مقومات الحياة الزوجيةالسعيدة

دور الشيطان في تفتيت العش الزوجي

– إن الذي لا يرتب علاقته بالمخلوقين ترتيباً إلهياً صحيحاً، فإنه سيعيش أزمة كبيرة حتى في علاقته وتقربه إلى الله سبحانه وتعالى.. فالمؤمن في حركته التكاملية، يحتاج إلى حالة من حالات الاستقرار الباطني.. فإذا كانت الصلاة الظاهرية لا تؤدى في مكانٍ متأرجح، فكيف بالصلاة الباطنية، وكيف بالحركة التكاملية؟.. وبالتالي، فإن الإنسان الذي لا استقرار له في الحياة: سواءً في الجانب المعيشي، أو في الجانب الاجتماعي.. هذا الإنسان لا يمكنه أن يكون مستقراً، أو دائباً في حركته مع رب العالمين.. قال الصادق (ع): قال سلمان (رض): (إنّ النفس قد تلتاث على صاحبها، إذا لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه.. فإذا هي أحرزت معيشتها، اطمأنت).. إذا كان فقدان لقمة الخبز والمعاش الكافي، يوجب للإنسان فقدان الطمأنينة، فكيف بالاستقرار الزوجي؟..

– إن الزوجة التي ترجع إلى المنزل ويدها على قلبها، لأنها قد تواجه صفعة من زوجها، أو كلمة نابية، أو وضعاً يبعدها عن جوها الأسري.. والرجل الذي يأتي إلى السكن، وهو يتوقع في كل لحظة أن ينفجر في وجهه لغم من الألغام، أو يواجه وجهاً مكفهراً من الزوجة والأولاد، فإنه من الطبيعي أن هذا الإنسان لا سكن له.. فإذا فقد السكينة في المنزل، فإنه لم يعد مسكناً، بل يصبح بناءً من حجر ومن حديد، لا يأوي الوجود الإنساني.

– قلمّا يوجد حياة زوجية مستقرة متكافئة من جميع الجهات، حتى الذين يتزوجون، ويفترض أن يكون أحدهم في منتهى الأًنس والسعادة، لأنه في شهر العسل مثلاً، وإذا ببذور الخلاف تُستنبت في الليالي والأيام الأولى من اقتران الفتى بالفتاة.. ما هو السبب، وما هو السر في هذه الحالة؟.. وكلما تقدمنا في المدنية والحضارة، كلما رأينا الإحصائيات في هذا المجال، تزداد نسبتها.. وهذه الصحف ومصادر الإعلام، لا تكشف سِراً وإنما تبيّن نسبة مذهلة من نسب الطلاق والانفصال والخلاف، حتى في الأشهر الأولى من الاقتران.

– إن الإصلاح الزوجي يبدأ من الزوجة، لأن المرأة بطبيعتها، وتفرغها، وعدم تورطها بمشاكل الحياة اليومية.. يجعلها عنصر تأثير في المجتمع، وفي الحياة الزوجية أكثر من الرجل.. فالرجل في ذهنه عشرات الملفات الساخنة: من مشاكله في العمل، ومع من حوله، ومن همومه الذاتية، والحياة الأسرية ملف من ملفاته.. بينما الزوجة معظم اهتمامها، وجُل تركيزها في مسألة الحياة الزوجية؛ أي أن المرأة مساحتها الذهنية أفرغ بكثير من المساحة الذهنية للرجل.. وهذا يخولها لأن تقوم بدور فاعل في هذا المجال.. فالرجل محروم من بعض المنطلقات العاطفية، والمرأة بطبيعة تكوينها خُلقت مع العاطفة.. وفي القرآن الكريم عندما يصل الأمر إلى المرأة، يعبّر عن المرأة تعبيراً غريباً {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ}؛ هذه الآية تُبين بأن المرأة ما خُلقت للخصومة.. فإذن، إن معنى ذلك أن المرأة بطبيعتها، وبتكونها العاطفي، من الممكن أن تكون عنصر امتصاص لكثير من الصدمات الاجتماعية.

ما هي أسباب المشاكل الأسرية؟..

قسم من هذه المشاكل أسباب مادية، وقسم منها أسباب متعلقة بما وراء الطبيعة.

أولا: واقع الشيطان ودوره في تفتيت العش الزوجي، وهذا هو العامل الأساسي.. ذلك الشيطان الذي ارتكب أول جريمة في إنزال وإهباط آدم من الجنة.. فالشيطان له تاريخ عريق في إغواء بني آدم، عندما جاء إلى أبينا آدم وأخرجه من الجنة، قاسماً أنه لهما من الناصحين.. هذا الشيطان الذي نجح في الحملة الأولى في حياته، فأول عملية إغرائية وإغوائية كانت مع آدم.. وإلا لعل في بعض النصوص أن الشيطان كان خطيباً للملائكة، وعبادته عبادة قليلة النظير في تاريخ الكون، فهو من أكبر العابدين، وكان يأخذ آلاف السنين في سجدة واحدة.. فهو من العُبّاد الأوائل، وفي أول خطوة شيطانية جهنمية، أمكنه أن يصطاد صيده.. وإذا بأبينا آدم يصبح من بكائي التاريخ؛ لأنه كان يبكي بكاءً مريراً، لِمَا أُخرج من جنة الخلد.

– إن هذا الشيطان له دوره في حياتنا اليومية، فهو يجري كالدم في العروق.. وخاصة عندما يرى عائلة سعيدة مستقرة: فالزوج وجود فاعل في المجتمع، ووجود معطاء، أو رجل دين، أو شاب رسالي، أو أستاذ في الجامعة؛ أي إنسان له خدماته في الدين والرسالة.. والزوجة أيضاً لها دور رسالي في جانب آخر: في حوزة علمية، أو في مجتمع ثقافي، أو في مؤسسة تبليغية إعلامية.. فهذه الأسرة تعتبر غاية المنى لدى إبليس وجنوده، في تحطيم هذا الكيان.. هذا الرجل أو عالم الدين الذي بيده تثقيف جماهير من الأمة، وهذه الأم أو هذه الزوجة التي لها دور فاعل في إنقاذ جمع من الفتيات والنساء في المجتمع.. يقول الشيطان: بدلاً من أن أشغل نفسي بإغواء هذه وهذا، فلأحطم هذه الرؤوس المسؤولة عن هداية المجتمع.. ولهذا نلاحظ أن الإنسان كلما ازداد إيماناً وتألقاً وثقافة وولوجاً في ميادين الثقافة والمعرفة، تكون الهجمة الشيطانية عليه أكبر، وذلك من خلال وسوسة، ومن خلال إيجاد بعض الموانع.. فالشيطان لا سلطان له على الجوارح، ولكنه يدخل في القلوب، وهو المهم!.. فالقلب أمير البدن، وإذا أمكن للشيطان أن يدخل في هذه الإمارة، وفي هذه المملكة، يكون قد وصل إلى بُغيته.

ثانيا: عدم استيعاب فلسفة الوجود، وفلسفة الحياة.. وهذا من موجبات الخلاف، أو عدم النجاح في الحياة الزوجية.. بعض الناس -شعروا أو لم يشعروا، اعترفوا أو لم يعترفوا- من الدواعي المهمة في الحياة بالنسبة لديهم، التمتع والالتذاذ، وأن يمضي حياته -كما يدعون- بحالة من حالات ما يسمى بالسعادة والاستمتاع والتلذذ بمباهج هذه الحياة: يأكل ليعيش، ويعيش ليأكل في هذه الدورة القاتلة، وبتعبير الروايات: (المؤمن يتزود، وغير المؤمن يتمتع).

– إن الذين فلسفتهم في هذه الحياة التلذذ، فإنه من الطبيعي دائماً أن تكون علاقته بالغير وبالبيئة وبالطبيعة وبعناصر الحياة، من أجل تحويل الأمر إلى متاع.. فالزوجة التي تنظر إلى الزوج على أنه ممول مالي، من أجل تحقيق رغباتها في الحياة.. والزوج الذي ينظر إلى الزوجة، على أنها أداة للاستمتاع فقط.. فإن الزوج عندما يتقدم العمر بالزوجة وتذهب مفاتنها، يرى بأن دورها قد انتهى في الحياة، وماتت وهي في سن الأربعين والخمسة وأربعين، ولا يراها إلا مربية للأولاد كباقي المربيات اللواتي يُجلبن من الخارج.. وذلك لأنه كان ينظر إلى الزوجة على أنها رفيقة أنس، لا رفيقة حياة.. وكذلك الزوجة إذا رأت الزوج مُفلساً، وفقد ذلك البريق الذي كان كهالة تحيط به، فإنه من الطبيعي أيضاً أن تُعرض عن مثل هذا الزوج.. بينما فلسفة الحياة ليست كذلك، بل ما جاء في القرآن الكريم: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}.

– هل تعلم بأنه عندما يقول العاقد: زوجت فلانة من فلان، أن هذا العقد يمتد أثره إلى أبد الآبدين؟.. فإذا دخل الرجل الجنة بحسن عمله، فإنه يفتقد زوجته ويقول: يا رب أين زوجتي، كنت في الدنيا معها، وكانت شريكة آمالي وأحلامي، وربت أولادي؟.. يقال له: زوجتك في الأعراف، أو محبوسة في طبق من أطباق الجحيم.. فإن هذا الرجل المؤمن، الذي يُعطى له مقام الشفاعة -كما نعلم الشفاعة الكبرى للنبي وآله، والشفاعة الصغرى للمؤمنين يشفعون كربيعة ومضر- يشفع لزوجته، وإذا بهذه الأسرة التي تفرقت في عرصات القيامة تجتمع مرة أخرى.. يقول القرآن الكريم: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}؛ أي أن الزوجة والذرية تلحق بالرجل، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (ما من أهل بيت يدخل واحد منهم الجنة، إلا دخلوا أجمعين الجنة.. قيل: وكيف ذلك؟.. قال: يشفع فيهم، فيشفع حتى يبقى الخادم فيقول: يا رب، خويدمتي قد كانت تقيني الحر والقر، فيشفع فيها أيضا) إذا كان الرجل في الحياة الأبدية لا يغفل عن خويدمته، فكيف بالزوجة؟..

– فإذن، إن هذه العلاقة علاقة مقدسة، يراد بها الحياة الأبدية.. وبالتالي، فإن الزوج والزوجة شركة، كلما ترقى أحدهما في الإيمان درجة، كلما ارتقت الحياة الخالدة في جنان الخلد.. وعليه، فما المانع أن يقول الزوجان في ليلة الزفاف: يا رب، اجعل نتاجنا في شركة واحدة، ويوم القيامة أعطنا في الجنة منزلة تساوي مجموع المنزلتين، فنحن شركة.. فيطلب الزوج من الله -سبحانه وتعالى- أن يجعل له في خزانة، كل ما يعمله في خدمة الناس من الكد، لأجل كسب المال.. وكذلك تطلب الزوجة من الله -سبحانه وتعالى- أن يجعل حسن تبعلها في خزانة؛ ليكون المجموع ثمناً لدرجات لا تدرك في الجنة.. فالزوج الذي يكفل يتيماً، ثمرته أن تكون الزوجة هي أيضاً مع النبي (كهاتين) لأنها زوجة لهذا الزوج.. ولكن بعض الأوقات -مع الأسف- نلاحظ أن الزوجة تغار من هذه الكفالة، لأن ذلك قد يؤثر في سير حياتها المالية.. والحال لو كشف لهم الغطاء، لكان للأمر مسار آخر.

ثالثا: الملل من الرتابة في الحياة.. وهذا أيضا من موجبات الخلاف الزوجي، إذ يصبح الإنسان ويُمسي بشكلٍ واحد متكرر صباحاً ومساءً.. فالمشكلة في كل متاع الدنيا أمران:

المشكلة الأولى: الفناء.. فكل شيء مصيره إلى الزوال، وكل شيء هالك إلا ذلك الوجه الكريم.. قال تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}.
المشكلة الثانية: لكل جديد بهجة.. فكل جمال يصبح مألوفاً.. والذي لا يجعل الإنسان يعيش هذه الرتابة، هو الانتقال إلى ما وراء الطبيعة.. هل هناك عارف يقول: مللت من الصلاة!.. إذا كان المقياس هو الجاذبية المادية، فما هي الجاذبية في الحج؟.. وما الذي يجعل البعض يحج أربعين، أو خمسين حجة متوالية، ويستقرض من هنا وهنالك، ليذهب إلى الحج؟.. لو التفتنا إلى حلاوة الحياة من هذا البعد، لما صار هنالك شيء رتيب في الحياة أبداً.. هنالك عبارة في كتب العرفان والأخلاق جميلة جداً تقول: (لا تكرار في التجلي)، فكما أن علمه غير متناهي، وقدرته غير متناهية، كذلك جماله المتجلي للعباد أيضاً غير متناهي.. ومن هنا النبي الأكرم (ص) كان يستمتع بهذا الجمال، ويقول: (إن لي مع الله حالات، لا يحتملها ملك مقرب ولا نبي مرسل).. ما الذي كان يذهل الزهراء (ع) عندما تقف في محراب العبادة، هذا الوقوف الذي كان يتحول على شكل نورٍ أزهري؟.. وقد سميت بالزهراء لأن نورها كان يزهر في عالم الوجود، حتى أن علي -عليه السلام- كان من صور أنسه وتلذذه في الحياة، أن ينظر إلى الجمال الفاطمي:

شعَّت فـلا الشمـس تحكيها ولا القمـرُ *** زهـراءُ من نورها الأكوانُ تزدهـرُ
حـوت خِلال رسـول الله أجمــعَها *** لولا الرسالـةُ ساوى أصلـه الثمرُ

– إن المرأة أسيرة خرجت من بيت أبيها وأمها، ولم يكن ينقصها الحنان، وكانت تعيش حياة مستقرة وجميلة.. فما الذي جعلها تخرج من بيئتها الجميلة، وقد تكون في بيئة مترفة بالترف الحلال.. هذه المرأة جاءت إلى البيت لتكون بين يدي الزوج أسيرة، بالمعنى الاختياري، فهي ليست أسيرة قسراً، هي بنفسها جعلت نفسها بيد الرجل.. فالزوج عندما يعيد التأطير، وينظر إلى الزوجة على أنها وديعة الله.. فإنه ينظر إليها على أنها ريحانة، كما في الحديث: (المرأة ريحانة وليست بقهرمانة).

– إن المرأة كالقارورة، فالقارورة توضع في مكان الزينة، ويُجعل فيها الورود، ويراعيها الإنسان لئلا يصيبها خدش، وخاصة إذا كانت القارورة مرصعة بالجواهر.. والمرأة قارورة، والمؤمنة قارورة مرصعة بالياقوت والزبرجد.. فأين توضع هذه القارورة؟.. إن القوارير التُحفية هذه الأيام، توضع في خزانات زجاجية في المتاحف، والذي يريد أن ينظر إليها، عليه أن يدفع مبلغاً من المال.. نعم هكذا القارورة، فـ(رفقاً بالقوارير)!..

– هنيئاً لمن كان لها زوج رسالي!.. إذا كان هذا الزوج يحمل هذا البعد الرسالي، على الزوجة أن تهيئ له الأجواء المناسبة، فتقول له: أنت اعمل لآخرتك، وأنا عون لك.. لا أن تجعل العمل الرسالي بمثابة الزوجة الثانية، فتغار من الدين والشريعة والعمل الرسالي، كما تغار من ضرة لها.. فالمرأة التي تنظر بهذا المقياس الرسالي، تختلف نظرتها إلى الوجود.

رابعا: القدوة الباطلة.. إن الإعلام المرئي والمسموع هذه الأيام -مع الأسف- يحول الأباطيل إلى حقائق.. فعندما تسأل أحد عن قدوته في الحياة، وإذا به يطرح ممثلاً راقصاً أو راقصة إلى آخره من الذين خرجوا عن زي الإنسانية!.. لماذا لا نقرأ سير الخالدات المؤمنات في التاريخ، فهنالك كتب مؤلفة في سير النساء المؤمنات؟.. لماذا لا ننظر إلى حياة آسية، التي كانت في بيت فرعون، ذلك الكافر الذي يدعي الربوبية، ويُذَبح الأبناء، ويستحي النساء.. فهذه الزوجة التي في قصر فرعون، لم تترك الحركة التكاملية، رغم أنها لم تلتق وليا ولا وصيا؛ لأنها كانت في القصر، والقصر مراقب.. وإذا بها بحركةٍ ذاتيةٍ عصامية، تصل إلى درجة تناجي ربها بمناجاةٍ وبدعاءٍ، ما ورد له نظير في القرآن الكريم.. فمريم -عليها السلام- تنزل عليها المائدة اللدنية، كلما دخلت المحراب، بينما آسيا تطلب من الله الجنة اللدنية بما فيها {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ} هذا البيت المبني لها في الجنة، لا كباقي البيوت.. فإذن، على النساء الإقتداء والتأسي بالصالحات القانتات طوال التاريخ، وهن لسن بالقليل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى