جولة في نهج البلاغةكيف نتعامل مع نهج البلاغة

إحياء ليلة 23: كلمة وأدعية

– إن مشكلة الإنسان أنه يعتبر الدعاء أمراً استحبابياً كمالياً في حياته، وله موسم.. وموسمه: شهر رمضان، وليالي القدر بالخصوص، وفي بعض مواطن الحج: كيوم عرفة.. والحال بأن الدعاء أرقى وأعمق من ذلك بكثير، فالدعاء صلة بين العبد وربه.. والقلب إذا انقطع، على الإنسان أن يصله بالله -عز وجل- من خلال التضرع والمناجاة.. هذا القلب يضمر، وبعد الضمور هنالك الشلل، وبعد الشلل هنالك الموت، وبعد الموت -موت القلب- هناك ما يسمى في القرآن الكريم بالختم على القلب، تغلق منافذه إلى درجة لو جعل مع النبي في غرفة واحدة سنة طويلة، لن ينتفع بوصايا رسول الله (ص)، {وَسَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}.

– إن هذه استراتجية الدعاء، الداعي يفتح قلبه على رب العالمين، وإذا انفتح قلبه على رب العالمين؛ هنالك واردات، وهنالك تلقيات وإشارات وذبابات من عالم الغيب، تأتي إلى القلب.. فيتسع القلب بعدها، ويتنور، ويبصر (إن الله جعل الذكر جلاء للقلوب: تسمع به بعد الوقرة، وتبصر به بعد العشوة، وتنقاد به بعد المعاندة).. ويصف علي (ع) أصحاب هذه القلوب بأنهم (عباد ناجاهم في فكرهم، وكلمهم في ذات عقولهم).. الوحي خاص بالأنبياء، ولكن الإلقاء في الروع بابه مفتوح.. فرب العالمين أوحى إلى أم موسى {إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ}، وكذلك مريم، لم تكن من أصحاب الوحي.. فالوحي خاص بالأنبياء، وليس هنالك نبي من النساء؛ ولكن الله -عز وجل- كان يوحي إليها؛ بمعنى الإلقاء في الروع، فبشرها بالمسيح وغير ذلك من البشارات.

– ما هي آداب الدعاء؟.. ولماذا تتأخر الاستجابة؟.. وكيف ندعو الدعاء المستجاب؟..

أولاً: هنالك مقولات ومفاهيم موطنها القلب، ولكن اشتباها جعلنا موطنها اللسان، وبالتالي فقدت الخواص.. مثلا: إنسان يريد في شهر رمضان أن يغير من طعم فمه، فيشتري الحلوى.. لو أن إنساناً أخذ ورقة وكتب عليها كلمة “الحلوى” وأخذ سبحة، وأخذ يذكر الحلوى ألف مرة، ماذا سيستفيد من حلاوة الحلوى في تلك الليلة؟.. إذا رآه أحد يقول: هذا إنسان أصيب في عقله، يريد أن يتمتع بالحلوى من خلال ذكره، ومن خلال كتابته، ومن تعليق صور الحلوى في منزله.. هذا كله لا يغني شيئا.. اذهب إلى محل الحلويات، واشتر قطعة، وضعها في فمك.. هكذا يستمتعون بالحلوى، فالحلوى محلها حليمات التذوق.. والمسك محل الاستفادة منه، حليمات الشم في الأنف.. والأصوات الجميلة كيفية الاستفادة منها طبلة الآذن، وهكذا.. فالذكر والدعاء والحوقلة والاستغفار، كل هذه معان قلبية؛ ولكن لأن قلوب بني آدم لا تعمل، وفيها ضمور، وشلل، وخدر، والبعض فيه موت -مثلاً- من الطبيعي أن القلب لا يتفاعل مع الدعاء.. كمن يقول: بأن الحلوى لا يمكن الوصول إليها الآن، فأذهب إلى المحل، وأنظر إلى أطباق الحلوى، وأتحسر بالنظر إليها.

– إن الإنسان لا يمكنه في بعض الحالات أن يعيش هذه المعاني القلبية، فيحول الأمر إلى ذكر لفظي.. فاللفظ عملية متعلقة بعالم الأبدان: الزفير يخرج، وأوتار الصوت تتحرك، والحنجرة والفم والفكان، كل ذلك يتحرك ليقول الإنسان: الله أكبر!.. فما قوام هذا التكبير، أو الاستغفار؟.. إنه هواء يخرج من الرئتين، والهواء الخارج هواء سام، هو عبارة عن ثاني أكسيد الكربون.. فالأذكار اللفظية كلها من هواء فاسد، ولا يعني شيء في الواقع.. ولهذا لو أن الإنسان تلفظ بالاستغفار في حال النوم، لا يعتني باستغفاره.. ولو تلفظ بها في حال الإغماء، لا يعتني به، لأنه لا رصيد خلفه.

– تحويل الدعاء الملفوظ إلى دعاء مقصود.. إن الدعاء حركة في القلب، فإذا وافق اللسان القلب، فهذا أمر جيد، نور على نور، وإلا فإن الأمر لا يحتاج إلى تلفظ.. يقول الإمام زين العابدين (ع) في مناجاته: (إلهي!.. إن كان الندم على الذنب توبة، فإنّي وعزّتك من النادمين.. وإن كان الاستغفار من الخطيئة حِطّة، فإنّي لك من المستغفرين).. في كتب الفقه يقولون: بأن التوبة هي عبارة عن الندامة، وليس عبارة عن قول: استغفر الله!.. إنما التوبة هي الندم، والعزم على عدم العود.. فإذن، إن الخطوة الأولى أن نحول الدعاء الملفوظ، إلى دعاء مقصود.. الدعاء الذي هو في الحنجرة والصوت، إلى دعاء في القلب.. ورد عن الإمام الصادق -عليه السلام- حيث قال: (ما جفت الدموع، إلا بقسوة القلوب.. ما قست القلوب، إلا لكثرة الذنوب)؛ فالذنب عندما يتراكم، يميت القلب.

– موانع الاستجابة:
– إن البعض يسأل: ما هي موانع الاستجابة؟.. فنحن ندعو في مكان شريف، وفي زمان شريف، ولا يستجاب لنا.. والله -سبحانه وتعالى- وعد، ولا خلف لوعده، حيث يقول في كتابه: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}؛ ولكن أين الإجابة؟..

أولاً: عدم الوصول.. إن هنالك دعاء صادرا، وهنالك دعاء واصلا.. والدعاء المستجاب، هو الدعاء الواصل، وليس الدعاء الصادر.. مثلا: إنسان يبعث بمبلغ مالي كبير، فيجعله في ظرف، ويجعل عليه طابع بريد مسجل؛ ولكن هذا المبلغ لا يصل للطرف الآخر.. وعليه، فهو غير ملزم بشيء، ولا حتى بالشكر؛ لأنه لم يصله شيء.. فإذن، إن الآثار مترتبة على الشيء الواصل، لا على الشيء الصادر.. والدعاء قد لا يصل إلى الله -عز وجل- وإن كان الله -عز وجل- لا يحده شيء؛ ولكن هنالك حجبا -كما في دعاء كميل لأمير المؤمنين (ع): (اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء)– لا تجعل هذا الدعاء يصل إلى الله سبحانه وتعالى.

ثانياً: عدم خروجه من القلب السليم.. إن هذه الموانع إجمالاً ذكر بعضها في مناجاة أبي حمزة الثمالي، أو مناجاة الإمام زين العابدين (ع) في شهر رمضان، حيث يذكر بعض الموجبات.. عندما يقول: (أو لعلك وجدتني في مقام الكاذبين، فرفضتني!.. أو لعلك فقدتني من مجالس العلماء فخذلتني!.. أو لعلك رأيتني آلف مجالس البطالين، فبيني وبينهم خليتني)!.. الخ.. ولكن الذي يجمع هذه الأمور كلمة واحدة، ألا وهو الظلم.. فالإنسان الظالم بعيد عن رحمة الله عز وجل، والرحمة تحتاج إلى محل قابل.. في الحياة اليومية هناك بصمات ومواضع كثيرة، لظلم بعضنا بعضاً: من ظلم النفس، إلى ظلم الزوجة والأسرة، إلى ظلم المجتمع والأرحام، وغيرهم.. فالذي يريد أن يصل دعاؤه إلى الله -عز وجل- عليه أن يصفي هذه العلاقات مع نفسه ومع الغير.. كيف يقول: يا رب، انصر المظلومين، وهو من الظالمين؟!.. إذا صار البناء على أن يؤخذ كل ظالم على وجه الأرض، فهو أيضاً منهم؛ لذا من الأفضل أن يترك الدعاء.. الإنسان الذي يريد أن يدعو على من ظلمه، لابد أن يكون على مستوى من النزاهة؛ لكي يستجاب له.. وعليه، فإن الدعاء إذا صدر من القلب السليم، وخرج بشرطه وشروطه، فإن رب العالمين لا يؤخر الإجابة.

ثالثاً: مبدأ التعويض.. إن هناك أدعية لا تستجاب، لا لأنها غير واصلة، بل وصلت؛ ولكن هنالك مبدأ التعويض.. فرب العالمين حكيم، والإنسان أمام الله -عز وجل- أقل من مستوى الأطفال بين يدي الآباء، يطلبون ما لا ينفعهم.. والإنسان هو أسير شهوته، فإذا كان بلا مال، ويعمل ما يعمل!.. وإذا به في ليلة القدر يصيح: اللهم!.. أعطني ثروة، أو أنجحني في العمل، أو أعطني شركة أو ثروة.. فرب العالمين يقول لملائكته: ماذا أفعل مع هذا العبد، يطلب مني السم القاتل؟.. الآية تقول بالنسبة للإنسان: {كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى}؛ رأى نفسه مستغن؛ أي هو ليس غنيا، ولكنه متخيل أنه غني، فكيف إذا كان غنياً بالفعل؟!.. فرب العالمين يقول: لا تعطوه شيئا، ولكن أنا رب كريم، هو دعاني وسأعطيه، ولكن في عرصات القيامة.. العبد يدعو لا يستجاب دعاؤه، فإذا صار يوم القيامة، أعطاه الله ما لا يخطر بباله من العطاء.. فإذا رأى الشخص يوم القيامة دعواته التي لم تستجب، وقد بدلت حسنات، يتمنى لو لم تستجب له دعوة واحدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى