عباد الرحمن

قيام الليل وحركة التكامل

– إن مقام العبودية من أرقى المقامات في هذه الحياة، بل هي ثمرة الوجود.. والذي لا يعيش حالة العبودية لله -عز وجل- إنسان غاصب، لأن هذه الأرض هي ملك لله -تعالى- والإنسان الذي يعيش عليها، وقد أغضب صاحبها، فهو يعيش عليها دون رضاه.. وبالتالي، فإن صلاته غير مقبولة لأنها على أرض مغصوبة.

– قال تعالى {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا}.. إن المؤمن له أنس بالليل.. لأن الليل أولا فيه هدوء، والإنسان يحتاج إلى هدوء.. وثانياً ميزان السيئات والمعاصي، يصل إلى أدنى مستوى في الليل.. فأفضل الساعات هي ساعة قبل آذان الفجر، والساعة والنصف بين الطلوعين.. ومن هنا، فإن جوف الليل بالنسبة للمؤمن هي ساعة لقاء، وليس قضية عبادة إجبارية لأجل الثواب.. فهو ينتظر جوف الليل كي يخلو مع ربه في مناجاة بليغة.

– وليس المهم أن يصلي الإنسان صلاة الليل، ولكن المهم أن ينوي ذلك.. فإن كان مستيقظاً صلى صلاة الليل، وإن لم يستيقظ فعليه بالقضاء في النهار، ولو ركعتي الشفع والوتر فقط، فهذه حركة جميلة.. وبذلك يجعل من الملحقين بأهل قيام الليل.. وهذا فخر عظيم!.

إن هناك مجموعة من المستحبات اللازمة قبل النوم:

– أولا: الوضوء.. المؤمن قبل أن ينام يتوضأ، فالذي يبيت على طهور، هذا الإنسان ينام وهو في حال عبادة.. عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (من بات على طهر، فكأنما أحيى الليل).. إن ثلث العمر يمضي بالنوم، فلماذا لا نحول هذا الثلث إلى عبادة مستمرة؟.. فالإنسان يوم القيامة تقتله الحسرة، لأنه كان بإمكانه أن يقوم ببعض الأعمال البسيطة، ويصبح غنيا في مثل هذا اليوم.. عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (ما أعرف أحدا، إلا وهو أحمق فيما بينه وبين ربه)!..

– فإذن، لماذا لا نحول هذا الثلث، إلى طاعة بين يدي الله -عز وجل- وذلك من خلال النية التي لا تكلفنا إلا كلمة واحدة، أو حتى خاطرة، فنقول: اللهم!.. إني أنام لأتقوى بنومي على عبادتك، ولأعمل في النهارو أكد على عيالي، فالكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله.. كان رسول الله (ص) إذا نظر إلى الرجل فأعجبه، قال لأصحابه: هل له حرفة؟.. فإن قالوا: لا، قال: سقط من عيني، قيل: وكيف ذاك يا رسول الله؟!.. قال: لأن المؤمن إذا لم تكن له حرفة يعيش بدينه.

– ثانيا: النوم على الجنب الأيمن مستقبلا جهة القبلة.. عن النبي (صلى الله عليه وآله): (إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن…).

– ثالثا: تسبيحات الزهراء (عليه السلام): عن الصادق (عليه السلام): (من بات على تسبيح فاطمة -عليها السلام- كان من الذاكرين لله كثيراً والذاكرات).

– رابعا: قراءة آخر آية من سورة الكهف حتى يستيقظ للصلاة في وقتها.. {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}.

– خامسا: قراءة التوحيد ثلاث مرات.. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أما تعلم أنك إذا قرأت {قل هو الله أحد} ثلاث مرات، فقد قرأت القرآن كله…).

– سادسا: الاستغفار.. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (وإذا قلت: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه -عشر مرات- فقد أرضيت الخصوم…).

– سابعا: المناجاة.. يستحب للمؤمن أن يناجي الله قبل النوم، والذي يخاف من تلاعب الشيطان به في النوم فليقرأ، (اللهم!.. إني أعوذ بك من الاحتلام، ومن سوء الأحلام، ومن أن يتلاعب بي الشيطان في اليقظة والمنام).

– إن من يريد أن يصل إلى مقام اللقاء، لا بد له من العمل، وليس فقط بحضور المجالس والاستماع.. فالذي يحب يعمل ويكدح، من أجل الوصول للمحبوب.. ونحن في التعامل مع الله -عز وجل- عشاق مفلسون.

– إن الإنسان الذي تصفو نفسه تصبح مرآته شفافة، وإذا أصبحت عدسة القلوب شفافة، فإنه يرى ما يراه المنظار التلسكوبي الفضائي.. عندئذ يتلقى المعارف، وهذه المعارف منها ما يأتي في المنام.. فإبراهيم (عليه السلام) ما جاءه جبرائيل وطلب منه أن يذبح إسماعيل، وما جاءه كتاب من الله، إنما رأى ذلك في المنام {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ}.. فالإنسان قد يصل إلى درجة من الدرجات، يتلقى فيها العلم في نومه.. إن الإنسان المؤمن بعض الأوقات يستيقظ من نومه، وهو في حالة نشاط، ويرى بهجة في قلبه، كأنه سافر إلى زيارة ورجع منها.. نعم هذه الروح ذهبت إلى الله عز وجل {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، الإنسان النائم يذهب إلى الله عز وجل، فإذا كان الله -عز وجل- غير راض عن الإنسان.. فإنه يرجع له الروح كما هي، بل ملوثة والشياطين تلعب بها ذهاباً وإياباً.

– إن المؤمن عليه أن يتزوج من تناسبه، فبعض المؤمنين تكون روحياته عالية، وعندما يتزوج يفقد كل شيء.. لذا على المؤمن أن يدقق في اختيار الزوجة التي لا تكون مانعاً، إذا لم تكن دافعا.. إذ أن بعض النساء يرون أن هذه الصلاة ضرة لهن، فتمنع الزوج من ممارسة بعض المستحبات الراجحة.. ولكن أيضا على الزوج أن لا يبالغ بشكل ينفر الزوجة.

– إن مشكلة النساء هذه الأيام، في كل مكان.. لو أن أحدهم أحب ملكة جمال، ثم أخبر بأن هذه المرأة كانت تضرب أمه!.. هل يبقى هذا الجمال مغريا؟.. بالتأكيد لا، بل تصبح عدوة له.. وبالتالي، فإن المرأة السافرة هي عدوة لله -عز وجل- بسفورها.. فكيف يرتاح المرء إلى امرأة، هي في مقام العمل هتكت شريعة رب العالمين!.. فهو إذا كان محبا لله حقيقة، فإنه بلا مجاهدة يتركها.. لأنها امرأة هتكت حرمة رب العالمين؟.. أحدهم كان يقول بأنه يرى النساء السافرات كالبهائم، رحم الله الشهيد مطهري الذي يقول: لو كان السفور حضارة وتمدنا، فالحيوانات أكثر الأشياء تمدناً!.. هنيئا لمن أصبحت نفسه نفساً ملكوتية!.

– إن باب اللقاء الإلهي مفتوح للجميع وفي كل وقت، وباب المعرفة مفتوح للجميع.. فأويس القرني ما رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقد جاء للمدينة ولم يكن موجودا.. ولكن رب العالمين أوصله إلى كمالات مذهلة!..

– إن التاجر الذي مُنيَ بخسارة في تجارته، فإنه كلما أسرع في إغلاق المحل، كلما قلت خسارته، وهذا ربحٌ أيضاً.. لذا على المؤمن أن يسرع في تغيير ما هو فيه، وخاصة الذنوب الخالقية.. إذ يكفي أن يناجي ربه في جوف الليل نادما مستغفرا قائلا: (إلهي!.. إن كان الندم على الذنب توبةً، فإني وعزّتك من النادمين.. وإن كان الاستغفار من الخطيئة حطّةً، فإني لك من المستغفرين)!..

– أما بالنسبة إلى حقوق الغير، إذا كانت مالية، فعليه أن يرجعها لأصحابها.. حتى لو كان قاتلا، فعليه دفع الدية.. فالعودة إلى الله -عز وجل- سهلة جدا، (ابنَ آدم!.. اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدتَ كلَّ شيء، وإن فِتُكَ فاتكَ كلَّ شيء)، فرب العالمين أشد فرحاً بتوبة عبده، ممن ضل راحلته في ليلة ظلماء ثم وجدها.. يقول تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}؛ والتواب هو كثير التوبة؛ أي يعصي ويتوب، ثم يعصي ويتوب.. ولكن بشرط عدم الاستهزاء.

– إن تذكر الذنوب يوجب اليأس، ويوجب التقاعس.. ولكن في بعض الحالات، لا بأس بتذكر المعاصي، كي لا يصاب الإنسان بالعجب، وعند الذهاب للكعبة فليتذكر الإنسان ذنوبه عند المستجار.

– إن الغفلة عن الله -عز وجل- هي من أكثر الأمور حرقة لباطن الإنسان.. مثلا: لو جاء إلى بيت أحد المؤمنين مرجع تقليد، وذهل عنه إلى الصباح، فلم يقم بضيافته كما يجب، فإنه سيعيش الخجل، لأنه غفل عنه.. هو ما آذاه بكلام، ولا طعنه بخنجر.. ولكنه غفل عنه، فإذا به يعيش الحرقة والخجل والندم.. وكذلك الغفلة عن الله عز وجل، فإنها تورث الحسرة القاتلة في الدنيا قبل الآخرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى