محاضرات تربوية

الآداب المعنويّـة للعمل الإسلامي – 2

أولاً: لا تزاحم بين العمل التدبيري والعمل التقديري.. إن الله –عز وجل- له سننه الثابتة حتى فيما يتعلق بالدين، فالبعض يعتقد أن الأمر ما دام لله، وما دام العمل في المسجد، وما دامت الجماعة تعمل في سبيل الله.. فما الداعي للتخطيط، والبرمجة، وتوزيع الأدوار، وإنشاء فرق عمل، فـ(ما كان لله ينمو ويتصل، وما كان لغير الله ينقطع ويضمحل)!.. وكأن هنالك مخالفة بين التوكل والتفويض، وبين العمل المبرمج.. فالإنسان المؤمن لا يفوض أمره إلى الله -عز وجل-، ولا يتكل عليه إلا بعد أن يؤدي ما بوسعه من تكليف بشري.. أما أن نهمل جانب التخطيط والعمل المنظم، بدعوى أن الله -عز وجل- سيتولى المباركة في الأمر.. فهذا ليس من سنن الأنبياء والمرسلين.. أحد الأنبياء مرض فأبى أن يستعمل الدواء، وقال: يا رب أنت الشافي!.. فرب العالمين أوحى إليه: -مضمون الوحي- أنه لا تُشفى إلا بابتلاء استعمالك للدواء.. هذه سنتي في الحياة، ولابد من عدم مخالفة السنة!.. وبعض العيادات التي أصحابها ينتمون إلى الدين وأهله، يكتبون: (الدواء عندنا، والشفاء عند الله).. أبى الله أن يجري الأمور إلا بأسبابها.

– إن العمل المؤسساتي لا ينال بالتفويض، والتوكل.. والتوكل أو التفويض، لا يعني بالضرورة تسهيل العمل.. فالنبي (ص) هو خاتم الأنبياء، وملائكة السموات رهن أمره، والملك العظيم جبرائيل بينه وبين الله -عز وجل-.. وفي عالم المعراج النبي (ص) تحدث مع الله مباشرة، ووصل إلى مكان وقف الأمين جبرائيل (ع)، فقال له: النبي (ص): (تقدم!.. فإني أخاف)، فقال جبرائيل (ع): (لو تقدمت قيد أنملة، لاحترقت)، وعندها {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى}.. يقول العلماء في كلمة: {مَا أَوْحَى}، أسرار كثيرة لأن الله -عز وجل- أبهم الحوارية التي دارت بينه وبين الرسول محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- فهذا سر لم يطلع عليه أحد.. فالنبي (ص) رغم أن كل شيء طوع بنانه، إلا أنه كان لا يترك البرمجة في العمل، ومن أمثلة ذلك:

 تقسيم الناس إلى فريقين: رأى النبي (ص) بأن ثلة من أصحابه لا يحتملون عناء العيش!.. فليس كل الناس يتحمل ما تحمله بلال، وصهيب، ومصعب، وياسر، وعمار، وسمية.. فجعل الناس فريقين: فريق يقاوم، ويتحمل الأذى بكل صوره، وهؤلاء بقوا في مكة، لأن النبي (ص) يحتاج إلى أن يكون معه جماعة في خضم الدعوة، لحمل راية الإسلام.. وفريق رأى أنه لابد وأن يرسلهم إلى بلدة أخرى؛ أي الحبشة وعلى رأسهم جعفر بن أبي طالب، الذي عندما التقاه النبي (ص) في المدينة قال مقولته المعروفة، وكان رسول الله (ص) عائدا لتوه من خيبر، بعد أن فتحها الله له، ففرح بلقاء جعفر فرحا شديدا، حتى قال: (ما أدري بأيهما أنا أشد فرحا: بفتح خيبر، أم بقدوم جعفر)؟!.. فإذن، إن النبي (ص) مصداقٌ للعملِ التدريبي، وللعملِ المؤسساتي، والتخطيط.. ونحن نعرف إن ما كان يقوم به النبي، لم يكن إلا بوحي من الله -عز وجل.

– اختيار الوقت المناسب: إن النبي (ص) قسم عمره في مكانين: في مكة: فمعظم سنوات الدعوة كانت في مكة، ولم ينتقل من مكة إلى المدينة إلا عندما رأى بأن الأرضية مهيأة لتلقي الوحي.. والسنوات العشر الأخيرة أمضاها في المدينة: حيث غزواته، وسرايات جهاده، وخطبه.. لقد ذهب (ص) في الوقت المناسب، ولو ذهب إلى المدينة قبيل ذلك بسنوات، لما تظافر هذا التوحيد!.. ولو أنه تأخر في الذهاب إلى المدينة، لعله تكون الفرصة قد فاتته.

 – المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار: إنه عند هجرة النبي (ص) كان في المدينة الأوس والخزرج، والمهاجرون والأنصار.. والمدينة ليست فيها منازل، ولا مناطق للتأجير، فهي مدينة صغيرة!.. وإذا بهجوم من المسلمين من مكة إلى المدينة!.. فالنبي- صلى الله عليه وآله وسلم- بلفتة حكيمة آخى بين المهاجرين والأنصار.

 التوفيق بين المجتمع المدني والمكي: ومن أحلى الحركات العاطفية التي قام بها النبي الأكرم -صلى الله عليه وآله وسلم- عندما رجع من إحدى الغزوات، وأعطى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- تلك العطايا لقريش وقبائل العرب، ولم يكن للأنصار منها شيء.. فوجدت الأنصار في أنفسهم، حتى كثرت منهم القالة، حتى قال قائلهم: لقي والله رسول الله قومه.. فدخل عليه سعد بن عبادة، فذكر له ذلك!.. فقال: فأين أنت من ذلك يا سعد؟.. قال: يا رسول الله!.. ما أنا إلا من قومي. قال: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة!.. فجاء رجال من المهاجرين، فتركهم فدخلوا.. وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا أتاه سعد فأخبره.. فأتاهم رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: (يا معشر الأنصار، ما مقالة بلغتني عنكم؟.. وجدة وجدتموها في أنفسكم؟.. ألم آتكم ضلالاً، فهداكم الله بي؟.. وعالة فأغناكم الله بي؟.. وأعداء فألف الله بين قلوبكم بي؟.. قالوا: الله ورسوله أمن وأفضل.. ثم قال: ألا تجيبوني، يا معشر الأنصار؟.. قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله!.. ولله ولرسوله المن والفضل. قال: أما والله، لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم، أتيتنا مكذباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك!.. أوجدتم علي يا معشر الأنصار!.. في أنفسكم في لعاعة من الدنيا، تألفت بها قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟.. ألا ترضون يا معشر الأنصار: أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعون أنتم برسول الله إلى رحالكم؟.. فو الذي نفس محمد بيده!.. لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار.. ولو سلك الناس شعباً ووادياً، وسلكت الأنصار شعباً ووادياً، لسلكت شعب الأنصار وواديها.. الأنصار شعار، والناس دثار اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار).. قال: فبكى القوم، حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظًّا.. ثم انصرف رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وتفرقوا.

ثانيا: الجمع بين عالم الأسباب وعالم المسببات: ورد في بعض الأحاديث بأن الله -عز وجل- لا يستجيب لبعض طوائف الداعية، عن الصادق (ع): (ثلاثة ترد عليهم دعوتهم: رجل رزقه الله مالا، فأنفقه في غير وجهه، ثم: قال يا رب ارزقني، فيقال له: ألم أرزقك؟!.. ورجل دعا على امرأته وهو لها ظالم، فيقال له: ألم أجعل أمرها بيدك؟!.. ورجل جلس في بيته وقال: يا رب ارزقني!.. فيقال له: ألم أجعل لك السبيل إلى طلب الرزق)؟!..

ثالثا: حب الخلود والأبدية: عند الذهاب إلى بعض البلدان السياحية، وإلى بعض الكهوف الأثرية، يلاحظ أن هناك أسماء كتبت على نحو الذكرى!.. هذا الإنسان عمله عمل عبد يريد أن يبقى ذكره، ولو نحتاً على شجرةٍ، أو في غار مظلم؟!.. ومن اللطيف أن بعض الذين يقومون بأعمال بهلوانية قاتلة، ويجازف بحياته، ولكن المهم عنده هو أن يقال: فلان كان بطلا في هذا الحقل مثلاً!.. فهذه غريزة في الإنسان، أنه يحب أن يبقى ذكره!.. ومن هنا هذا الشيطان اللعين الرجيم، جاء إلى أبينا آدم (ع)، فدخل من باب الخلود!.. {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لّا يَبْلَى}، جاء باصطلاح: شجرة الخلد!.. فالذي أوقع آدم في فخ إبليس، خطواته للخلود والأبدية.. وحتى رب العالمين في إغراء الناس إلى العمل الصالح، يبشرهم بالجنة الخالدة، وبالجنة الأبدية.. ولو أن الله -عز وجل- أشار بالجنة من دون وصف للأبدية، لما كان للجنة قيمة؟!.. ما قيمة جنة نعيش فيها مليون سنة، ثم نصبح هباءً منثورا، وينتهي الأمر؟!..

– طريق دخول عالم الأبدية:
الطريق الأول: 
طريق العلم.. إن البعض يرى أن ذلك متوقف على علمٍ واسعٍ.. والإنسان الذي يريد أن يفسر القرآن، لابد وأن يكون بجانبه كتاب القرآن.

الطريق الثاني: طريق الآل (ع).. في مشهد الرضا -عليه السلام- هناك مسجد بجوار قبر الإمام الرضا -عليه السلام- ذو قبة زرقاء.. في هذا المكان، تقام الجمعة والجماعة، والدرس، والبحث… الخ، وهذا المسجد منتسب إلى أميرة، وسمي باسمها!.. فالله -عز وجل- كتب لها هذا التوفيق الخالد إلى أبد الآبدين، ومن ذهب لزيارة الرضا -عليه السلام- لابد وأن يجتاز هذا المسجد.

الطريق الثالث: الطاعة لله -عز وجل-.. لقد ورد في الحديث القدسي: (إني إذا أطعت رضيت، وإذا رضيت باركت، وليس لبركتي نهاية.. وإذا عصيت غضبت، وإذا غضبت لعنت، ولعنتي تبلغ السابع من الولد.. وعزتي وجلالي!.. لا يكون عبد من عبيدي على ما أحب فينقلب إلى ما أكره، إلا انتقلت له مما يحب إلى ما يكره.. وعزتي وجلالي!.. لا يكون عبدٌ من عبيدي على ما أكره فينتقل إلى ما أحب، إلا انتقلت له مما يكره إلى ما يحب).. فالإنسان الذي يريد من رب العالمين أن يبارك له في عمله، وأن يكتب له الأبدية والخلود، ما عليه إلا أن يبدأ من هذه النقطة.

الطريق الرابع: الرضا بأمر الله -عز وجل-.. أي أن يكون الإنسان مستسلماً للشريعة في كل خطواته: مع نفسه، ومع أهله، ومع مجتمعه، وإذا أراد أن يعمل للشريعة.. إن الإنسان بعض الأوقات يقع خلاف بينه وبين زوجته، أو بينه وبين شريكه، فيحتكم إلى الحاكم الشرعي: يستفتي حاكماً، أو مرجعاً، أو عالماً.. فيرضى بالحكم مهما كان.. فهذا الإنسان يكون قد وصل للمرحلة العليا للتكامل.

الطريق الخامس: التسليم الباطني لأمر الله -عز وجل-.. ولكن هنالك مرحلة ما فوق مرحلة الرضا، وقد ذكرت في القرآن، ففي هذه الآية يقول القرآن الكريم: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}.. إن الإنسان من الممكن أن يقبل الحكم الشرعي، ولكن خوفاً من النار، وطمعاً بالجنة.. إذا أراد أن يأكل طعاماً شهياً، ثم يعلم بأن هذا الطعام حرام، فإنه يتركه ونفسه تميل إليه!.. وهذه الأيام يبحث الشباب عن فتوى تُجيز لهم زواجا معينا، فيبحثون يميناً وشمالاً، وإذا لم يروا فتوى مُرخصة، يتمنون لو أن هناك فقيها يُوجد لهم مخرجا في هذه المرحلة.. فالإنسان المؤمن إذا أراد أن يختبر نفسه، فليختبر نفسه في هذه الموارد!.. والتسليم الباطني لرب العالمين، هو كيف يكون استسلام الإنسان لمكروه القضاء؟!.. لا الاستسلام بمعنى الصبر والتحمل!.. وإنما أن يعيش الإنسان حالة الرضا في باطن وجوده؟!..

الطريق السادس: الاصطفاء.. إن من أجلّ الألطاف الإلهية، أن يعامل رب العالمين عبده بما عامل به الكليم موسى.. هذا النبي الذي ظلمه بنو إسرائيل، وادعوه نبياً لهم.. موسى -عليه السلام- ميزه الله بمزية لم يذكرها عن أحد من الأنبياء، هذا المقام الذي يسيل له لعاب السالكين إلى الله عز وجل.. هذا المقام لا يحتاج إلى مالٍ، لا يحتاج إلى علم، ولا يحتاج إلى سمعة، ولا يحتاج إلى زواج وذرية!.. هذا المقام الذي قال عنه القرآن الكريم: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}، هناك قوم من الناس رشحهم رب العالمين لأن يكونوا كذلك في عالم الدنيا، وفي عالم البرزخ، وفي عرصات القيامة، وفي الجنة.. هؤلاء يجالسون ربهم، {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}.. آسيا التفتت إلى هذا المقام لِما تحملت في سبيل الله، وطلبت من الله -عز وجل- أن يبني لها بيتاً عنده في الجنة، “عنده”، {إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ}، فآسيا ضامنة للجنة!.. لأنها عُذبت في القصر الملكي، وهي زوجة الملك، وذلك لأنها رضيت بالله -عز وجل- فإذا لم تكن الجنة لها، فلمن؟!.. ولكن آسيا تقول: يا ربي أنا أريد مقاماً عندك!.. وكذلك الخضر الذي حير موسى (ع) أيما تحير {فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا}، هو رشحاً من ذلك المقام، وقد أُذهل موسى ولم يتحمل أن يعيش معه.. {قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا}!..

 إن أهل التوجه الروحي، وأهل المراقبة الدقيقة لأنفسهم، هؤلاء طبيعتهم ميالة للاعتكاف، وعدم الظهور أمام المجتمع، كي لا يفقدوا بعض المكاسب، هؤلاء لو كان الأمر بيدهم، لذهبوا إلى أعالي الجبال!.. وهذا الإحساس هو الذي جعل البعض يتخذ الرهبانية، {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ}.

 إن الإنسان بعض الأوقات يعمل مع المجتمع: خادماً لهم، ومروجا للشريعة، وقاضياً للحوائج، ومفرجا للكروب!.. هو في مقام العمل ينسى هذا الموقف الروحاني، وينسى الله -عز وجل- وهو يعبد الله.. عندما يؤذن المؤذن ويقول: (حي على خير العمل)!.. يكون هو في نقاش حامي الوطيس مع أفراد مجموعته، بينما تقول أم المؤمنين عائشة: (كان رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يحدثنا ونحدثه، فإذا حضرت الصلاة؛ فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه).

الطريق السابع: عدم اشغال القلب بغير الله -عز وجل-..
يقول أحدهم: سمعتُ بولي من أولياء الله -عز وجل- كان صاحب مطعم في أحد البلاد.. يقول: شددت الرحال وزرته في مطعمه، عنده مطعم متواضع، ولكن طعامه من أفخر الأطعمة؛ لأن الولي لا يغش في مواده الأولية، والناس تتكاثر عليه بفضل طعامه، الذي لا يُعرف له مثيل، يقول: نظرتُ إليه، قلت: هذا الذي يقال عنه بأنه ولي، رأيته وهو منهمكٌ في عمله، يقدم الطعام لهذا، ولهذا.. يقول: خاب ظني، أو كاد يخيب ظني، أن هذا الإنسان إنسان ولي!.. يقول: بمجرد أن خطر في بالي هذه الجملة: إن هذا ليس بولي لله -عز وجل- وإذا به يقول لي: يا فلان!.. ليس من العيب أن يكون رأسك مشغولاً، إنما العيب أن يكون قلبك مشغولاً.. فأنا رأسي مشغول، وإنما قلبي غير مشغول!.. يقول: أنا تعجبت.. أنا لم أقل شيئاً، كيف عرف بنيتي؟.. وكيف أجاب عنها بجواب جيد: أن يكون الفكر مشغولاً، لا بأس بذلك؟!.. أما القلب يقول الإمام الصادق -عليه السلام-: (القلب حرم الله، فلا تسكن حرم الله غير الله)!..

الطريق الثامن: عدم الاكتراث بالمدح أو الذم.. إن الشيطان عينه على المؤمن، فالإنسان الذي يرفع لواء هذا الدين، والذي يريد أن يخدم شريعة رب العالمين، ولو على مستوى وضعٍ كالوضع المالي.. هذا الإنسان دخل في دائرة خدمة الدين.. إن بعض صور خدمة الدين، التي ليس فيها شهرة ولا أموال، هي عند الله -عز وجل- أفضل من بعض الأمور.. فبعض الصلحاء يذهب إلى المآتم، وبإمكانه أن يقوم بدور فاعل وقوي، ولكن يكتفي بتنظيم الأحذية عند مدخل المسجد مثلاً.. إن الشيطان عينه على أن ينتقم من هؤلاء الذين رفعوا رايتهم بيدهم، ويقولون للشيطان: (نحن المتمردون عن سلطانك)!.. على كل حال بين غفلة وشهوة، الشيطان يريد أن يصطاد كل فرد منا بالحبل الذي يناسبه!.. إن الشيطان يعلم تاريخ الإنسان، ويعلم جيناته الوراثية، ويعلم في أي بيئة نشأ، ويعلم ملفه من مئات السنين قبل أن يولد، لأن الشيطان كان مع آدم.. هذا الشيطان يعلم من أين يدخل للإنسان: من باب الشهوة، أو من باب الغضب، أو من باب آخر!.. آخر باب يدخل قلوب الصديقين حب الرئاسة، وحب هذا الكرسي..  لماذا رب العالمين خلد ذكر علي وفاطمة والحسن والحسين (ع)، في سورة “هل أتى”؟.. ما قيمة الأقراص التي قدموها في سبيل الله؟.. هناك الكثيرون بذلوا أرواحهم في سبيل الدعوة، ولم تنزل لهم سورة؟!.. حتى أن الله -عز وجل- في سورة “هل أتى” ذكر أنواع النعيم من السندس وغير ذلك، وليس فيها آية واحدة تذكر الحور العين؛ مراعاة لكرامة الزهراء -عليها السلام- إنه سر الخلود!..

– فإذن، إن سر الخلود آية في القرآن الكريم.. فالقرآن يجعل بعض الأوقات مفاتيح كبيرة في آية صغيرة: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا}، إنها أقراص خبز، ما قيمتها في السوق؟!.. هناك قسم من الناس لا يهمه المدح، ولا يتوقعه، ولكن فرقاً بين أن يُمدح أو يذم.. فالمؤمن إذا وصل إلى درجة يستوي عنده المدح والذم يكون قطع مرحلة كبيرة في السير إلى الله -عز وجل-!.. (يا هشام!.. لو كان في يدك جوزة، وقال الناس: لؤلؤة، ما كان ينفعك، وأنت تعلم أنها جوزة!.. ولو كان في يدك لؤلؤة، وقال الناس: إنها جوزة، ما كان ضرّك، وأنت تعلم أنها لؤلؤة)!.. فكلام الناس لا يكشف عن الواقع، والمدح لا قيمة له!..

رابعا: الدفع بالتي هي أحسن.. إن إثارة البغضاء، والعداء بين المؤمنين، سلاح الشيطان الفعال في تفتيت العمل الاجتماعي، وهدم الأبنية العريقة الإسلامية والاجتماعية.. وكذلك إثارة سوء الظن، وإثارة النظرة، والحسد، والحقد.. إن التعامل مع المؤمن لا يكون في الخارج، إنما مع الصورة الذهنية المغتسلة!.. لأنه لم يتم الاطلاع على ذات ذلك المؤمن، فهو بنفسه محجوب عن ذاته، ولم يصل إليها!.. الإنسان المؤمن عليه أن يكون سباقاً في الدفع بالحسنى، {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}.

خامسا: الموازنة.. إن على الإنسان أن يوازن دائماً بين المصالح والخسائر، فإذا زهد الإنسان في أخيه، وأراد أن يطرده من العمل.. فإنه بذلك يكون قد كشف ستره، فلينظر: كم في هذا العمل من المنفعة، وكم فيه من المضرة!.. عليه أن يوازن!.. روي عن الإمام الباقر أنه قال: (يحشر العبد يوم القيامة، وما ندا دماً، فيدفع إليه شبه المحجمة أو فوق ذلك، فيقال له: هذا سهمك من دم فلان، فيقول: يا رب لتعلم أنك قبضتني وما سفكت دماً؟.. فيقول: بلى، سمعت من فلان رواية كذا كذا، فرويتها عليه، فنقلت حتى صارت إلى فلان الجبار فقتله عليها، وهذا سهمك من دمه).. قد يقول قائل: الحمد لله لسنا في هذا الطريق.. ولكن إذا تكلمت بكلمة عن أحد المؤمنين، فإن هذا الرجل يسقط من الأعين، ويعتزل المؤمنين، ثم ينحرف ثم يزني، ويشرب الخمر!.. ففي يوم القيامة أنت شريك في زناه وشربه؛ لأنك فصلته عن مجتمعه، وقطعت أوصاله، وقذفته من هذه الشجرة المباركة!.. فلابد أن نكون حذرين جداً!..

سادسا: عدم القطع.. إن الإنسان محاسب على قطعه.. إذا رأيت من يخالفك بالرأي بشكل كامل، لا تعاديه.. انظر إلى منطلقاته، إذا كان على يقين بصحة مسلكه، فقدّره واحترمه!.. في علم الأصول: إن القطع حجة!.. هو قاطع بمسلكيته، وبما هو فيه.. نعم، إذا رأيت إنسانا مخادعا، هو لا يقطع بصحة مسلكه.. ولكن قلبه حطام، هذا الإنسان نعم، قد يرجح لك أن تحاول معه.. ولكن ما دام نحن جعلنا القطع واليقين حجة، فلماذا نتواجه مع من هو قاطع في سلوكه؟.. إذا أردت أن تنقذه، فزحزح قناعاته، والمقدمات التي بنى عليها طغيانه القطعي.. حاول أن تزحزح هذه المقدمات، ليقتلع عن قطعه ومن جهله المركب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى