الرضوان الإلهي هذا من أهل الجنة، بل من المستمتعين بالجنة.. يقول عليٌّ –عليه السلام–: (هم والجنة كمن قد رآها، فهم فيها منعمون)، لا يحتاجون الآخرة!.. فإذن، إن معنى: (إذا أُطعتُ رضيت، وإذا رضيتُ باركت)، أي أبارك فيمن رضيتُ عنه.. قوله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}، المروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس: أن هذا هو الشفاعة في الأمة.. وهذه هي البركة الإلهية.. وعن جعفر الصادق (ع) أنه قال: (رضا جدي، أن لا يدخل النار موحد).. فالنبي الخاتم –صلى الله عليه وآله وسلم- همته عالية جداً {حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}!.. فإذن، أنا المبارك وأعلم ماذا أعمل.. ومثاله: الحج ومناسكه: التي هي إحياء لذكرى إبراهيم وإسماعيل وهاجر (ع).. عندما أودع إبراهيم (ع) زوجته وولده في منطقة يقول الله -عز وجل- عنها: {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ}.. ولكن انظروا إلى المباركة الإلهية: ماء زمزم ذكرى هاجر، ورمي الجمرات ذكرى إبراهيم وإسماعيل، في مزدلفة ومنى وعرفة.. هذه البركة الإلهية آلاف السنوات والناس يُحييون ذكرى الرب الذي خلد ذكر إبراهيم.. أحدنا ليخلص النية ليُري ربه أنه يسعى في خدمته.. ولا شغل له بالنتيجة!..

– إن شعار الإنسان العارف، هو هذه الآية القرآنية: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا}!.. لو وجد الإنسان العارف في جمع، فإن رب العالمين سيبارك في ذلك الجمع أيما بركة!.. حتى لو كانوا غافلين؛ كرامة لهذا العارف، العارف الذي لا يهمه إلا إرضاء ربه!..

سابعا: التوجه بالدعاء.. إن على المؤمن أن يدعو في جوف الليل، لإنجاح مشاريعه!.. فنحن -مع الأسف- نجعل دعاء: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} كلها تقريباً للحوائج الخاصة: شفاء مريض، أو أداء دين، أو قدوم مسافر… الخ.. لماذا لا نستعمل هذا الأسلوب لإنجاح المشاريع؟.. هل من الحرام أن نعمل ختمة صلوات، أو ختمة قرآن في شهر رمضان للمباركة في مشاريعنا الخيرية؟.. نبي الله (ص) في معركة بدر قال: (اللهم!.. إن تهلك هذه العصابة، لن تعبد في الأرض بعد اليوم).. رب العالمين في أحد لم ينزل الملائكة، وإنما في بدر أنزل الملائكة المسومين.. من المفيد للإنسان أن يتكلم مع الله –عز وجل– بين فترة وفترة بهذا المنطق.

– إن من أمثلة الدعاء بهذه الكيفية: (مناجاة برخ الأسود، الذي أمر الله –تعالى- كليمه موسى -عليه السلام- أن يسأله ليستسقي لبني إسرائيل، بعد أن قحطوا سبع سنين.. وخرج موسى -عليه السلام- ليستسقي لهم في سبعين ألفاً، فأوحى الله -عز وجل- إليه: كيف أستجيب لهم، وقد أظلمت عليهم ذنوبهم سرائرهم خبيثة، يدعونني على غير يقين، ويأمنون مكري.. ارجع إلى عبد من عبادي يقال: له برخ، فقل له يخرج حتى أستجيب له.. فسأل عنه موسى -عليه السلام- فلم يعرف، فبينما موسى ذات يوم يمشي في طريق، إذا بعبد أسود قد استقبله بين عينيه تراب من أثر السجود، في شملة قد عقدها على عنقه، فمعرفة موسى -عليه السلام- بنور الله -عز وجل- فسلم عليه، وقال له: ما اسمك؟.. فقال: اسمي برخ، قال: فأنت طلبتنا منذ حين أخرج فاستسق لنا.. فخرج فقال في كلامه: ما هذا من فعالك، ولا هذا من حلمك.. وما الذي بدا لك؟!.. أنقصت عليك عيونك، أم عاندت الرياح عن طاعتك، أم نفد ما عندك، أم اشتد غضبك على المذنبين؟.. ألست كنت غفاراً قبل خلق الخطائين، خلقت الرحمة، وأمرت بالعطف.. أم ترينا أنك ممتنع، أم تخشى الفوت فتعجل بالعقوبة؟!.. قال: فما برح حتى اخضلت بنو إسرائيل بالقطر، وأنبت الله –تعالى- العشب في نصف يوم، حتى بلغ الركب قال: فرجع برخ، فاستقبله موسى -عليه السلام- فقال: هل رأيت حين خاصمت، كيف أنصفني؟.. فهم موسى -عليه السلام- به، فأوحى الله –تعالى- إليه: إن برخاً يضحكني كل يوم ثلاث مرات).. عبد يصل إلى درجة من الأنس مع رب العالمين، تجعله يتكلم كأنه مع شخص في مستواه: كصديق.. وطبعاً هذا الأسلوب لا يتمشى مع كل أحد!.. ولكن الإنسان قد يصل بعد فترة إلى درجة من درجات الدلال والأنس.. فيتكلم معه بهذه الطريقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى